ذكرى الدكتور عبد العزيز الزير في قصيدتَيه

شعر الدكتور عبد العزيز الزير في صباه؛ وذلك في الثانوية عام ١٣٨٨هـ.

حنين(في رسالة إلى عبد الله التركي) ١٣٨٨/٥/١٣هـ

أصافح باليمنى حبيبًا مودعا

    وأمسح بالبشرة الحزينة أدمعا

فأطوِي فؤادًا يستجيب من الأسى

     يكاد من الويلات أن يتقطــــــعا

وربك لا أنساه لا أنسَ ذكره

     ولا أنسَ أيامًا ولا أنسَ موضعا

أتاه إذا ما اللـــيل مدَّ جناحه

    وأذكره طول النهار تفجـــــــــعا

فأشتاق يأتيني ليجلس جانبي

على الرمل أو في الروض كي نتمتعَا

حنانيك عبد الله، إن يد النو

سقتني عذابا كالعُباب مــــــــــــروِّعا

أحمِّل نسمات الصباح تحيـــةً

 من الشهد أحلى أو من المسك أضوَعا

تذكِّره أني عـــــلى وُدِّنا الذي

تعَهَّدَه حتى نما وتــــــــــــرعرعا….

سأبقى على مر التفرق صابرا 

ومنتظرًا حتى يؤوب ويـــــــــــــرجعا

ويكسو رياح الأمنيات ربيعها

  وننعم بعد البعد كي نلــــــتقِي معا 

اقرأ ايضاً نهى داوود: أفضل أعمالي لم ينجح حتى الآن.. وهذه هي مثلي الأعلى في كتابة الرواية البوليسية

خزينة أدبية للدكتور عبد العزيز الزير

لم نعلم أن الدكتور قد كتب الشعر في صباه، ولم نُخبر بأنه قد تكوّنت لديه آليات الشعر، وأنه خزينة أدبية رائعة رصينة، وأنه حفظ للشعراء ما يفوق الخيال. وإن كان قد أشارت إلى هذا إحدى الدكتورات السعوديات التي أخذتْ عن الدكتور.

نعيد النظر إلى هذه الأبيات فنجد أن صباه ليس كأيِّ صبًا. وهو يكتب هذه الأبيات في ذلك الزمن، فعلمنا أن ذلك الزمن كان زمن علمٍ وأدبٍ، ويخبر بميله إلى الأدب في عنفوان شبابه، ويخبر باطلاعه على الأدب الراقي، فترقَّى ذوقه، وهذَّب ألفاظه بمحفوظاتِه الأدبية  واللغوية، وصقل بيانه، وأخرج درَّه الذي ربما يندر عند من كان في عمره في هذا الزمن. وليس بدعًا من الشعراء الذين كتبوا في صباهم، فشوقي كتب، والمعري، ومحمد الغزالي.

يحنّ إلى صديقِه، فلم يكتم ما في جوانحه حتى يحترق شوقًا إليه ولا يذوب من الفراق الطويل، ولا يذوب من افتقاده له. ولكنه حال وداعه يرسم لنا حاله كيف فعل حين لم يتحمل ذلك.

وهو فعل مثل ابن الرومي الذي قيل إنه يرسم بالألفاظ، وهو يصافحه بيدٍ يمنَى، ويمسح الدموع بيدٍ يسرَى، وليس هذا فحسب، بل عبر عن هذه اليد اليسرى التي تحزن، وهي تمسح الدموع التي تتساقط من الحزن أيضًا.

اقرأ ايضاً الأدب العربي بين شاعر التنوير وشاعر التصوير

استخدامات مصور فوتوغرافي 

ولو أُتي بمصوِّر فوتوغرافي ليخرجَ لنا تلك الصورة التي تحكي هذه الحادثة، لعرفنا كيف يتجمد ويذوب في آن. وربما نرى حال الصديق المودِّع.

ولم يقل: اليد اليمنى واليد اليسرى؛ لأن السياق دلَّ على ذلك نحويًّا؛ وذلك في المصافحة، وللتطابقِ بلاغيًّا؛ لاقتضاء اليمنى واليسرى شيئين مُتقابلين.

ويطوي فؤادًا حزينًا متقطعًا متمزقًا، فكيف يطويه؟ يطويه كما يُطوَى السرير، وليس ذلك إلا لأن الفؤاد هو مصدر الحزن؛ إذ "لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده". وإذا لم يبق إلا هذا اللسان الذي هو النصف الباقي منه، فإنه سيملك أداة لإرسال رسالة الحنين. وهذه غاية الاستعارة.

يحلف بالله أنه لا ينساه ولا ينسى ذكره ولا تلك الأيام ولا موضع اللقاء بينهما. وهذا وفاء حقيقي. ويكرّر (لا أنس لا أنس) ليعلم الصديق المودِّع أنه حزين جدًّا عليه. وأسلوب التكرار هنا يفيد حزنه على الصديق المودِّع.

لعله حذف الألف في (أنس) لأنه ليس إلا خبرًا وليس إنشاءً؛ لأن (لا) نافية وليست ناهية، وقياسًا على قوله تعالى (...ما كُنا نَبْغِ) الآية. يمكن القول كما قال ابن درستويه: (خطان لا يُقاس عليهما خط المصحف وخط العروض). و(لا) قد جاءت هنا في قوله تعالى: (فلا تنسى) الآية، ناهية وليست نافية، ولكن ثبتت الألف؛ وذلك للفواصل بين الآيات.

الليل عنده طير له جناحان، يمدهمَا فيذهب، وهذه من الاستعارات الجميلة في هذه الأبيات.

وللنوى يد تسقي الإنسان عنده، ولكن عند ابن خفاجة:

فما كان إلا طوتْهم يدُ النوى

          فطارتْ بهم ريح النوى والنوائب

لماذا ذكر(يد) ولم يذكرها عند المصافحة؟

يخرج عن العرف ويقسم اليد إلى ثلاثة أقسام وهذه طبيعة الشعراء:

اليد المصافحة

اليد الحزينة

اليد الساقية عذابًا مروعًا

وهل حقيقةً يدٌ ثالثة؟!

ويختم شعره أنه إذا رجع الصديق المودِّع من الفراق وينعمان بعده، ونرى بين جانس بين (بعدَ) و(البعد).

تذوقنا الأبيات من الصور الجمالية والخيالية التي زخرف الشاعر بها قصيدته. ولا غرو، فالدكتور يملك هذه الأدوات عند التحليل في مادة النصوص الأدبية في الكلية.

أصاف: //ه/= فعول

ح باليمنى: حبلْيمنى: //ه/ه/ه= مفاعيلن.

حبيبا: //ه/ه= فعولن

مودّعا: مودْدعا: //ه//ه= مفاعلن

فعول مفاعيلن فعولن مفاعلن

 

وأمسَ: //ه/: فعول

ح باليسرى: حبلْيسرلْ: //ه/ه/ه= مفاعيلن

حزين: //ه/ه= فعول

ة أدمعا: //ه//ه: مفاعلن

فعولن مفاعيلن فعول مفاعلن

هذا البحر هو الطويل. ورويه: العين.

 

ويقول بعنوان: (هنا الذكريات)

أخا الروح أنظرْ لأيامنا

         تمر ســــراعًا ولا ترجع

مريح تمر مرور السحاب

         مجنحة للمدى تقطـــــــع

قضينا هنا سنتين مضتْ

         كإغضاءةِ العين أو أسرع

فأين زمان كحلمِ العروس

         طلـــــــــيق وبهجته أروع

هنا مجلس عامر بالشذا

         جلسنا به، والمنة تســـطع

وكنت الحقيقة تمحو الخيال

          وكنت الدليل الذي أتبَـــــع

وذاك الرفيق وتلك الطريق

          يعيد الرحيل بنا تفجــــــــع

وألقى على الزهر ثوب الوداع

          يقوم الرحيـــــــــل فلا أدفع

وهو مع صديقه المودع، ولكن الحكاية تختلف قليلًا هنا عن تلك. وإن كان قد أكثر من الاقتباس من القرآن.

والسر هنا كيف لم يتكلف الإتيان بحرف الضاد في أكثر من كلمة في بيت واحد:( قضينا، مضت، إغضَاءة).

ومن الجمال مجازه هنا (مجلس عامر).

والكناية هنا في قوله: (ألق على الزهر ثوب الوداع)، والعرب تكنى بهذا الأسلوب عن الاستقرار كما قال عمرو بن سفيان البارقي:

وألقت عصاها واستقر بها النوى

                كما قرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ

والبحر الذي كتب عليه الشاعر أبياته:

أخا الرو: أخَرْرُو: //ه/ه= فعولنْ

حِ أنْظرْ: حِأنْظرْ: //ه/ه= فعولن

لأيامنا: لأَيْيِا://ه/ه= فعولنْ

مِنا: //ه= فعوْ

فعولنْ فعولنْ قعولنْ فعوْ

تمر: تمرْرُ: //ه/ه=فعولن

سراعا: سراعا: //ه/ه= فعولن

ولا ترْ: ولا ترْ: //ه/ه= فعولن

جِعُ: جِعُوْ: //ه= فعوْ

فعولن فعولن فعولن فعوْ

البحر هو المتقارب عروضه محذوفة وضربه محذوف كذلك. والروي: العين.

والبيت الأول: غير مصرَّع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 2, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 30, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 30, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 30, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 29, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 27, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 25, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 24, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 21, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 21, 2023 - عيسى بن سليمان بن سالم المسروري
Jan 21, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 17, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
Jan 17, 2023 - عمرو عبد الحكيم عوض التهامي
Jan 16, 2023 - أيمن علي العشري
Jan 16, 2023 - علي محمد رشوان
Jan 15, 2023 - مختار عبدالمنعم السنوسي
Jan 14, 2023 - سيد علي عبد الرشيد
نبذة عن الكاتب