ديون العالم الثالث السوداء

 

                                            ديون العالم الثالث السوداء

بقلم: أحمد عبده



تشير تقديرات الخبراء والمراقبون إلى أن العالم بعد جائحة كورونا 19، لن يكون مثل ما كان عليه قبل الجائحة، على مختلف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن العالم سيشهد تغيراً كبيراً متأثراً بتلك الجائحة، خاصة في القطاع الاقتصادي الذي بدوره يلقي بظلاله على كافة القطاعات الأخرى، إن لم يكن الجانب الاقتصادي هو الفاعل الحقيقي في السياسة الدولية، وهو ما يضع أسئلة استفهام عديدة حول هوية جائحة كورونا، وعما إذا كان انتشار تلك الجائحة طبيعياً أم مفتعلاً؟

يوجد في العام نحو 3.375 مليار عامل، تأثر نحو 2.7 مليار عامل منهم، أي نحو 80 ٪ من القوى العاملة في العالم، أغلبهم في الدول النامية، بجائحة كورونا، حيث تقلصت دخولهم بسبب الركود الاقتصادي بشكل كبير، كما أن نحو 1.6 مليار إنسان، أي نحو 20% من سكان العالم، ممن يعملون في الاقتصاد غير الرسمي أو بأجر يومي، هم وعائلاتهم الأكثر تضررا من إجراءات الإغلاق الناتجة عن كورونا.

تعاني الدول النامية بلا استثناء في الأساس، من ركود اقتصادي وتراجع في الإنتاج وتزايد في أعداد البطالة ومستوي الفقر، وكل ذلك يؤدى إلى تناقص الإيرادات العامة، وجاءت جائحة 19 لتضيف إلى تلك المعاناة أعباء إضافية، حيث تزداد الحاجة إلحاحاً للإنفاق العام لتلبية المتطلبات التي تفرضها مواجهة تلك الجائحة، وكل ذلك يزيد من عجز ميزانية الدولة، المثقل بالعجز المزمن، وهذا ما يدفع الدول النامية إلى مزيد من الاقتراض وتراكم الديون.

وما يزيد من وطأة وحجم المشكلة هو تتناقص الإيرادات من العملات الأجنبية، حيث تعتمد أغلب الدول النامية في إيراداتها من العملات الأجنبية علي تحويلات العاملين في الخارج وبيع المنتجات الأولية، والتي تأثرت بشكل كبير بسبب كورونا، ومن ثم يتزايد العجز في ميزان المدفوعات، وخاصة الدول التي تطبق تعليمات صندوق النقد الدولي، وتعتمد أساسا على الأنشطة الريعية كمصدر للنقد الأجنبي.

يكمن الخطر الكبير على شعوب العالم الثالث من خلال زيادة تبعيتها وارتهان مستقبلها بإغراقها في المزيد من الديون التي تنوء أجيال المستقبل عن سدادها، وتزداد الخطورة إذا كانت الدولة مثقلة بالديون من قبل، ولأن صندوق النقد الدولي يخضع لسيادة الدول الغربية، فقد قرر توفير قروض للعالم الثالث لمواجهة فيروس كورونا، تزيد من مديونية شعوب هذه الدول بنحو تريليون دولار، وبالطبع على كل من يتعامل مع الصندوق أن يتبع إرشاداته التي توصى بتقشف مالي بالضغط على الفقراء وبسياسة نقدية متشددة تبتعد عن طباعة العملة الوطنية إلا في حدود ضيقة.

ما يثير الدهشة والإحساس بالغبن والفاجعة، أن مصدر الديون الجديدة والمتراكمة، والتي تثقل بها شعوب العالم الثالث، هو الطباعة المستمرة للدولار واليورو والجنيه الإسترليني منذ أكثر من عقد من الزمن! وهذا لا يكلف الدول الدائنة أكثر من ثمن الورق الذي تطبع عليه هذه العملات، في حين أن هذه الديون تكلف الدول النامية المدينة أموالا حقيقية من إنتاج سلع ومنتجات حقيقة لتغطية سداد أقساط وفوائد هذه الديون، ولا تقف الفاجعة عند ذلك، بل تصل إلى حد استخدام جزء كبير من هذه الديون لاستيراد دول العالم الثالث لمنتجات الدول الدائنة لتعود أموال الديون مرة أخرى إلى تلك الدول.

تتم عملية طباعة النقود في الدول الغربية عن طريق سياسة التيسير الكمي Quantitative easing النقدية التي اتبعتها وتتبعها الولايات المتحدة وأوروبا منذ أزمة 2008 ، 2009 المالية. وتنفذ هذه السياسة البنوك المركزية للولايات المتحدة وأوروبا الغربية وذلك بطباعة الدولار واليورو والجنيه الإسترليني وضخ هذه النقود الطازجة في اقتصادات هذه الدول، ومنها إلى باقي أنحاء العالم، حيث تتم عملية الضخ عن طريق استخدام البنوك المركزية للنقود الطازجة لشراء السندات الحكومية لهذه الدول من القطاع الخاص وكذلك شراء ديون البنوك والشركات العملاقة الآيلة للسقوط، أي أن البنوك المركزية تأخذ من القطاع الخاص سندات دين الحكومة، والتي وهي مجرد أوراق مقابل النقود المطبوعة حديثاً.

   ففي الفترة من عام 2009 وحتى أزمة كورونا طَبعت البنوك المركزية للولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة وضَخت منها إلى باقي أصقاع العالم سيولة نقدية تقدر بنحو 11.3 تريليون دولار بدون أي تكلفة إلا ثمن الورق وحبر المطبعة، ثم طبعوا وضخوا 3 ترليون دولار بعد كورونا، من شهر مارس حتى منتصف يوليو 2020؛ حيث طبعت الولايات المتحدة وضخت 7.2 تريليون دولار قبل كورونا، 2 تريليون دولار بعد كورونا، والبنك المركزي الأوروبي 3.2 تريليون يورو 3.5 تريليون دولار قبل كورونا، 750 مليار يورو 850 مليار دولار بعد كورونا، والمملكة المتحدة طَبعت وضَخت سيولة بالإسترليني قيمتها 630 مليار دولار قبل كورونا 250 مليار دولار بعد كورونا.

تهدف سياسة التيسير الكمي QE، التي تضخ كل هذه الأموال، هو تحفيز اقتصادات الدولة المصدرة للعملة، حيث يأتي جزء من هذا التحفيز من زيادة الطلب الخارجي، عن طريق زيادة واردات واستهلاك العالم الثالث، لمنتجات الدول صاحبة العملة، والتي تقوم بدورها حيث بتحفيز دول العالم الثالث على الاستيراد من خلال إتاحة السيولة الزائدة لها، ومن ثم تشجيع دول العالم الثالث على زيادة ديونها بقروض ذات سعر فائدة منخفض نسبياً، وفي نفس الوقت تعمل المصارف التمويلية التي حصلت على السيولة المخلقة حديثاً، بما في ذلك صندوق النقد والبنك الدوليين، على تشجيع، بل على دفع، دول العالم الثالث على الاقتراض والغوص أكثر في مستنقع الرمال المتحركة للديون.

في الوقت الذي تتراكم فيه الديون على دول العالم الثالث، لا تزيد تكلفة تلك الديون عند الدول الغربية سوى ثمن الطباعة وإصدار النقد، في حين أن تكلفتها لدول العالم الثالث تكون باهظة، حيث يتم تسديد أقساطها وفوائدها بإنتاج وجهد ومواد خام وموارد طبيعة وثروات حقيقية، تكلفة قد يصعب على الأجيال تحملها.

بالطبع دول العالم الثالث ومن بينها الدول العربية تشعر بالظلم البين، والغبن الواقع عليها جراء تلك الديون السوداء، لكن هل توجد بدائل أمامها لسد العجز في ميزان مدفوعاتها، وتمويل بعض مشروعات التنمية لديها بعيداً عن هذه الديون السوداء؟

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب