نشأتُ في شمال سيناء، على كورنيش العريش، حيث البحر حاضر بوصفه سؤالًا لا إجابة له. هناك تعلَّمت مبكرًا أن الهدوء ليس فراغًا، وأن الإصغاء شكل من أشكال الفهم. كنت طفلًا يميل إلى العزلة الخفيفة، يجد في الجلوس وحده مساحة آمنة للتأمل.
القراءة لم تدخل حياتي كترف، بل كضرورة. كنت أقرأ بشغف، وكانت الكتب نادرة. في بيت بسيط، كانت أمي ترى في هذا الشغف ما يستحق المجازفة؛ كانت تبيع الطيور التي تعيش منها، وحين لا يكفي ذلك، باعت ذهبها. لم تُحوِّل ما فعلته إلى بطولة، ولم تشرح، بل كانت تضع الكتاب في يدي وتمضي. هذه البساطة صنعت داخلي إحساسًا مبكرًا بالمسؤولية تجاه الكلمة.
دخلتُ الأدب من باب الشعر أولًا. قرأتُ محمود درويش، فشعرتُ أن القصيدة يمكن أن تكون وطنًا مؤقتًا، وأن اللغة قادرة على حمل الفقد دون ضجيج. مع فاروق جويدة اقترب الشعر من القلب أكثر؛ تعلَّمت أن الصدق العاطفي لا يناقض القيمة الفنية.
أما نزار قباني، فقد جعل اللغة أقرب، يومية، قادرة على أن تمسَّ القارئ دون حواجز، وجاء بدر شاكر السياب بتجربةٍ مختلفة؛ علَّمني أن الحزن ليس ضعفًا، وأن القصيدة قد تكون جرحًا مفتوحًا يتحوَّل، بالكتابة، إلى معرفة. ولم أنسَ الشيخ محمد عايش عبيد، رحمه الله، شيخ شعراء الفصحى والشعر العمودي في شمال سيناء، الذي كانت كلماته تصلني كما يصل النسيم من الصحراء.

علَّمتني أشعاره أن الشعر يمكن أن يكون قريبًا من الناس، نابضًا بالهوية المحلية، وفي الوقت نفسه رفيعًا في اللغة والمقام، وكان مثالًا حيًا على أن الشعر يُبنى من الأرض إلى السماء، وأن الفصحى ليست بعيدة عن الناس إذا ما صارت صادقة.
إلى جوار الشعر، كان السرد يتشكَّل بهدوء. مع نجيب محفوظ رأيت الإنسان العادي في قلب الحكاية، بلا تزييف ولا ادِّعاء بطولة، وتعلَّمت أن السرد ليس حكايةً فقط، بل رؤيةً للعالم. ومع يوسف السباعي تعلَّمت القرب، ومع يحيى حقي تعلَّمت الاقتصاد والصمت، وأن الجملة الهادئة قد تقول ما تعجز عنه الصفحات الطويلة.
هذا التراكم لم يكن واعيًا، ولم أكن أفكِّر في النقد ولا في المنهج؛ كنت أقرأ وأتأثر، وألاحظ أن بعض النصوص تبقى معي طويلًا، في حين يمرُّ غيرها مرورًا عابرًا. لاحقًا، حين قرأت «الغريب»، أدركت أن القراءة يمكن أن تكون مواجهةً لا عزاء فيها، وأن الصمت في النص جزء من معناه.
وهكذا جاءت علاقتي بالقراءة النقدية، لا بوصفها مهنة، بل نتيجةً طبيعيةً لذائقةٍ تشكَّلت على مهل: ذائقةٍ تعلَّمت من الشعر الحساسية، ومن السرد الفهم، ومن الأم معنى الالتزام. هذه ليست سيرة إنجاز، بل شهادة ذائقة؛ بدأت بكتاب اقتُني بشقِّ الأنفس، وما زالت تحاول أن تكون وفيةً لتلك البداية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.