سيميولوجيا الفقد في ديوان موت من أحبوني لعلية عبد السلام

تمثل الشاعرة المصرية علية عبد السلام صوتًا متميزًا في قصيدة النثر المصرية المعاصرة، حيث تجعل من الكتابة فعلًا للمقاومة ضد المحو والنسيان، كما نلاحظ في ديوانها الأبرز «موت من أحبوني»، حيث لا تقدم مجرد مرثيات تقليدية، بل تشيد معمارًا شعريًا يزاوج بين الوجع الإنساني والتأمل الفلسفي.

يقدّم الديوان الفقد بوصفه انشطارًا في هوية الشاعرة، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لترميم الذات ومقاومة النسيان عبر استحضار الغائبين.

من هي علية عبد السلام؟

علية عبد السلام هي أديبة وشاعرة مصرية من مواليد الثاني عشر من أكتوبر عام 1968، وقد ألفت عددًا من الدواوين الشعرية من أهمها:

  • تحت خط الاستواء: ديوان صادر عام 1999 عن دار ميريت للنشر والتوزيع بالقاهرة.
  • موت من أحبوني: ديوان صادر عام 2011 عن دار دار النهضة العربية ببيروت.

قراءة في ديوان «موت من أحبوني»

لا يصافحنا ديوان «موت من أحبوني» للشاعرة علية عبد السلام بيقين القارئ، بل يربكنا بوجع الأثر، فالعنوان ليس مجرد إخبار عن رحيل، بل هو إعلان عن انشطار الذات؛ فالشاعرة هنا لا ترثي الآخرين بقدر ما ترثي أجزاءً من روحها ذهبت معهم. إن «من أحبوني» هم الذين منحوا لوجود الشاعرة معناه، وبموتهم، يصبح النص محاولة لترميم هوية تبعثرت بين الغياب والحنين.

لا يصافحنا ديوان «موت من أحبوني» للشاعرة علية عبد السلام بيقين القارئ، بل يربكنا بوجع الأثر

التناص كاستغاثة وجودية

في هذا الديوان، لا تستدعي علية عبد السلام النصوص والأفكار الكبرى لتباهي بالمعرفة، بل تستغيث بها لتعبر عن حيرتها الوجودية:

  • بين الأرض والسماء: حين تقول «مشيت أتعثر خلف الله في جمال صامت بلا لسان»، نجد تناصًا مع الحيرة الصوفية الكبرى، هو ليس كفرًا، بل هو «إيمان المتألمين» الذين يبحثون عن إجابات في الصمت الإلهي المهيب وسط ضجيج الفقد.
  • إعادة إنتاج المقدّس: عندما تحاكم «الاختلاف بين الجنة والنار»، فهي تمارس تناصًا مع المفاهيم المطلقة لتعيد صياغتها وفق مقياس الوجع البشري، وكأنها تؤكد أن الجنة هي حضور من نحب، والنار هي هذا الغياب الموحش الذي يسكن القصيدة.

البنية الإيقاعية.. إيقاع الارتجاف والأنفاس المتقطعة

تخلت الشاعرة عن صخب التفعيلة لصالح «إيقاع النفس». الموسيقى هنا لا تغني، بل تئن:

  • موسيقى الشجن الداخلي: الجمل القصيرة والمبتورة تعكس حالة الصدمة التي تلي الفقد. تلك السكتات الشعرية ليست صمتًا فراغيًا، بل هي لحظات لالتقاط الأنفاس وسط نوبة بكاء مكتوم، مما يجعل الإيقاع يبدو كـ«نبض متعثر» يرتجف بصدق إنساني حاد.
  • التكرار النغمي: تكرار أفعال المواجهة (أحمل، أحاصر، أحاسب) يخلق جرسًا داخليًا يقوم مقام القافية، وهو إيقاع دائري يوحي بأن الذات الشاعرة محاصرة داخل «مكعب الحزن»، تدور فيه دون مخرج.

صورة المثقف.. حارس الرماد في مواجهة الآلة

يظهر المثقف في نصوص علية عبد السلام في صورة «الشاهد الجريح»؛ هو الإنسان الذي يتألم بعمق أكبر لأنه يدرك فداحة الخسارة في عالم مادي متسارع.

  • المثقف والاحتجاج الصامت: حين تشخص «العين المعطوبة» للدول، فهي تضع المثقف في مواجهة مباشرة مع القسوة المؤسساتية. المثقف هنا هو من يحمل «جبل الغضب» في صدره بينما يراقب العالم وهو يتزين ويسكن الكواكب، في مفارقة حزينة بين التقدم التقني والخراب الروحي.
  • مأساة التشييء: المثقف في الديوان هو ذلك الكائن الذي «يحمله السائق في حقيبة»، رمزًا لضياع القيمة الإنسانية في عالم لم يعد يتسع للدموع، حيث تتحول الأفكار والأجساد إلى مجرد «متاع» عابر.

فلسفة البقاء ومرارة الشهود

إن علية عبد السلام لا تكتب رثاءً للموتى، بل تكتب «رثاءً للأحياء» الذين كُتب عليهم البقاء. إنها تشخص مأساة «الناجي الوحيد» الذي يجد نفسه حاملًا لذاكرة مثقلة بوجوه غابت. الفقد هنا ليس ثقبًا أسود، بل هو جبل مادي يغير تضاريس الروح الإنسانية، ويحول الحقيبة من أداة سفر إلى «تابوت رمزي» للأحلام المجهضة.

سيميولوجيا «العين المعطوبة»

تعد «العين المعطوبة» الاستعارة المركزية في الديوان؛ فهي ترمز للعمى عن الجمال وعن الألم الإنساني. فالعالم الذي يسكن الكواكب ولا يرى أنين الذات هو عالم معطوب البصيرة مهما ادعى التحضر. الشاعرة هنا تستخدم لغتها كمشرط لتشخيص هذا العطب الكوني.

الكلمة كقنديل في عتمة الغياب

إن ديوان «موت من أحبوني» هو وثيقة إنسانية في مقام الوفاء. علية عبد السلام لم تكتب شعرًا لتزجي الوقت، بل كتبت لتنجو من ثقل الصمت ومن وحشة «الجمال الأخرس». وبصفتنا قراءً ونقادًا، نجد أنفسنا أمام نص يطالبنا لا بالتحليل فقط، بل بالتعاطف؛ فهو ديوان يعيد إلينا إنسانيتنا، ويذكرنا أن الكلمة هي القنديل الوحيد الذي يضيء عتمة الغياب، وأن الحب هو الجسر الذي يربطنا بمن رحلوا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.