ذكريات من قرية منسية.. حين كان العالم سوقًا صغيرًا

كانت قريتنا تقع محاذيةً طريقًا وطنيًا واسع الاستعمال، الطريق الوطنية رقم 3، وينشط فيها سوق أسبوعي يوم الأربعاء، أو (سوقْ نهارك طيّب) كما يحلو لجدي تسميته نظرًا لصغره وقصر مدته، تباع فيه بعض بضائع تجار المنطقة وفلاحيها وسلعهم للتجار من التبن والقْرط والعلفة لتجار يأتون من مناطق أخرى، لكن هذه السوق كانت لي كوكبًا آخر، أو آخر نقطة من هذا العالم؛ لذلك كانت أعظم إنجازاتنا هو يوم اصطحابنا إلى هذا العالم؛ لنشاهد فوضى الألوان والغبار وأفواج السيارات، ونصغي إلى أغنيات الباعة وأحاديث الناس عن القمح وأيّام الاستعمار ومجادلاتهم التي لا تنتهي مع الباعة.

لقد كان العالم سوقًا مكتظًة عندي، كنت أعتقد أننا موجودون نحن فقط في هذا الكون! وفي ذهني الصغير كان هذا العالم هو محيطنا نحن فقط! (دوّارنا) نحن والدواوير المجاورة وسوقْ الأربعاء، ولا يوجد أحد سوانا، أما أن تقول لي إن العالم أكبر من هذا، وأنا طفلة يجب عليك أن تحترم عقلي، أن تقول لي إن في هذا الكون دولًا كبرى واقتصادًا عالميًا متشابكًا يربط دول العالم كلها مع بعضها البعض أقول لك سامحني، واحترم عقلي الطفولي المحدود وعالمي الخاص.

نحن الريفيون أبناء الأرض تعرفنا بسيمانا، وجوهنا عليها سمرة الشمس، وابتساماتنا عريضة، وفينا براءة تجعلنا لا نهتم بما وراء الإسفلت.

إنهم نحن.. نحن ونحن صغار.. الأقدام التي تتنكر للحذاء..

الجسد الذي يتنكر للملابس المبالغ فيها، والنوم المتكلف، والجلوس المتكلف، والضحك المتكلف.. الحياة واضحة، وفيها صراعات، لكنها صراعات سهلة لا تؤصل عداوة ولا تنتهي بكارثة.

الأطفال هم مستقبل البلاد.. وهم وارثو التاريخ..

وعلى الرغم من هذا الماضي الطفولي المغلق أبناء القرى المنسية هم الذين بنوا الأبنية العالية، ورصفوا الطرق، وحفروا الترع، وأقاموا الجسور، وبنوا الحضارة، وشيّدوا المصانع، ووقفوا تحت الشمس في الحقول، وعلَّموا أبناءهم الحلم في ظلال شجرة أو على نور فانوس، وهم من كتبوا المجد بأيديهم المتعبة وقلوبهم المملوءة بالإصرار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.