مع زيادة عدد السكان تزداد خطورة المشكلة الأساسية في الدولة المصرية، وهي ضمان توفير الاحتياجات الأساسية لكل مواطني الدولة. ولذلك تقوم الحكومة بمساعدة القطاع الخاص والتجار عن طريق الدعم الحكومي، حيث تبيع المنتجات الأساسية والاستراتيجية بأسعار مخفضة في منافذ تابعة للدولة. ولكن استمرار زيادة عدد السكان يؤدي الى زيادة الطلب الكلى بشكل يمنع الكمية المنتجة من المعروض السلعي من الوفاء باحتياجات جميع السكان. وبالتالي، وحتى لا يضطر التجار الى رفع أسعار منتجاتهم تقوم الدولة بتقديم اعانات الى التجار لتخفيض تكاليف الانتاج، ومن ثم مساعدتهم على زيادة انتاج المعروض السلعي، وذلك الى جانب الزيادة في المبالغ المخصصة للدعم الحكومي، حيث زادت مخصصات الدعم الحكومي لتصل الى 89 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2019/2020.
ولكن زيادة أعداد السكان بمرور السنوات يجعل من الصعب زيادة مخصصات الدعم الحكومي بالشكل الذي لا يؤثر على بنود الانفاق العام الأخرى. ولذلك تسعى الحكومة المصرية الى تحويل الدعم العينى الى دعم نقدى لتخفيض النفقات العامة للدولة. السؤال الآن: ما الذي يمنع من زيادة مخصصات الدعم الحكومي طالما يصاحبها زيادة في الانتاج؟، قبل الاجابة على هذا السؤال، ما الفرق بين الدعم العينى والدعم النقدي؟، ولماذا تسعى الدولة الى التحول الى الدعم النقدي؟
يوجد ثلاثة أنواع للدعم الحكومي، الأول هو الدعم السلعي، ويعني أن تبيع الدولة المنتجات بأسعار مخفضة مع تحديد الكميات المستحقة لكل مواطن من كل سلعة. والثانى هو الدعم العينى، ويعني أن تبيع الدولة المنتجات بأسعار مخفضة مع ترك تحديد الكميات المستحقة من السلع لحرية المواطنين وتفضيلاتهم. أما الثالث فهو الدعم النقدي، ويعني أن تخصص الدولة مبلغا من المال لكل مواطن بديلا عن السلع المدعمة. قد يكون الدعم النقدي غير مشروطا، أى تخصص الدولة للمواطنين تلك المبالغ المالية دون شروط سوى أن يكون من مستحقي الدعم، وقد يكون الدعم النقدي مشروطا، وهذا ما تسعى اليه الدولة المصرية.
فبعض المواطنين ينقصهم الوعي بضرورة الاهتمام بالصحة والتعليم. ولذلك تضع الحكومة شروطا على المواطن بمعنى أن يلتزم بتعليم أطفاله في المدارس والجامعات، وأن يلتزم بقيد نفسه ضمن المستحقين للتأمين الصحى ليتمتع بتقديم الخدمات الصحية له ولأسرته، وذلك شرطا ليصبح من مستحقي الدعم الحكومي. تهدف الحكومة المصرية من اتخاذ ذلك الاجراء تحقيق التنمية الشاملة من خلال الزام المواطنين لتصل الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم وخدمات المرافق العامة الى جميع مناطق مصر، وخاصة القرى والنجوع الفقيرة، ويتمتع بها كافة مواطني الدولة.
ان الدعم النقدي وان كان يؤدي الى تحقيق التنمية الشاملة، الا أن النفقات المخصصة للدعم لن تقل، بل من الممكن أن تزيد بسبب تخلى الدولة عن دعم المواطنين لتخفيض أسعار السلع الأساسية، بالاضافة الى تأثر دخول الأفراد الحقيقية بالعديد من العوامل مثل تخفيض قيمة العملة الحقيقية بسبب تعويم الجنيه. كما أنه لرفع قيمة العملة المصرية لابد أن يصاحبها زيادة في الانتاج في كافة القطاعات، وذلك لن يتحقق في وجود البيروقراطية والفساد الاداري الذي يؤدي الى خسارة الدولة مليارات الجنيهات سنويا.
كل المشكلات السابق ذكرها تتعلق بجانب العرض، ولكن اذا نظرنا الى جانب الطلب سنجد مشكلة خطيرة جدا، ألا وهي تفضيلات الأفراد. ان تفضيلات الأفراد ليست واحدة، فما يفضله مواطن معين قد لا يفضله مواطن اخر، بل ان ما يفضله شخص ما في وقت معين قد لا يفضله في وقت اخر. اذن فتفضيلات الأفراد تتسم بعدم الاثبات والتقلب الناتج عن رغبات الأفراد في اختيار ما يريدونه من السلع.
كما أن تفضيلات الأفراد تتأثر بعدد من العوامل مثل الدخل، فجودة السلع التي يرغب الفرد في شرائها سواء كانت سلع ضرورية أو كمالية تتوقف على ما يمتلكه من النقود. ومن العوامل المهمة المؤثرة على تفضيلات الأفراد معيار التفضيل، تتسم رغبات الأفراد بالتقلب الدائم وعدم الاستقرار، ويرجع ذلك الى عامل الدخل السابق ذكره، بالاضافة الى عدم وجود ثقافة منطقية للاستهلاك، حيث أن دخل الفرد قليلا كان أو كثيرا أو سوء ادارته لشئون حياته من الناحية الاقتصادية قد يدفع به الى شراء سلع كمالية غالية الثمن في ظل احتياجه للسلع الأساسية أو قد يشترى كميات كثيرة من سلعة ما لايحتاج منها في الوقت الحالى الا كميات محدودة، وذلك لاقتناعه بفكرة تخزين السلع في مواجهة الظروف الطارئة.
ونظرا لتلك الأسباب فان التحول الى الدعم النقدي لن يحقق الأهداف المرغوب فيها بقدر ما سيؤدي الى زيادة النفقات العامة المتمثلة في الأجور والاعانات المخصصة للتجار. ولذلك يجب على الدولة التخلي عن تطبيق الدعم النقدي وتطبيق سياسة الدعم السلعي، مع وضع قاعدة يبانات متطورة لحصر من يستحق الدعم فعلا بالاضافة الى تفعيل دور حملات التوعية ومنظمات المجتمع المدنى لتوعية المواطنين بأهمية التعليم والصحة في تحسين المستويات المعيشية للأفراد.
كما يجب الاهتمام بتوعية المواطنين، وخاصة محدودى الدخل، بضرورة تحسين الثقافة الاستهلاكية، وتدريبهم على ادارة شئون الحياة بشكل يمكنهم من التمتع بكافة الخدمات الاجتماعية من خلال ضبط بنود الانفاق الشخصي. وأخيرا، فان الثقافة الاستهلاكية معيارا مهما من معايير رقى المجتمع وتقدمه. وكلما تحسنت الثقافة الاستهلاكية للمواطنين كلما كان ذلك عونا للدولة لتحسين كفاءة الانفاق العام والحد من زيادته دون داعي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.