ذاكرة الجسد والصدمات النفسية: كيف يختزن جسدك آلام الماضي؟

يُعد مفهوم ذاكرة الجسد من الركائز الأساسية في علم النفس الحديث، فيشير الباحثون إلى أن الجسد يمتلك نظامًا مستقلًا لتخزين المشاعر الصادمة، إنه سجل حي، يحتفظ بما مررنا به، حتى عندما يظن العقل أنه تجاوز وانتهى.

فكل تجربةٍ قاسية، وكل تهديد، وكل خوفٍ شعر به الإنسان في لحظةِ ضعف، لا يمر مرورًا عابرًا وينتهي، بل يُخزن عميقًا، ويُترجم لاحقًا بلغة الجسد، لا الذاكرة الواعية؛ ففي لحظات الخطر، لا يفكر الجسد، وإنما يتحرك.

فقد يسمع شخصٌ صوتًا مفاجئًا، فيشعر بأن قلبه يكاد يقفز من صدره، وتتسارع أنفاسه، وتتعرق يداه، ويفقد إحساسه بالمكان. في تلك اللحظة، يقول العقل: «لا خطر»، لكن الجسد يقول: «لقد عشت هذا من قبل»؛ فذاكرة الجسد لا تُجيد التمييز بين الماضي والحاضر، ولا تُحلل الموقف، بل تتعرف فقط على الإحساس وتستجيب له. وهذا ما يُسمى علميًّا استجابة الكر أو الفر التي يُفعلها الجهاز العصبي تلقائيًّا.

فرجلٌ تعرض في شبابه لتهديدٍ مسلح، قد يعيش نوبةَ هلعٍ كاملة لمجرد سماعه صوتًا مرتفعًا أو مزعجًا، لكنه لا يعي، ولا يفهم سبب هذا الانفجار الداخلي المفاجئ.

وامرأةٌ مرت بتجربةِ اعتداءٍ أو انتهاكٍ في طفولتها، قد يُعيد جسدها إنتاج الخوف ذاته بعد سنوات، في موقفٍ وسياقٍ مختلف تمامًا، وكأن الزمن واقفٌ عند تلك اللحظة ولم يتحرك. وهذا ليس ضعفًا، ولا مبالغة، ولا تدلعًا نفسيًا؛ وإنما هو جهازٌ عصبي تعلم الخطر في وقتٍ مبكر، ولم يتعلم بعدُ الأمان.

حتى التجارب التي لا تُصنف صدماتٍ كبرى، كالتنمر، والإهانات المتكررة، والعنف اللفظي، أو العيش في بيئةٍ مليئةٍ بالصراخ والتهديد؛ فإنها تترك آثارًا محفورةً في الروح.

أشار الطبيب النفسي بيسيل فان دير كولك في كتابه (الجسد يحفظ الحساب) إلى أن الصدمات النفسية تعيد صياغة استجابات الدماغ الحسية.

الصدمات النفسية تعيد صياغة استجابات الدماغ الحسية

قد يقف شخصٌ اليوم أمام نقدٍ مهني عادي، فينفعل انفعالًا مبالغًا فيه، ويرتجف صوته، ويجف حلقه، أو ينسحب فجأةً من الحوار. فالآخرون قد يرون هذا موقفًا بسيطًا، أما الجسد، فيرى تكرارًا وإعادةً لألمٍ قديم؛ ولهذا، لا يكون بعض الناس حساسين أكثر من اللازم، بل مجروحين أكثر مما يظهر.

كل جرحٍ نفسي لم يُفهم، ولم يُحتوَ، ولم يُمنح فرصةً للشفاء، يبقى حيًا في الداخل، ينتظر ما يوقظه. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الانفعال والاستجابة:

فالانفعال رد فعلٍ تلقائي، وسريع، وفطري؛ أما الاستجابة، فهي وعي، وتوقف، وقدرة على الإصغاء لما يحدث داخل الجسد، قبل أن يخرج إلى السلوك.

حين نفهم لغة أجسادنا، نتعلم ألا نُعاقب أنفسنا على ردودِ أفعالٍ لم نخترها، وإنما نبدأ رحلةً أعمق: رحلةَ الفهم، ثم التنظيم، ثم الشفاء.
فالوعي ليس إنكارًا للألم، بل اعترافًا به، دون أن يحكم حياتنا.

وهذه ليست دعوةً للنبشِ المؤلم، بل لفهم أنفسنا بإنصاف، وللتعاطف معها، والرفق بجسدٍ أُرهق كثيرًا بصمت، إن عملية التنظيم الذاتي هي المفتاح لاستعادة التوازن بين العقل والجسد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة