الحمار حيوان داجن، إذا ما تُرك فهو دومًا ساكن، يصلح للركوب وللجر، يتحمل المشقة، وكثيرًا من الصبر، لا يكلُّ ولا يملُّ إذا أجبروه على العمل، وصفوه بالبلادة، وبالغباء، وهو عنهما بعيد، يفعل ما يؤمر، ثم يكرر إذا طُلب منه ويعيد.
اقرأ ايضاً ما السر وراء وصف الحمار بالغبي؟
الحمار حيوان مطاوع
عرف منذ الوهلة الأولى أنه حمار، فعمل على ذلك، وسلَّم للأقدار، لعلمه أن ارتقاءه في أعينهم محال، مهما فعل لهم من المحال، وأنه في نظرهم مهما فعل حمار، وأنه لن يتغير شيء مهما قام عليهم أو ثار، فارتاح وأراح، ولم يرسم الأحلام ولا الآمال.
واكتفى بما يجودون به عليه من شراب وطعام، مقابل ما يقوم به من أعمال، راضيًا مسالمًا، لا يثور ولا ينهار، فإن أعطوه رضي بالعطاء، وإن منعوه صبر على البلاء.
هكذا عرف الحمار الحقيقة، وهي قمة الذكاء، فلم يتعب نفسه ليغير صورته؛ لعلمه بأنهم أغبياء، فارتقى عنهم بفكره، ونأى عنهم بنفسه، فلما لم يصلوا إلى درجة ذكائه، وصفوه بالغباء.
اقرأ ايضاً الحمار في الميزان
الحمار الآدمي والحمار الداجن
والحقيقة أن الحمار - معنى - هو من يصدِّق المشاعر الكاذبة، والشعارات الزائفة، من يظن أن الآخرين يهتمون لأمره، ويحزنون لأجله، ويندمون على فقده، من ظن أنه بالثقافة يرتقي؛ لا بالمال، وبالعلم لا بالجمال، من ظن أنه يصل بالكد لا بالكيد، من ظن أن الحب ما زال موجودًا على صورته فأخلص في حبه.
من أحسن الظن بمن حوله فخانه ظنه بهم، وصدقهم في أقوالهم، فانساق خادمًا لهم، فتركوه بعد أن قضى حاجة كانت لهم، فقد أصبح وجوده عبئًا عليهم، فتفننوا في كيفية إبعاده عنهم.
فنبذوه بعد أن كانوا يلاقونه بالأحضان، وذموه بعد أن كانوا يمدحونه بجميع الألوان، ثم تركوه وحيدًا بلا خلان، والعجيب أنه جلس يبكي على غدر الزمان، وما فطن أنه غدر الأصحاب والإخوان.
هذا ما اكتشفه الحمار الداجن منذ الوهلة الأولى، وعلى نهجه سار، ولم يكتشفه الحمار الآدمي إلا بعد أن قضى عمرًا لا يدري أنه حمار، فليس له إلا أن يبقى كما هو مخادعًا نفسه، وإما أن يرتقي إلى رتبة الحمار، فإن اختار الرقي فمرحبًا به في عالمنا الذي بلا أسوار.
مقال جميل
شكرا لك على ذوقك
مقال هادف ويحمل بعض ما بين السطور والتوفيق للجميع
شكرا أستاذنا الفاضل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.