منذ ديوانه الأول «وقالت جدتي الصحراء» انشغل الشاعر محمد عرب صالح بتجليات حالة (اليتم) وتخريجاتها الدرامية والثقافية التي أراها عماد حالته محمد الشعرية، فاليتم هنا ليس يُتمًا من حيث فقد أبٍ بالنسب، وإنما هي حالة من اليتم الثقافي والهوياتي التي يعيشها الإنسان العربي في لحظته الحالية.
كتب محمد في ديوانه الأول الذي فاز عنه بجائزة الشارقة للإبداع العربي، فيما هو يبحث عن مدينته الفاضلة:
فيها اليتامى عيال الله والشعرا
يفسِّرون لهذي الأرض مصحفها
فإذا قرأناها وصلًا كان «اليتامى» يشاركون «الشعراء» في تفسير قانون هذه الأرض، وإن قرأناها فصلًا كان «اليتامى عيال الله» ينتظرون من «الشعراء» تفسير قانون الأرض ومرجعيتها لعلها تعتدل، فإذا باليتامى في تجربة الشاعر يقعون بين كونهم السبب أو النتيجة.
وفي ديوانه الجديد «دائرة حمراء حول رأسي» يتطور الظهير الدلالي لليُتم عبر زيادة قوة الظهير الثقافي لسياقه، فيبحث عرب صالح، نيابة عن الإنسان العربي، عن بديل نفسي لأبيه العربي الخالص -من حيث الچين الثقافي- ما يساعده على صياغة رؤية ما لنفسه وللعالم:
وقلت للزمن الصعب: استرحت هُنا..
فافتح كتاب اليتامى الآن، واقرأ لي
ولأن اليتم يستدعي بالضرورة تعامل صاحبه مع الحياة بشيء من القص واللصق (المونتاج) حتى يستطيع التعامل مع أزمات حياته؛ فإن محمد عرب صالح يريد وهو موجود هنا والآن -ماديًا- أن ينظِّر لما هو منذ زمن؛ فلم تكن لتسعفه آلية كآلية المونتاج الكتابي بمرجعيتها المعرفية المرتبطة بالمونتاج السينمائي الذي يعتمد القطع والانتقال المكاني والزماني اللحظي من حال إلى حال ومن سياق إلى سياق. فالمشهدية هنا ليست إجراء آلياتيًا كتابيًا بقدر ما هي جزء من رؤية الشاعر.
ويُعد المُونتاجُ Montage في طليعة الأدوات السينمائية المنتجة لبلاغة السينما؛ حيث يعطي اللقطات الصغيرة دراميةً واتصالًا وحياةً، وقد رأى يودوفكن «أن أساس الفن السينمائي هو المونتاج؛ فهو الذي يعطي النص السينمائي ديناميكية ودرامية، عبر تتابع اللقطات، وفق بنية سردية خاصة، وإيقاعٍ خاصٍّ».
وقد عدَّ يودوفكن «اللقطةَ الواحدةَ شيئًا ميِّتًا.. ولا تدبُّ الحياة السينمائية إلا عندما توضع مع غيرها من اللقطات..»[1]، وكذلك النصوص الشعرية التي تعتمد الإحالات البصرية ممرًا حيًا لنقل حمولاتها الرؤيوية والمعرفية عبر دوال مشهدية بامتياز.
لذا فلم يكن مستغربًا ممارسة القصائد لحرية الانتقال أحيانًا من مجاز ينتمي إلى معجم الصحراء إلى التركيبة الآنية لإنسان هذه اللحظة من الألفية الثالثة عبر الثقة التامة في القدرات المونتاجية للقصيدة بغية القفز السريع في حين هي تؤطر في الوقت ذاته في لمح البصر لرؤاها عما فات وما هو قادم:
لضحكة كلما أشعلتها انطفأت
كأنني خيمة حجر زلزال
في صفحة الشارع.. العكاز يغدر بي
كصاحبيَّ على المقهى «الأميرالي»
لا يربط بين تلك المشاهد رابط واحد سوى انحياز الشاعر للإحالات البصرية التي تنتجها توترات البصري على حسب الجمالي اللغوي والبلاغي المعتاد، بحيث لا يراهن على بلاغة نواتج الأداء البلاغي الثابت فحسب، بل يراهن على بلاغة (الكادر) السينمائي الذي يتيح له هذه المساحة من التقاط مجموعة من الأزمات في خفة ورهافة.
«ولوحة».. غازلت رسامها وبدت
عُريانة اللونِ شوقًا أن يداعبَها
إذ من السهل تدوين الملاحظات على الأداء السينمائي لكثير من النماذج في قصيدة الديوان، إذ نجد أن هذا الأداء القائم على متكآت بصرية بالأساس، بوصفها أحد أبرز إجراءات التشكيل الجمالي في القصيدة العربية التي ما فتئت تفتِّش عن جماليات أخرى مستخدمة بنى لغوية وتصويرية غير معتادة؛ تعتمد فيها من ضمن ما تعتمد مختَلف آليات الفعلِ السينمائي لإنتاج شعرية النص؛ عن طريق تخليق مجاز بصري جديد، ينتمي انتماء لافتًا إلى البلاغة السينمائية، وهو ما تمثل في اعتماد تقنية بناء المشهد، اعتماد طريقة سرد السيناريو، اعتماد طريقة تحريك الكاميرا، اعتماد تقنية المونتاج.

وبذلك فإن المشهدية والانتقال بين الكادرات وفَّرا لعرب صالح التخلص من نمطية الشكل الموسيقي بتوتر النمط الدرامي الذي لا يطمئن إلى كادر بعينه ولا إلى أسلوب واحد؛ فينتقل مكانيًا من مقعد خالٍ يودِّع صديقته التي سافرت قبل صيف إلى كنيسة «عانقت بالأمس مئذنة» إلى مدينة «لا ترى في الله محض دم» إلى «لوحة...» إلى «شاعر...»، وكأن الشاعر هو صاحب الختم والشاهد المعرفي والجمالي المنوط به التوثيق لكل ما سبق.
ويستدعي عرب صالح كذلك عازف الربابة بحكايته الممتدة من عمق الزمن إلى اللحظة الآنية، بحضوره الشعبي؛ ما جعل تكرار الاستدعاء في ذاته دعمًا لحضور معجم الصحراء مرجعية عربية أساسية لمنظومة التفكير الفني لدى الشاعر العربي حتى وإن وطئت أقدامه عالم الألفية الثالثة؛ بإقامة محاورات مع التاريخي في السياق الآني، يقول:
لم تقل لي الربابة أكثر مما حكته الرَّبابُ
كنتُ في آخرِ الصيف شبه سهاد
فذوَّبني الليل في مقلتيه وذاب
كنت أول عشبٍ يفسره الغزال للسحاب
فتمثِّل الربابة هنا راويًا مستقلًا، يطمئن إليه الشاعر في الليل، وهو ما يدعمه كذلك بقوله «عن الليالي.. وما أدرى النيامِ بها/ موانئ أحرقَتْ سهوًا مراكبَها» الديوان صـ 12، فالليل في الديوان ليس مجرد حضور لدالٍّ زمني، وإنما حضور لحال نفسي يكثف به الشاعر رؤاه في إشكاليات التاريخ، القصيدة، العربية والحداثة، كما نجد عنده مثلًا:
وقفت على زمن آخر وتركتُ الليالي تمرُّ خلالي
كما مرَّ سهم الحداثة من رئة الأخيلة
ولأن عطايا الديوان ارتضت الطريقة المعمارية في الكشف عن نفسها، فيمكننا أن نتتبع المعجم الخاص بكل دائرة من دوائر المعاني التي قصد إليها الديوان، فالربابة لا تعيد سوى حكاية الزمن ومواله، وكذلك الإزميل:
كما يدندن إزميل لتمثالِ
أعِد على أذن السمَّار موالي
واشحذ ربابة رحال، وخذ شفتي..
أشجى غنائية من ألف رحَّالِ
ليعيد في نهاية النص تدوير الحكاية/ التاريخ/ موال الربابة
بالله يا صاحبي
لو عُدْتَ ذات صبًا..
أعِد على أُذُن السُمَّار موَّالي
ولأن المونتاج هو فعل إبداعي زمني ومكاني اعتمدها الديوان آلية أساسية لإنجاز حمولته الجمالية، ينتقل بها من الإطار العام إلى السياق الخاص، فنجده يتبع الشطرتين بـ:
«كسيجارة» خبأتها أوامر قائدنا في الكتيبة
في أداء لغوي وبلاغي يراهن فيه عرب صالح على مقدرته على عقد مصالحات وفق منطقه هو بين اليومي والعادي الذي راهنت عليه قصيدة النثر في بعض تجلياتها وليست كلها، وبين القصيدة الكلاسيكية المعنية بالصورة الجزئية والمجاز البائن، وهذا في حد ذاته أداء مونتاجي يتيح توسيع الممرات بين جماليات القصيدتين.
وأحيانًا ما يستطيع النص لديه أن يضيِّق المسافات بين الأزمنة حتى تكاد تنمحي، ومن خلال هذا التكثيف يتبين الإنسان العربي مفردات أزمته ومكوناتها التي يبلورها الديوان في بيت تأسيسي ظني وهو:
خلصت من الخيام إلى الزحام
ا نـ كـ فـ أ ت
وفوقي التاريخ سارا
الذي استدعي لديَّ على الفور شطرات أدونيس الشهيرة:
قافلة لاحت ثم غابت
وانطفأت بعدها البيوت
فلنعترف بأننا نموت
فما بين انطفاءة أدونيس وانكفاءة عرب صالح نستعيد النظر في حجم الهوة التي يعانيها الإنسان العربي في لحظة عالمية الطابع لا يملك من أمره فيها شيئًا سوى أن يجري خلفها محاولًا اللحاق بها وفك طلاسمها:
كما على الحائط الدرع التي صدأت
تندى إذا ذكرت يومًا محاربها
و:
عطفًا على الحزن.. فرَّضت من فمي لغة
فرَّض الجمال العطاشى نحو جمَّالِ
في انتقالات سريعة للزمن ثَمّ انتقالات سريعة للمكان حيث:
هناك «هنا كان»
لا فرق حين تتوه الأماكن في زحمة الوقتِ..
في الليلِ:
حين تعود الخُطى الضائعات لأصحابها دونَ وقعٍ
وينعس في اللافتات الكلام
وبانحياز عرب صالح إلى آليات كتابية ذات طابع بصري سينمائي -ادعى البعض انفراد قصيدتي التفعيلة والنثر بها- يكون الأمل قائمًا على الدوام في مقدرة القصيدة الخليلية بخاتمها العربي الفريد على إنتاج جديد، بشروطها الخاصة، بشرط انحياز الشاعر إلى عالمه بكل مكوناته من لحظة شديدة التعقيد بلغتها ومكانها وزمنها وأزماتها.
[1] أرنست لندجرن، فنُّ الفيلم، ترجمة صلاح التّهامي، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1959، العدد:247، صـ 40، 71.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.