الأيام الحلوة: حين تصبح الذاكرة وطنًا

كثيرًا ما نردد عبارة «كانت أيام» بحسرة تخفي وراءها رغبة في استعادة زمن لم ندرك قيمته إلا بعد فواته. إن ذكريات الطفولة ليست مجرد شريط سينمائي يمر بخيالنا، بل هي استحضار لزمن كانت فيه بساطة الحياة هي المصدر الحقيقي للسعادة.

في هذا المقال، نعود بآلة الزمن إلى أيام زمان، حيث رائحة المطر على التراب ودخان «الوابور» وصخب الحارة المصرية الأصيلة، لنكتشف كيف تحولت تلك التفاصيل العادية إلى مادة نادرة من الجمال يسكنها الحنين إلى الماضي بكل تفاصيله الصادقة.

أيام زمان.. لم نكن ندرك ونحن نعيشها، أن بعض الأيام تُصاغ من مادةٍ نادرة اسمها الجمال. تمرُّ بنا عادية، مزدحمة بالتفاصيل الصغيرة، وربما مثقلة بما نظنه حينها أعباءً، ثم تمضي. وبعد أن تغيب، وتبهت ملامحها، وتتحول إلى أطياف بعيدة، نفاجأ بأنها كانت الأجمل. عندها فقط نقول، بحسرةٍ ممزوجة بالحنين: «كانت أيام».

بهذا المعنى، تبدو الطفولة كأنها وطنٌ مؤجل الاكتشاف؛ لا نعرف قيمته إلا بعد الرحيل عنه، ليست مثالية، ولا خالية من القسوة، لكنها تكتسب جمالها من بساطتها وصدقها، وربما لو عادت اليوم، بعين الحاضر المثقلة، لاكتشفنا فيها ما لم نره قديمًا من صعوبة وضيق، لكنها في زمنها كانت الجمال ذاته.

مسؤولية منذ الطفولة

طفولتي لم تكن نسخةً مطابقة لقصص الآخرين، لم تكن خفيفةً كما يجب أن تكون، بل كانت ممهورة بعبارةٍ لم تفارق أذني: «أنتِ الكبيرة»، عبارة تختصر مسؤولياتٍ مبكرة، وتلقي على كتفيْ طفلةٍ ما لا يُلقى عادة إلا على الكبار، ومع ذلك لم تسلبني تلك العبارة حقي في الدهشة، ولا قدرتي على التقاط الفرح من أبسط الأشياء.

حين أستعيد المشهد الآن، تتقدم الذاكرة ببطء، كأنها تفتح صندوقًا قديمًا، أرى جدتي ودكانها الصغير، ولمبة الجاز التي كانت تبعث ضوءًا خافتًا، لكنه حميم، كأنه يحتضن المكان، أسمع صوت «الوابور» وهو يشتعل، فأشعر بدفئه يتسلل إلى أطرافي في ليالي الشتاء القارسة، كان الصوت جزءًا من الطمأنينة، كما لو أن الدفء له نغمة.

في البيت، كانت أمي منشغلة بنا نحن التسعة: ست بنات وثلاثة أولاد؛ بيتٌ ضيقٌ في مساحته، واسعٌ في ضجيجه وحياته، لم يكن الصخب مزعجًا، بل كان دليلًا على الامتلاء، لكل صوتٍ حكاية، ولكل ركنٍ أثر.

ذكريات رمضان الجميلة

خارج البيت، كانت الحارة عالمًا قائمًا بذاته، هناك تعلَّمنا اللعب، وتعلَّمنا الحياة... شتاء زمان كان مختلفًا؛ أكثر قسوةً في برده، لكنه أكثر صدقًا في إحساسه. أذكر بائع العرقسوس، وصوته المميز، وبائع «التين»، وتلك النداءات التي كانت تُشكِّل موسيقى يومية لا تتكرر. ومع اقتراب المغرب في رمضان، كان صوت المدفع يمتزج بالأذان، في لحظةٍ تتوقف فيها الدنيا قليلًا، ثم تنبض فجأة.

قبل الإفطار، كان لوح الثلج يصل، استعدادًا لصناعة العصير، تتداخل أصوات الباعة، ويختلط النداء بالحركة، في مشهدٍ لا يخلو من الفوضى، لكنها فوضى محببة، أما الروائح فكانت لغةً أخرى للحياة؛ تنبعث من البيوت جميعًا، كأنها دعوة مفتوحة للمشاركة. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نتقاسم كل شيء.

كانت الزينة تُعلَّق في الطرق والشوارع، كعناقيد عنبٍ مضيئة، تضيف إلى الليل بهجةً لا تُشترى. كان الضوء بسيطًا، لكنه كافٍ ليجعل القلوب أكثر خفة.

السوق أيضًا حاضرٌ في الذاكرة: بائعو الخضار، و«عم سعيد» الجزار، والوجوه التي نعرفها جميعًا. ودكان جدتي الذي كنت أهوى زيارته في منطقة الجزيرة، حيث تختلط رائحة البضائع برائحة المكان، وتتحول الزيارة إلى طقسٍ يومي.

حتى المطر والبرد كانا ممتعيْن

ومن بين كل التفاصيل، تظل بعض الصور أكثر التصاقًا: رائحة التراب حين يختلط بالمطر، يداي وقد اصطبغتا بالزرقة من شدة البرد، شواء الذرة على الفحم أمام دكان جدتي، وجلوس الجيران على «المصطبة»، في سمرٍ بسيطٍ لا يحتاج إلى أكثر من الحضور.

وفي المساء، مشهدٌ لا يغيب: أمي تُشعل لمبة الجاز، وتنتظر عودة أبي، لم يكن الانتظار صامتًا، بل كان ممتلئًا بالمعنى، وحين يعود تحكي له، ويقُص عليها، كأن اليوم لا يكتمل إلا بتبادُل الحكايات.

هكذا كانت الأيام: عادية في ظاهرها، استثنائية في أثرها، لم تكن خالية من التعب لكنها كانت صادقة، لم تكن مثالية، لكنها كانت حقيقية، وربما هذا هو سرها: أنها لم تتصنع الجمال، بل عاشت ببساطة، فصارت جميلة.

اليوم، حين نستعيدها، لا نفعل ذلك لنهرب من الحاضر، بل لنفهمه؛ لأن الذاكرة، في النهاية ليست مجرد حنين، بل محاولة دائمة للعثور على معنى ما فقدناه... أو ربما ما لا يزال يسكننا دون أن ندري.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة