جدلية المكان والموت: قراءة في ديوان دم نازح في الممر لفاتنة الغرة

في لحظات الحرب القاسية، تضيق الجغرافيا حتى لا يتبقى من الوطن سوى ممر في مستشفى، وتتسع الروح حتى تصبح الكلمة هي الملاذ الأخير ضد الفناء. هكذا تأخذنا الشاعرة والإعلامية الفلسطينية فاتنة الغرة في ديوانها الأخير «دم نازح في الممر: رسائل إلى لمار من مستشفى القدس»، لتقدم لنا وثيقة إنسانية لا تكتفي بوصف الموت، بل تحتفي بالتشبث بالحياة.

المؤلفة في سطور

فاتنة محمد دياب الغرة هي شاعرة وكاتبة وصحفية ومترجمة فلسطينية، ولدت في غزة عام 1974، وتعتبر من الأصوات الشعرية البارزة في المشهد الأدبي المعاصر في العالم العربي.

المسيرة المهنية والأدبية

بدأت تجربتها الشعرية في غزة عام 2000، وعملت هناك كصحفية ومذيعة للبرامج الثقافية في الراديو والتلفزيون، ثم غادرت غزة في نهاية عام 2008، وأقامت لفترة في القاهرة لدراسة الماجستير في الأدب العربي، ثم انتقلت إلى بلجيكا عام 2009 حيث استقرت وحصلت على الجنسية البلجيكية لاحقاً.

أسست «صالون فاتنة للشعر» في بلجيكا وهولندا، وعملت كصحفية مستقلة، كما تعاونت مع قناة الجزيرة لفترة.

أبرز مؤلفاتها

صدرت لها عدة مجموعات شعرية تُرجمت إلى لغات عديدة (الإسبانية، الإيطالية، الفرنسية، والهولندية)، منها:

  • ما زال بحر بيننا (2000).
  • امرأة مشاغبة جداً (2003).
  • إلاّي (2010).
  • ثقوب واسعة (2017).

ديوان ثقوب واسعة

وقد حازت جائزة شعر مدينة فيوميشينو الإيطالية في فئة أفضل كتاب شعري مترجم، وفازت بجائزة الهجرة الأدبية للكتاب الناطقين باللغة الهولندية عام 2012.

العودة الأخيرة لغزة

عادت فاتنة إلى غزة في زيارة لعائلتها في 4 أكتوبر 2023 بعد غياب دام 15 عاماً، وصادف وجودها اندلاع الأحداث هناك، حيث بقيت لعدة أشهر قبل أن تتمكن من المغادرة والعودة إلى بلجيكا في يناير 2024.

دم نازح في الممر: حين تُبعث الحياة من أروقة مستشفى القدس

حين تفتح الشاعرة والإعلامية الفلسطينية فاتنة الغرة صفحات كتابها الأخير «دم نازح في الممر: رسائل إلى لمار من مستشفى القدس»، تشعر أن كل كلمة تتنفس الألم والحياة معًا.

هنا، لا يكون الديوان مجرد نص يُحلَّل، بل تجربة تُعاش معها الوجع، ويُشعر القارئ بأنه حاضر في الممر الضيق بين الحياة والموت.

هذا الديوان هو صرخة إنسان، وبوح قلبٍ فلسطيني لا يريد أن يُمحى، وأنفاس أشخاص لم يعد لهم مكان سوى شبر من أرض، أو شبر من قلب.

المكان وطن بديل: الممر مكان للوجود

في مستشفى القدس بتل الهوى، يتحول الممر الضيق إلى وطن اضطراري لكل من فيه. كل جسد، وكل نفس، وكل شهيق وزفير يصبح شهادة على الحياة في مواجهة الموت.

تقول الشاعرة فاتنة الغرة:

«الممرات في مستشفى القدس ليست أسمنتًا ووجوهًا غريبة، بل هي أنفاسنا التي تداخلت حتى صار من الصعب أن تعرف أي شهيق يخصُّك، وأي زفير هو بقية عمرِ جاري الذي ينام على بُعد شبرٍ من خوفي».

حين أقرأ هذا، أشعر أنني، ككاتب نفسيٍّ، كنت هناك؛ أرى، وأسمع، وأختنق، وأخاف مع كل نفس.

هذا الممر ليس مجرد حيز مكاني، بل فضاء حي للتجربة الإنسانية، مختصر لكل ما يعيشه الفلسطينيون تحت الحصار.

الرسائل أداة وجود: «لمار» مرآة الأمل

اختيار فاتنة الغرة أسلوب الرسائل الموجَّهة إلى لمار يجعل المتلقي يشعر بحميمية تتجاوز الورق والكلمات.

لمار ليست مجرد شخصية، بل رمز لغدٍ أفضل، ولأمل مستمر، ولحق الحياة الذي لا يُمحى.

«يا لمار، أكتب لكِ لا لأنني واثقة من وصول الرسالة، بل لأن الكتابة إليكِ هي طريقتي الوحيدة لإقناع الموت بأنني مشغولة عنه بحبك».

الكتابة هنا ليست مجرد فعل فني؛ إنها محاولة للبقاء، وصرخة من قلب بشري يرفض الاستسلام. المتلقي يشعر بأن هذا ليس نصًا يصف فقط، بل يدخل قلب الكاتبة وينقل معاناتها وأملها معًا.

الإنسان قبل الرقم: بلاغة الوجع البشري

تصر فاتنة الغرة على أن الإنسانية لا تُختصر في أرقام.

كل بكاء طفل، وكل رائحة غبار، وكل شبر من الخبز المُر هو وثيقة وجودية حية.

«سقطت القهوة على الأرض، لكن رائحة الفقد بقيتحتى الموت لم يملك أن يمحو صوتهم؛ هم هنا، في كل ضحكة مكتومة، في كل شهيق مخنوق».

كل جملة تجعل المتلقي يشعر أن من كتبها إنسان يشارك الألم، ويتألم، ويحب، ويخاف في الوقت نفسه. النص يرفض التبسيط أو التحليل الجاف، ويصر على الاقتراب من لحظة الحياة نفسها كما هي، بكل دموعها، ورائحتها، وصمتها.

قراءة بعض قصائد الديوان

لا تقف القصائد في هذا الديوان عند حدود الوصف، بل تتحول إلى كائنات حية تتنفس؛ وفيما يلي قراءة لبعض النصوص التي صاغت فيها الشاعرة ملحمة البقاء.

1. قصيدة «دم شفيف في الممر»

تجسِّد هذه القصيدة الحياة والموت في مساحة ضيقة.

الدم ليس مجرد رمز للعنف، بل رمز لوجودٍ حي يتشبث بالأمل رغم كل الخسارات.

المتلقي يشعر أنه يشاهد الجسد يتنفس، ويسمع قلبه، ويشارك الألم مع كل شخص في الممر.

الدم رمز للأمل

2. قصيدة «رسائل إلى لمار»

الكتابة هنا فعل مقاومة حي:

«أكتب لكِ لتكوني مرآتي، لتكوني الغد الذي يحفظنا من الاختفاء».

المتلقي يشعر بأن الكلمات ليست فقط أدوات للتوثيق، بل وسيلة ليقول الكاتب:
أنا ما زلت هنا، أنا ما زلت إنسانًا.

3. قصيدة «تل الهوى»

تصوِّر هذه القصيدة الحياة اليومية تحت الحصار بأدق التفاصيل: صوت الأطفال، ورائحة الغبار، وملمس الخبز الملوَّث.

كل هذه التفاصيل تجعل القارئ يشعر كأنه يمشي في الممر مع الشاعرة، يختنق معها، ويشاركها الألم، والحنين، والأمل.

الكتابة كفعل بقاء

«أنا ما زلت هنا، أنا ما زلت إنسانًا».

هذه الجملة ليست مجرد عبارة شعرية، بل إعلان إنساني عن القدرة على المقاومة والوجود.

المتلقي يشعر أنه يتلقى رسالة من قلب حي، من إنسان حقيقي لم يُحرَم من كبريائه أو إنسانيته، حتى في أصغر الممرات وأقسى الظروف.

جدلية الموت والحياة

الكتاب يضع القارئ في اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت.

كل شبر من الممر، وكل لحظة انتظار، وكل ضحكة مخنوقة، تجعل المتلقي يشعر أنه مع الكاتب، مع الضحايا، مع الحياة نفسها التي تصمد رغم كل شيء.

قبل النهاية أقول:

«دم نازح في الممر» ليس مجرد ديوان يُقرأ، بل تجربة إنسانية حية، نص يُشعرك أنك تشاهد، وتشعر، وتعيش مع كل كلمة.

الشاعرة والإعلامية الفلسطينية فاتنة الغرة تؤرخ للدموع، وللحياة اليومية تحت الحصار، وللإنسانية التي تصمد. الكتاب يثبت أن الكلمة قادرة على إعادة البقاء، والحب، والأمل، والكرامة الإنسانية، حتى في أصغر الممرات وأقسى الظروف.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.