دول غنية وشعوب فقيرة

نشأت التجارة قديماً جداً منذ قدم الحضارة الإنسانية فعندما بدأت الحضارة الإنسانية وتوسعت أنشطة البشر؛ ظهرت الحاجة للتجارة وتبادل السلع المختلفة بين الأفراد وبين البلدان وحتى قبل اكتشاف العملات كانت تتم التجارة بنظام المقايضة بتبادل السلع بسلع أخرى ومع التقدم في الزراعة والصناعة واكتشاف المواد الخام توسعت التجارة بين البلدان إلى جانب الأسواق المحلية.
التجارة يتحكم فيها عدة عوامل أساسية منها الموقع الجغرافي وطرق الملاحة والنقل البري والجوي.
كانت شواطئ البحر المتوسط من أكبر مراكز التجارة في العالم وكان للمصريين القدماء واليونانيين دور الريادة في مجال التجارة حتى أنه عند إنشاء ميناء الإسكندرية أصبح مركز التجارة العالمية.
عند بداية ظهور علم الاقتصاد كف العلماء في هذا المجال على إصدار نظريات اقتصادية كثيرة للسوق والتجارة والتي من أشهرها نظرية زيادة الأسعار أو انخفاضها وفقاً للعرض والطلب فكلما زاد الطلب كلما ارتفع السعر والعكس صحيح وهذه من أقدم نظريات الاقتصاد وأشهرها.
يذكر أنه حين كان نظام سوق التجارة مرتبط بالإنتاج والصناعة ظهرت الحاجة لضبط عوامل السوق المختلفة من رؤوس الأموال والتكلفة وأجور العمال وضبط الأسعار للوصول لأفضل منظومة تضمن عدم احتكار السلع والأجور العادلة للعمال وحقوق المستهلك أيضاً في الحصول على سلعةٍ جيدةٍ بسعرٍ مناسبٍ مما عن تدخل الحكومات في الدول لفرض قوانين حاكمة لعملية الإنتاج والبيع والشراء.

كانت التجارة في البداية قاصرة على السلع والبضائع المختلفة التي يحتاجها الإنسان وظلت الخدمات العامة مثل توفير المياه والكهرباء والعلاج والتعليم وإنشاء الطرق والمواصلات العامة بشكل أو بآخر بعيدة عن قوانين التجارة فهي أساسيات بناء الإنسان والمجتمع حتى ظهرت مؤخراً في نظرية السوق الحرة في بداية الثمانينيات تقريباً والتي أطلق عليها في بعض الأحيان الانفتاح الاقتصادي وكان عالم الاقتصاد الأمريكي ميلتون فريدمان هو الأب الروحي لهذه النظرية الاقتصادية الكارثية والتي دعت لرفع جميع القيود عن التجارة والسوق وإطلاق الحرية لرؤوس الأموال في الاستثمار وتحديد آليات السوق والأجور والأسعار والجودة وكل شيء ورفع الجمارك والضرائب وإنهاء دور الدول في التدخل في السوق؛ مما أدى إلى مكاسب وتراكم للثروات لدى رؤوس الأموال على حساب العمال والمستهلكين من أفراد المجتمع وتحولت بناءً على ذلك القوة الاقتصادية للدول إلى قوة اقتصادية لرجال الأعمال والشركات العملاقة وراحت الأخيرة إلى فرض سيطرتها على الدول وسياستها ولم تكتفي بالتجارة في السلع والبضائع بل تخطتها للتجارة والاستثمار في الخدمات والبنى التحتية الأساسية وكسرت كل قواعد الاقتصاد السليم بالاحتكار والتلاعب بالسلع والأسعار بل والتحكم في ذوق وسلوك المستهلك عن طريق توجيه سلوكه وإغراءه واللعب على غرائزه واحتياجاته المختلفة.
أدى كل هذا في النهاية إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح يسير في اتجاهين متناقضين تماماً بينما يسير اتجاه رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال إلى مزيد من الازدهار والنمو والمكاسب ويسير اتجاه المستهلكين والمواطنين إلى مزيد من الفقر والعجز والخسارة وبالتالي تقل جودة وكم السلع كل يوم لكي تستطيع الوصول لهذا المستهلك الفقير فحتى الجودة في هذا النظام الاقتصادي أصبحت تباع بالمال. أصبحنا نرى دول غنية جداً في مقابل شعوب فقيرة جداً.
فهل يستمر هذا الوضع طويلاً مع تزايد حدة الاحتقان لدى المواطن العادي أم لا؟ وإلى أين سيقودنا في النهاية؟ هل نحن بحاجة إلى تدخل جراحي دقيق لمعالجة هذا الورم الاقتصادي الذي يزداد يوما بعد يوم في جسد العالم؟ أم ماذا؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.