ديفيد هيوم من أعظم فلاسفة عصر التنوير، فقد أسس المنهج التجريبي الذي يعتمد على الحواس مصدرًا وحيدًا للمعرفة. اشتهر بنقده اللاذع لمبدأ السببية ورفضه للتخمينات الميتافيزيقية في كتابه الأهم بحث في الطبيعة البشرية.
تتلخص فلسفة ديفيد هيوم في أن العقل البشري وعاء فارغ تملؤه التجارب، وقد مهدت أفكاره الطريق لتغيير مجرى الفلسفة الحديثة، متدرجاً في حياته من مفكر معتزل إلى رجل دولة ناجح.
في وقت كانت فيه الفلسفة غارقة في التخمينات الميتافيزيقية، ظهر ديفيد هيوم ليعيد توجيه البوصلة نحو «الطبيعة البشرية» بعدِّها المصدر الوحيد والأساس لكل حقيقة.
من شوارع إدنبرة إلى صالونات باريس التي لقبته بـ«ديفيد الطيب»، خاض هيوم معارك فكرية شرسة، مشككًا في أقدس القوانين العقلية مثل «مبدأ السببية»، ومقدمًا نموذجًا للفيلسوف الذي يتدرج من رتبة المفكر المعتزل إلى «رجل الدولة الصغير»، ليترك خلفه إرثًا غيّر مجرى الفلسفة الحديثة وصدم معاصريه بشجاعته في الشك حتى في مواجهة الموت.
نشأة ديفيد هيوم
ديفيد هيوم هو فيلسوف وسياسي إنجليزي. وُلد في أدنبره عام 1711م في أسرة تنتمي إلى طبقة النبلاء الاسكتلندية الصغيرة المتواضعة الثراء.

وفي عام 1714م، قررت أمه بعد وفاة أبيه، الذي كان محاميًا، الانتقال بأفراد الأسرة للإقامة في أملاك العائلة في ناينلويلز. وفي الحادية عشرة من عمره دخل هيوم إلى «إدنبره كوليدج» فدرس المنطق والبلاغة والرياضيات و«الفلسفة الطبيعية» التي سمحت له بالتعرُّف على نظام نيوتن، الذي كان له أكبر الأثر على تفكيره مستقبلًا.
ثم تابع دراسة القانون والتاريخ، لكنه كان يميل إلى الفلسفة والأدب. فاطَّلع على مؤلفات أكبر فلاسفة وأدباء عصره من مونتيني إلى بيكون وديكارت ومالبرانش ولوك وملتون وغيرهم... ما أرهقه أشد الإرهاق، وحمله على ترك الشؤون الفكرية والانصراف للعمل بالتجارة في بريستول. لكنه لم يستطع مقاومة ميله الحقيقي ونزوعه الأصلي للفلسفة.
هل تزوج ديفيد هيوم؟
لا، لم يتزوج ديفيد هيوم طوال حياته. فقد عاش حياة العزوبية مكرسًا وقته للعلم، والكتابة، والعمل الدبلوماسي.
وعلى الرغم من عدم زواجه، فإنه كان يتمتع بشخصية اجتماعية محبوبة وجذابة في الصالونات الأدبية، ولا سيما في باريس حيث لُقب بـ «ديفيد الطيب»، وكانت له علاقات صداقة قوية ومراسلات مع عدد من السيدات المثقفات، أبرزهم الكونتيسة «دبوفلير»، لكن هذه العلاقات لم تتطور قط إلى زواج رسمي.
أعمال ديفيد هيوم
سافر إلى فرنسا واستقر في رَمس بعض الوقت، ثم في فليش، أي في المكان الذي تابع فيه ديكارت دراسته. وهناك عمل على وضع مشروعه الفلسفي الذي لخّصه بهذه العبارة: «قررت أن أجعل من الطبيعة البشرية موضوعًا رئيسيًّا لدراستي ومصدرًا أساسيًا أستنبط منه كل حقيقة..».
ولم يكد يبلغ الثالثة والعشرين من عمره حتى بدأ بتحرير أهم مؤلفاته الفلسفية «بحث في الطبيعة البشرية». وكان يهدف من وراء نشر هذا الكتاب إلى إدخال الطريقة التجريبية في النظر إلى المسائل الأخلاقية، وبكلمة أخرى، بناء العلوم الإنسانية على أساس الملاحظة والتجربة، لا على أساس التخمين والفرضيات الكيفية.

رحلة الصعود الصعبة: سوء الطالع الذي طارد مؤلفات هيوم الأولى
بعد عودته إلى لندن عام 1737م، نشر هيوم الجزأين الأولين من ذلك الكتاب، لكن دون تحديد لاسم المؤلف. ولشدة ما خاب أمله وتألمت نفسه عندما لاحظ أن الصحافة لم تعره أي اهتمام. فحاول أن يصدر موجزًا مبسطًا عنهما، لكن عبثًا.
وفي عام 1740م نشر الجزء الثالث من الكتاب. ورشّح نفسه، بناءً على نصيحة وتشجيع أحد أصدقائه، لكرسي أستاذ فلسفة الأخلاق بجامعة أدنبره، لكن كتابه الذي أثار الكثير من التفسيرات والاتهامات، ليس أقلها الزندقة والإلحاد، لم يساعده على بلوغ ما كان يصبو إليه.
وبقي سوء الطالع ملازمًا له في حله وترحاله، إذ أُصيب المركيز الشاب، الذي كان يعلمه، بمَسٍّ من الجنون، كما فشلت حملة الجنرال الذي اشتغل عنده سكرتيرًا.
في عام 1748م نشر كتابه «بحث في ملكة الفهم البشري». وفي عام 1751م رفضت جامعة غلاسغو طلبه تعليم المنطق. وبعد التفتيش المضني حظي هيوم بوظيفة سكرتير لمكتبة نقابة المحامين في أدنبره، وبقي فيها حتى عام 1757م.
وكانت هي المرة الأولى التي يترك فيها عملًا بملء إرادته. فنشر في أثناء هذه المدة عدة مؤلفات عُرفت نجاحًا لم يُسبق له مثيل، وأُعيد طبعها عدة مرات.
كيف أصبح هيوم «رجل دولة صغير»؟
على أثر ذلك عُرضت عليه وظيفة سكرتير في السفارة البريطانية في باريس، وذلك بعد أن ذاع صيته في فرنسا وانتشرت كتبه في أوساط الجامعات والمفكرين. فلم يتردد هيوم في قبول تلك الوظيفة التي فتحت له أبواب حياة سياسية جديدة.
ذلك أن هيوم، الذي فشل في الحصول على وظيفة أستاذ في الجامعة، نجح في أن يكون رجلًا سياسيًّا، فتدرّج من رتبة سكرتير إلى قائم بالأعمال، إلى وكيل وزارة، وهذا ما دفعه إلى القول: «لقد تحولت من فيلسوف إلى رجل دولة صغير». وأخيرًا، حصل هيوم على ما كان يحلم به من يُسر مادي ومجد أدبي.
المنهج التجريبي: لماذا قدس هيوم الحواس وعدَّها نافذة الحقيقة؟
تأثر هيوم بفكر هوبز، وأخذ عنه المذهب التجريبي. فهو لا يعتقد بالحق الإلهي ولا بالقوانين الطبيعية الخالدة المستقلة عن حالة المجتمع، ويستلهم مبادئه الأخلاقية من مفهوم المنفعة، إذ كان يرى أن هذه القوانين ليست سوى مواثيق وعهود نافعة للفرد، تضمن له دوام واستقرار الحيازة والتملك، وتفرض عليه احترام تعهداته.
واستطاع هيوم أن يؤثر بفكره في الفلاسفة اللاحقين، فمهَّد لفكر بورك، الذي كان يحترم العادة ويؤمن بالماورائية، وبنتام، الذي قال بمذهب «عبادة المنفعة».
ما هي نظرية ديفيد هيوم؟
كان ديفيد هيوم أول فيلسوف في العصر الحديث يشكك في فكرة أن العقول البشرية نسخة مصغرة من عقل مثالي كبير، كما عارض وجود الإله ورفض الديانات كلها والمسيحية وكتبها، وبدأ بمشروع علم الإنسان الذي يعكف فيه على دراسة ظاهرة العقل البشري.
آمن هيوم أن كل معرفة جديدة تأتي من الخبرة، وأن الخبرات تتجمع كأنها وحدات فردية صغيرة، أطلق على وحدات الخبرة الفعالة اسم المدركات الحسية، أما وحدات الخبرة الأقل فعالية فقد أطلق عليها المعتقدات.
رفض هيوم الرأي القائل بأن العقل يمكن أن يميز الفضيلة من الرذيلة، معتقدًا أن الفضائل عند الناس هي تلك النافعة لهم، وأن الناس جميعهم يمتلكون عاطفة الخير والرغبة الطيبة.

المنهج التجريبي عند ديفيد هيو
تُشكل نظرية المعرفة عند ديفيد هيوم ذروة المذهب التجريبي؛ حيث انطلق من مبدأ أن جميع محتويات العقل البشري تستمد أصلها من «التجربة الحسية» ولا وجود لأفكار فطرية، وحسب أقوال ديفيد هيوم عن الحواس فإن فلسفته تدور حول تقديس «الحواس» باعتبارها النافذة الوحيدة للحقيقة؛ فهو يرى أن العقل دون حواس هو وعاء فارغ، وأن كل ما نعده «تفكرًا عميقًا» ليس في الحقيقة إلا صدىً لتجارب حسية سابقة.
ويقوم منهجه على مبدأ «الانطباعات والأفكار»، حيث يرى أن كل فكرة في عقولنا ليست إلا نسخة باهتة عن انطباع حسي مباشر سبقه.
بماذا اشتهر ديفيد هيوم؟ زلزال السببية
اشتهر هيوم بهجومه لمبدأ السببية الذي ينص على أنه لا يحدث في الكون أي شيء دون سبب، وأن هناك سببًا لكل حدث، فهاجم هيوم هذا المبدأ قائلًا إن الحدث الأول ليس سببًا للحدث الثاني.
في النهاية سواء اتفقت مع ديفيد هيوم أو اختلفت، فإن نظرياته وكتبه باقية لتلقي بالضوء على بعض الغموض على ذلك العضو المسمى بالعقل البشري.
هل ديفيد هيوم ملحد؟
بالنسبة لديانة ديفيد هيوم، فإنه يُصنف فلسفيًا كـ«تشكيكي» أو «لا أدري» بدلًا من ملحد صريح؛ فهو لم ينفِ وجود الخالق بشكل قاطع، بل جادل بأن العقل البشري والمنهج التجريبي قاصران عن إثبات أو نفي القضايا الغيبية.
ورغم نقده الحاد للبراهين اللاهوتية وفكرة المعجزات، فإنه ظل متمسكًا بمبدأ أن «الشك» هو الموقف العلمي والمنطقي الوحيد تجاه ما يتجاوز التجربة الحسيّة، مما جعل موقفه يميل إلى تعليق الحكم بدلًا من الإنكار المطلق.
ماذا قال ديفيد هيوم قبل موته؟
صرح قبل وفاته بأنه لا يشعر بأي خوف أو ندم، وأنه يموت بذات السلام النفسي الذي ميز حياته. ومن أشهر مواقفه الساخرة تخيله لحوار مع «شارون» (معدّي الموتى في الأساطير) وهو يطلب منه تأجيل موته ليرى سقوط الأوهام والخرافات.
وكتب في مذكراته الأخيرة أنه يشعر بالتحرر التام من القلق تجاه الفناء، وهو ما أكده صديقه «آدم سميث» الذي وصف لحظات احتضاره بأنها كانت نموذجًا للسكينة والكمال الأخلاقي بعيدًا عن العادات الدينية.
بصفتي باحثًا الفلسفة الحديثة، لم يقتصر تأثير فلسفة ديفيد هيوم على عصره فحسب، بل امتد ليغير مسار الفلسفة الألمانية. وقد اعترف الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط صراحة بفضل هيوم عليه في مقولته التاريخية الشهيرة: «إن تحذير ديفيد هيوم هو ما أيقظني، منذ سنوات عدة، من سباتي الدوغمائي (الاعتقادي الجازم). لقد أجبر نقد هيوم اللاذع لمبدأ السببية الفلاسفة اللاحقين على إعادة تقييم حدود العقل البشري بالكامل.
في الختام، لم يكن ديفيد هيوم فيلسوفًا تقليديًّا يطرح نظريات معقدة من برج عاجي، بل كان مفكرًا شجاعًا نزل بالفلسفة إلى أرض الواقع، جاعلًا من «الطبيعة البشرية» والتجربة الحسية المقياس الأوحد للحقيقة. لقد نجح في المنهج التجريبي في تحطيم أصنام فكرية عاشت لقرون، وأثبت بشكه في مبدأ السببية أن العقل البشري، على الرغم من عظمته، تحكمه العادة والتكرار أكثر من المنطق المطلق.
سواء اتفقنا مع ما طرحه في كتابه بحث في الطبيعة البشرية أم اختلفنا، يظل إرث هيوم الفلسفي حيًا، يدعونا في كل عصر إلى التواضع المعرفي، والتفكير النقدي، والتحرر من الأوهام والمسلمات التي نأخذها حقائق مطلقة دون تمحيص.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.