ديناميكيَّة المجموعات.. الجزء الثاني

تناولتُ في مقال سابق، في الجزء الأول من هذا العنوان، تعريف ديناميكية المجموعات وتاريخها والهدف من دراستها، ومراحل حياة المجموعة، والتلاحم والتماسك، والتماثل، والزعامة فيها.

وفي هذا المقال، أجيب أولًا عن السؤال الموالي، فأتعرض لشبكات التواصل داخل المجموعة، ثم إلى السوسيوغرام، فإلى بعض آراء بيون Bion.

ما الفرق بين نظرية المجموعات La théorie des groupes وديناميكية المجموعات؟

الإجابة: قد تكون نظرية المجموعات ظاهريًا أعم، وقد بينت أن ديناميكية المجموعات تختص بالبحث في اشتغال المجموعة، وعلاقات الترابط بين أفرادها، والقوى (les forces) داخلها، وتطورها وتحولها من حال إلى آخر. وهي تدرس المجموعات في ذاتها.

أما التحليل النفسي للمجموعات (la psychanalyse des groupes)، فيدرس ظاهرة المجموعة من وجهة نظر التحليل النفسي، ونظريات فرويد ومن تبعه، حيث يطبق مفاهيم التحليل النفسي على المجموعة.

وعلم نفس المجموعة، وعلم اجتماع المجموعة، وعلم النفس الاجتماعي للمجموعة، كلها تدرس المجموعة من وجهة نظرها، وقد تنمحي الحدود بين هذه المصطلحات، فإذا نظرت إلى محاور من يعنونون كتبهم بهذا المصطلح أو ذاك، ويستعملونه، تجدها تتعرض لنفس المحاور بطرق مختلفة في أحيان كثيرة، ومتشابهة أحيانًا، ما يجعلها تكمل بعضها بعضًا.

شبكات التواصل داخل المجموعة

من شروط انعقاد المجموعة التقابل والتفاعل. فما الفرق بينهما؟ التقابل كما ذكر، هو حصول مواجهة بين فردين، أي المقابلة وجهًا لوجه، والتفاعل هو العلاقات المتبادلة بين أفراد المجموعة، وهو الفعل الذي يمارسه بعضهم على بعض، وهذا ما سيُتَنَاوَل في الفقرة التالية، إذ إن التواصل بين أفراد المجموعة يمثل جزءًا كبيرًا من التفاعل.

تحليل شبكات الاتصالات وفق نموذج ألكسندر بافولاس

اعتمادًا على نموذج ألكسندر بافولاس (Alexander Bavelas) (1920-1993) في تحليل شبكات الاتصالات، درس هارولد ليافيت (Harold J. Leavitt) (1922-2007) أربع (04) شبكات تواصل أساسية، يمكن إرجاع كثير من تنوعات شبكات التواصل إليها، ويوضحها الرسم التالي:

تحليل شبكات الاتصالات وفق نموذج ألكسندر بافولاس

  • تظهر شبكة التواصل بنية المجموعة وعلاقات أعضائها.
  • الشبكة السلسلة والشبكة العجلة: تقوم على بنية مركزية.
  • نجد الزعيم في الشبكة الدائرة في الوسط، وفي الشبكة السلسلة في أعلاها.
  • المجموعتان الباقيتان ذاتا بنية غير مركزية، والزعامة فيهما غير ظاهرة أو لا زعامة فيهما.
  • في الشبكة السلسلة: المعلومة الكاملة لا توجد إلا في القمة، وهي ذات بنية هرمية (Hiérarchique).
  • تمر المعلومات بشخص واحد في الشبكة العجلة، وهو الزعيم.
  • في الشبكة الدائرية، لكل عناصر المجموعة رقابة على المعلومة في الاتجاهات كلها.
  • الشبكات المركزية، وخاصة الشبكة السلسلة، ذات نجاعة عالية في المهمات السهلة، حيث تنجزها بسرعة، لكن تقبلها يكون ضعيفًا.
  • الشبكات غير المركزية تمتاز في المهمات المعقدة والمبتكرة، فيرتاح لها الجميع، ويتقبلونها، ويقبلون عليها.

السوسيوغرام (Sociogramme)

ما تعريف السوسيوغرام؟

هي كلمة دخيلة يمكن ترجمتها إلى رسم العلاقات داخل المجموعة، أو تسجيل علاقات المجموعة، أو خريطة علاقات المجموعة.

  • يمكن، إذن، رسم العلاقات داخل المجموعة بواسطة السوسيوغرام (Sociogramme)، وهي أداة اخترعها سنة 1933 لوفي مورينو (Lévy Moreno) (1889-1974) لرسم العلاقات الاجتماعية وقنوات التواصل بين أعضاء المجموعة، إذ يصورها بصفة مرئية سهلة القراءة، وفيها يعرض ديناميكية المجموعة، كما في المثال التالي، الذي استقيته من موسوعة لاروس الكبيرة، ص 12765:

 La grande encyclopédie Larousse 1971-1976; article: Sociométrie p. 12765

السوسيوغرام (Sociogramme)

تعليق (مأخوذ من المصدر):

يبدو تماسك المجموعة ضعيفًا جدًّا؛ وعلى الرغم من حرية عدد الاختيارات الممكنة، فإن حجمها يظل محدودًا، تستقطب أنثى (C) ثلاثة ذكور من أصل خمسة (الذكران الآخران يمثلان زوجًا هما i-j)، أما الإناث الثلاث الأخريات يمثلن نوعًا من العشيرة، يمكننا أن نستنتج أن الروابط الشخصية (5 أزواج توحد 10 من أصل 13) تتغلب على روح المجموعة، بل وتُقوّضها.

يمكن إضافة استنتاجات أخرى، بالإضافة إلى تعليق المصدر:

  • يمكن اعتبار (C) زعيمة المجموعة، نظرًا لشبكات العلاقات المتطورة التي تحوم حولها، وهي الوحيدة المرسومة في المقطع (Zone) الأوسط المركزي.
  • (B) عنصر منعزل أو معزول، وهو مرسوم خارج المنطقة، وليس له إلا علاقة من طرف واحد مع (f)، الذي يرتبط بعلاقة متبادلة بالزعيمة (C)، وهو في المقطع الأخير (Zone 3).

قد يعارض أحدهم عدَّ العلاقة بطرف واحد علاقة، لأن (B) هو الذي يختار أحد الأعضاء، وقد لا يريد ذلك العضو هذه العلاقة، ولكنها تُعد علاقة مهما تكن، وإلا كيف يمكن اعتباره من المجموعة؟

  • يمكن تقسيم المجموعة عموديًا، مارًّا بـ(C)، فاصلًا بين شقي الرجال والنساء، وهنا قد نتبيَّن قيمة عامل الجنس في تقسيم المجموعة، ففي شق الرجال، نجد علاقاتهم تدور حول الزعيمة (C)، التي ليست لها أي علاقة ببقية النساء.
  • وفي شق النساء، نجد مجموعة صغيرة (un sous-groupe) لا علاقة لها بالبقية، قد تكون مصدر قوة داخل المجموعة لمعارضة سائر الأعضاء المشتتين لفرض رأيها أو؟ كما نجد المنعزلة (B) والزعيمة (C) محظية الرجال، حسب ما قد يتبادر إلى الذهن.
  • ويمكن رسم العلاقات داخل المجموعة بمعرفة أفرادها وعلاقة بعضهم ببعض، أو بواسطة استبيان عن طريق أسئلة على غرار: من هو صديقك المفضل؟ إذا أوكل لك عمل، مع من تفضل القيام به؟ من تريد تحاشيه من المجموعة؟

بعض تحاليل بيون للمجموعة

بيون هو ويلفريد روبرشت بيون (Wilfred Ruprecht Bion) (1897 – 1979)، وهو طبيب نفسي بريطاني، وأحد أعلام التحليل النفسي، ورائد العلاج النفسي بالمجموعة، ومن كتبه "بحوث عن المجموعات الصغيرة" (Recherches sur les petits groupes)، وهو ترجمة لكتابه الصادر سنة 1961 بعنوان:
 Experiences in Groups, London: Tavistock

عند طرح أي موضوع، لا يجب إهمال المدارس النفسية الأخرى، التي قد تتفطن، من وجهة نظرها، إلى أمور لا تراها غيرها. ومن آرائه في تحليله لاشتغال المجموعة ما يلي:

1. مفهوم الترابط أو التبعية (Notion de dépendance)

تبدأ المجموعة بأفراد متفرقين، يخضعون للنظام الهرمي، ويأتمرون بأوامر رئيسهم، الذي يجب أن يكون من أهم أهدافه جعلها مجموعة قريبة من المجموعة الطبيعية، أي قائد فريق ومتعاونون.

تبدأ المجموعة بأفراد متفرقين يخضعون للنظام الهرمي ويأتمرون بأوامر رئيسهم

2. قبول الزعيم

قبول الزعيم داخل المجموعة يعني دفعها إلى التقارب، ومزيد من التفاعل والتواصل. ويكون الزعيم عادة هو الجامع بين الأفراد، فإذا تخلى عن ذلك وتركها لحريتها، تخلت عنه أفرادها.

3. التقارن (Le couplage)

نجد في كل مجموعة، ولا سيما في بداية تكوينها، نزوعًا إلى التقارن، أي تجمع فردين وانغلاقهما في علاقتهما، وهذا يمثل خطرًا على المجموعة أحيانًا، إذ يسبب نوعًا من التعطيل لعمل المجموعة. ولكن، على كل حال، فإن التقارن، كالمجموعة الفرعية داخل المجموعة، يُعد ظاهرة من ظواهر ديناميكيتها، ولا يجب إغفاله.

تناولنا في المقالين جملة من محاور ديناميكية المجموعات، لكننا لم نُلمَّ بالموضوع كله، إذ لا تزال محاور أخرى تحتاج إلى دراسة، ولم نتطرق إليها، مثل: بنية المجموعة (La structure)، ضوابطها وقيمها، الانحراف عنها، التغيير والتجديد ومقاومتهما، توازنها، الأدوار والمنازل، الانجذاب والنفور، النزاعات والتوتر، التصورات ونظرتنا إلى الآخر، وغيرها من المحاور المهمة.

نحن نتعلم من الدراسات العلمية النظرية، كما نتعلم من تجربتنا الشخصية في أثناء ممارسة أعمالنا، ويمكننا مقارنة نتائج هذه الدراسات بثمار تجربتنا اليومية.

يمكنني أن أسأل نفسي: ما نوع الزعامة التي اخترتها؟ وما انعكاساتها داخل المؤسسة التي أديرها؟ ما مدى التلاحم في مجموعات العمل داخلها وفي كل أجزائها؟

ليست المجموعة المحدودة العدد وحدها التي تؤثر في السلوك الفردي البشري، ولا هي وحدها الجديرة بالدراسة، بل من الأهمية بمكان دراسة الحشد (La foule بالفرنسية، The crowd بالإنجليزية)، حيث يمتلك وحدة ذهنية، وله دور مهم في التعبئة السياسية والتغيير الاجتماعي، عبر التظاهر السلمي، وكذلك العصابة (La bande بالفرنسية، The gang بالإنجليزية)، وأهميتها في عالم الإجرام، والمجموعات الافتراضية (e-groups)، التي يتعرف بعضها على بعض عبر شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والجمهور، الذي يتكون لمشاهدة مسرحية أو مباراة كرة قدم، وما قد يترتب عن ذلك من أحداث مأساوية بعد انتهاء المباريات الرياضية، بالإضافة إلى دراسة التفاعل الجماعي في أثناء هذه الأحداث.

كما يمكن دراسة جمهور المحاضرات أو الندوات الفكرية، والجمعيات، التي تكون لها أهداف غير ربحية، ويخضع عملها لقانون أساسي يوضح نشاطها وأهدافها، وقد تكون على نطاق وطني أو دولي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة