دور علم النفس الجنائي في التحقيقات الجنائية.. كيف يفكك الخبراء عقل المجرم؟

يُعرّف علم النفس الجنائي بأنه العلم الذي يدمج بين مبادئ علم النفس ونظام العدالة الجنائية لفهم دوافع الجريمة وتحليل السلوك المنحرف. ويرتكز دور علم النفس الجنائي في التحقيق في الجرائم على إعداد الملفات النفسية للجناة، وتقييم صدق الشهادات، وتحليل لغة الجسد.

بدأ هذا العلم على يد سيزار لومبروزو وتطور ليشمل مجالات متعددة تهدف إلى مساعدة القضاء، وتحقيق العدالة، وإعادة تأهيل الجناة لحماية المجتمع.

في هذا المقال، سنتعرف على الجذور التاريخية لهذا العلم مع سيزار لومبروزو، مرورًا بتفرعاته المتعددة، وصولًا إلى دور علم النفس الجنائي في التحقيق في الجرائم عبر إعداد الملفات النفسية وتحليل لغة الجسد، لنرسم صورة واضحة حول كيفية مساهمة علم النفس في تحقيق العدالة وحماية المجتمع.

يُعد العقل البشري مسرح الجريمة الأول؛ فخلف كل فعل إجرامي دافع ونية ورد فعل، وحينئذ يأتي دور علم النفس الجنائي الذي يعد الجسر الرابط بين التحليل السيكولوجي العميق ونظام العدالة، فيسعى لفك شفرات السلوك المنحرف وفهم ما يدور في ذهن الجاني.

يرتكز علم النفس الجنائي على تحليل الدوافع والأنماط النفسية للجناة، لدعم التحقيقات القضائية وتحقيق العدالة ومنع تكرار الجريمة، عبر التقييم والإصلاح.

تعريف علم النفس الجنائي

يُعرّف علم النفس الجنائي بأنه العلم الذي يدمج بين مبادئ علم النفس ونظام العدالة الجنائية، ويركز بشكل أساسي على دراسة الأفكار والنوايا وردود الأفعال التي تسبق أو ترافق ارتكاب الجريمة.

يُعرّف علم النفس الجنائي بأنه العلم الذي يدمج بين مبادئ علم النفس ونظام العدالة الجنائية

ويعتمد مفهوم علم النفس الجوهري على تطبيق النظريات النفسية لفهم السلوك الجرمي وتحليل الدوافع النفسية والاجتماعية والبيئية التي تدفع الفرد للانحراف، وذلك بهدف تقديم مساعدة فنية للقضاء لضمان فهم دقيق للحالة النفسية للمتورطين، ووضع إستراتيجيات وقائية وإصلاحية تهدف لخفض معدلات الجريمة وإعادة تأهيل الجناة.

من هو مؤسس علم النفس الجنائي؟

يُعد العالم الإيطالي سيزار لومبروزو (Cesare Lombroso) المؤسس الفعلي والمؤصل الأول لعلم النفس الجنائي والمدرسة الوضعية في علم الجريمة، ثم تطور هذا العلم ومر بمراحل رئيسة عدة أهمها:

يُعد العالم الإيطالي سيزار لومبروزو (Cesare Lombroso) المؤسس الفعلي والمؤصل الأول لعلم النفس الجنائي

  • سيزار لومبروزو (القرن التاسع عشر): كان طبيبًا عسكريًّا وعالم جريمة، وهو أول من حاول دراسة المجرم بدلاً من دراسة الجريمة ذاتها. اعتقد لومبروزو في بداياته أن الإجرام حالة بيولوجية موروثة، وطور نظرية «المجرم بالولادة» التي تربط بين السمات الجسدية والميول العدوانية.
  • هانز غروس (Hans Gross): يُعد الأب الروحي للتحقيق الجنائي النفسي، حيث نشر في عام 1893 كتابه الشهير «علم النفس الجنائي» الذي ركز فيه على كيفية تطبيق علم النفس في إجراءات التحقيق والاستجواب وفهم سلوك الشهود.
  • هوجو مونستربيرج (Hugo Münsterberg): أسهم في أوائل القرن العشرين بنشر كتاب «على منصة الشهود»، ليكون من أوائل الذين نادوا باستخدام علم النفس التجريبي في قاعات المحاكم لتقييم دقة الشهادات واكتشاف الكذب.

أنواع علم النفس الجنائي ومجالات تأثيره

ينقسم علم النفس الجنائي إلى عدة تفرعات تخدم منظومة العدالة من زوايا مختلفة:

  • علم النفس الشرطي: يركز على تقديم الدعم النفسي لرجال الأمن، وتطوير أساليب اختيار الموظفين، والتعامل مع ضغوط العمل الميداني.
  • علم نفس الضحايا: يهتم بدراسة الآثار النفسية التي تتركها الجريمة على الضحايا، وتقديم برامج التأهيل والدعم اللازمة لهم.
  • علم النفس القضائي: يركز على العمل داخل المحاكم، مثل تقييم أهلية المتهمين للمحاكمة، ودراسة سيكولوجية الشهود والمحلفين.
  • علم النفس الإصلاحي: يهتم بالعمل داخل السجون والمؤسسات العقابية لتقييم السجناء ووضع برامج لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع مرة أخرى.

موضوعات علم النفس الجنائي

يدرس هذا العلم مجموعة واسعة من القضايا التي تتقاطع فيها النفس البشرية مع السلوك الإجرامي، ومن أبرزها:

  • دوافع الجريمة: البحث في الأسباب النفسية والاجتماعية والبيئية التي تدفع الفرد لارتكاب سلوك منحرف.
  • الاضطرابات النفسية والجريمة: دراسة العلاقة بين الأمراض العقلية (مثل الذهان) والاضطرابات الشخصية (مثل السيكوباتية) وبين الميول الإجرامية.
  • سيكولوجية الشهادة: تحليل العوامل التي تؤثر على دقة ذاكرة الشهود، وكيفية اكتشاف الكذب أو التزييف في الأقوال.
  • الوقاية من الجريمة: وضع استراتيجيات نفسية تهدف إلى خفض معدلات الجريمة بمعالجة السلوكيات المنحرفة في مراحلها المبكرة.
  • تحليل السلوك الجرمي: دراسة الأنماط المتكررة في الجرائم المتسلسلة لفهم شخصية الجاني وتوقع خطواته القادمة.

وظائف علم النفس الجنائي: المسارات المهنية

تتعدد المسارات المهنية للمتخصصين في هذا المجال لتشمل قطاعات أمنية وقانونية متنوعة:

  • خبير استشاري لدى أجهزة الشرطة: للمساعدة في التحقيقات الجنائية المعقدة وتحليل مسرح الجريمة.
  • اختصاصي تقييم نفسي في المحاكم: لتقديم تقارير فنية للقضاة حول الحالة العقلية للمتهمين ومدى مسؤوليتهم عن أفعالهم.
  • باحث أكاديمي: للعمل في الجامعات ومراكز البحوث لدراسة ظواهر الإجرام وتطوير النظريات العلمية.
  • اختصاصي تأهيل في السجون: للإشراف على برامج تعديل السلوك للسجناء وتقديم الاستشارات النفسية لهم.

يساعد علم النفس الجنائي في التحقيقات الجنائية المعقدة وتحليل مسرح الجريمة

وظيفة علم النفس الجنائي: كيف يُستخدم في التحقيقات الجنائية؟

تتمثل الوظيفة الأساسية لهذا العلم في تطبيق المبادئ والنظريات النفسية داخل نظام العدالة الجنائية لتحقيق هدفين رئيسين:

  1. تحقيق العدالة: بضمان فهم دقيق للحالة النفسية للمتورطين في القضايا، مما يساعد القضاء في إصدار أحكام منصفة تتناسب مع الحالة العقلية والظروف النفسية للجاني.
  2. حماية المجتمع: عبر فهم جذور السلوك الإجرامي وتطوير برامج علاجية فعالة تمنع العود للجريمة، مما يساهم في تعزيز الأمن المجتمعي الشامل.

ما هو دور علم النفس الجنائي في التحقيق في الجرائم؟

يؤدي علم النفس الجنائي دورًا محوريًّا وحاسمًا في مسار التحقيقات الجنائية، فيتجاوز تحليل الجريمة إلى فهم العقل الذي خطط ونفذ، وتتلخص أبرز أدوار هذا العلم في النقاط التالية:

1. إعداد الملفات النفسية للجناة (Criminal Profiling): يُعد هذا الدور الأبرز، حيث يحلل المختصون مسرح الجريمة لاستنتاج الخصائص الشخصية والاجتماعية والنفسية للجاني المجهول، ويساعد ذلك رجال الشرطة في تضييق دائرة الاشتباه بتحديد الفئة العمرية المحتملة، والحالة الاجتماعية، والمستوى التعليمي، حتى نمط سلوكه اليومي.

2. تطوير استراتيجيات الاستجواب: يساعد علم النفس الجنائي المحققين في اختيار الأسلوب الأمثل لاستجواب المتهمين بناءً على سماتهم الشخصية. فالمجرم السيكوباتي يحتاج لأسلوب يختلف تمامًا عن المجرم الذي ارتكب جريمته تحت ضغط عاطفي أو شعور بالذنب، مما يرفع من احتمالية الحصول على اعترافات دقيقة.

3. تقييم صدق الشهادة واكتشاف الكذب: يعمل خبراء هذا العلم على تحليل لغة الجسد، التعبيرات الدقيقة، والأنماط اللغوية للشهود والمتهمين، كما يدرسون سيكولوجية الذاكرة لبيان مدى دقة شهادة الشهود، خاصة أن الذاكرة البشرية قد تتعرض للتشويه تحت تأثير الصدمة أو الإيحاء.

4. تحليل التوقيع السلوكي (Signature): يبحث علم النفس الجنائي عما يسمى التوقيع، وهو سلوك إضافي يقوم به الجاني لإشباع رغبة نفسية ولا يهدف لتنفيذ الجريمة بحد ذاتها (مثل ترتيب معين للأشياء في مسرح الجريمة)، ويساعد هذا التوقيع في الربط بين جرائم متعددة ارتكبها نفس الشخص حتى لو تباعدت أزمانها أو أماكنها.

5. تقدير الخطورة وتوقع السلوك المستقبلي: أسهم هذا العلم في حماية المجتمع بتقييم احتمالية عودة المجرم لارتكاب الجريمة مرة أخرى، لا سيما في جرائم العنف والاعتداءات المتكررة، ما يساعد جهات التحقيق والادعاء في اتخاذ إجراءات احترازية.

6. التفاوض في حالات احتجاز الرهائن: يقدم علماء النفس الجنائي استشارات فورية للمفاوضين الأمنيين حول كيفية التعامل مع الخاطفين، وتحليل حالتهم الذهنية ومستوى اندفاعهم، لتقليل احتمالية حدوث خسائر بشرية.

شهد علم النفس الجنائي طفرة هائلة في سبعينيات القرن العشرين، عندما أسس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) وحدة التحليل السلوكي (BAU).

واعتمدت هذه الوحدة على أبحاث ولقاءات مكثفة مع قتلة متسلسلين (مثل تيد باندي وجون واين جاسي) لتوثيق وتصنيف سلوكياتهم. هذه المقابلات أسست المنهجية الحديثة لـ(التنميط الجنائي) التي أثبتت علميًّا أن مسرح الجريمة يظهر البصمة النفسية للاضطرابات التي يعاني منها الجاني، كالسيكوباتية أو النرجسية المفرطة، وهو ما تدعمه بقوة الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).

ملخص علم النفس الجنائي

يُعد علم النفس الجنائي الجسر الرابط بين التحليل السيكولوجي ونظام العدالة، حيث يركز على دراسة الدوافع والنيات الكامنة وراء السلوك الجرمي وكيفية التعامل معها.

ويتلخص دوره الجوهري في تقديم الدعم الفني للتحقيقات عبر إعداد الملفات النفسية للجناة (Profiling)، وتطوير أساليب الاستجواب، وتقييم صدق الشهادات، وصولًا إلى وضع برامج إصلاحية لتأهيل السجناء.

ويهدف هذا العلم، الذي أسسه سيزار لومبروزو وطوره هانز غروس، إلى تحقيق توازن دقيق بين فهم الحالة العقلية للجاني لضمان عدالة الأحكام، وبين حماية المجتمع بإستراتيجيات وقائية تمنع العود للجريمة.

مسلسل «ماوس»: دراما تجسد نظريات علم النفس الجنائي والمجرم بالولادة

يُعد المسلسل الكوري «ماوس» (Mouse) نموذجًا دراميًا وتطبيقيًا فذًّا يجسد جوهر علم النفس الجنائي في أقصى صور براهينه وتجلياته؛ إذ يغوص العمل في واحدة من أعقد القضايا التي يدرسها هذا العلم، وهي العلاقة بين الاضطرابات الشخصية (مثل السيكوباتية) وبين الميول الإجرامية، في رحلة نفسية مشوقة مع البطل جونغ باروم الذي تغيرت حياته بعد مواجهته أحد القتلة المتسلسلين.

يُعد المسلسل الكوري «ماوس» (Mouse) نموذجًا دراميًا وتطبيقيًا فذًّا يجسد جوهر علم النفس الجنائي

وبتتبع شخصيات العمل، نجد تطبيقًا عمليًا لآليات تحليل السلوك الجرمي وفهم الأنماط المتكررة للقتلة المتسلسلين لتوقع خطواتهم القادمة، ويسلط المسلسل الضوء على دور الخبير في إعداد الملفات النفسية للجناة بتحليل مسرح الجريمة لاستنتاج الخصائص النفسية للقاتل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.