تُعدّ الأشياء في القصة العربية الحديثة أكثر من عناصر مادية جامدة؛ فهي مفاتيح دلالية تكشف أعماق الشخصيات وتوجّه مسار الأحداث، فالقلم أو الباب أو المكنة ليست أدوات، بل رموز تختزن قوى اجتماعية ونفسية وثقافية. عبر تتبع حضور هذه الأشياء في نصوص مثل «نبّوت الخفير» لمحمود تيمور و«حكاية الباب» لعزّ الدين المدني و«المكنة» ليوسف إدريس، تتضح التحولات التي شهدها السرد العربي في علاقته بالمادة والرمز والمعنى، وكيف تجاوزت الأشياء حيادها لتصبح كائنات فاعلة في البناء القصصي.
في هذا المقال، نتناول دور الأشياء في القصة القصيرة. كان الإنسان دائمًا على علاقةٍ بالأشياء، فهي تملأ تفاصيل حياته. ومنذ «مسمار» الروائي الروسي تشيخوف، اكتسبت الأشياء أهميّةً في مجال القصّ. فما هي تلك الأشياء؟ وكيف اكتسبت وظائفها القصصيّة؟ سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال تحليل القصة القصيرة العربية عبر ثلاثة نماذج بارزة.
كان الإنسان دائمًا على علاقةٍ بالأشياء، فهي تملأ تفاصيل حياته وتُشكّل جزءًا من عالمه الخاصّ، وقد تُعبّر عن حالاته النفسيّة والاجتماعيّة المتقلّبة، وقد تكون امتدادًا لذاته...
ومنذ «مسمار» الروائي الروسي تشيخوف، اكتسبت الأشياء أهميّةً في مجال القصّ، وهو ما يدفعنا إلى التوقّف عند بعض ملامحها واستجلاء حضورها وبيان صلتها بالأحداث والشخصيّات والدلالة في ثلاثة نماذج من الأقاصيص، هي:
«نبّوت الخفير»: للمصري محمود تيمور.
«حكاية الباب»: للتونسي عزّ الدين المدني.
«المكنة»: للمصري يوسف إدريس.
فما هي تلك الأشياء؟ وكيف اكتسبت وظائفها القصصيّة؟
يقتضي المنهج أن نضبط أوّلًا المقصد من «الأشياء»، ثمّ نحصيها في هذه المدوّنة المدروسة.
الإطار النظري من مسمار تشيخوف إلى تسريد الأشياء
تشمل الأشياء في أغلب المعاجم المختصّة وغير المختصّة كلّ ما له وجودٌ مادّيٌّ ملموسٌ وينتمي إلى عالم الجماد من غير الإنسان والحيوان، كما تشمل أيضًا بعض الأمور المعنويّة المجرّدة التي تنتمي إلى عالم الأفكار. أي إنّ الأشياء هي في الغالب أدواتٌ ووسائل وآلاتٌ ومعدّاتٌ مستجلَبة من مرجعٍ واقعيٍّ أو خارجيٍّ آخر، لكنّ الكاتب يُدرجها في سياقٍ قصصيٍّ جديدٍ، ويسند إليها وظائف غير وظائفها الأصليّة، ويُكسبها دلالاتٍ مختلفة، أي إنّه حين يستعيرها من عالمها يخلّصها من جمودها وصمتها ويُضفي عليها روحًا وحركيّةً وفاعليّة.
ولعلّ هذه الأشياء في عالم السرد قد لفتت إليها الأنظار منذ حديث الروائي الروسي تشيخوف عن المسمار في قوله: «إذا علّق البطل مسمارًا في بداية الرواية فإنّه لا شكّ سيشنق نفسه عليه في نهايتها».

دراسات حالة: تحليل دور الأشياء في ثلاث قصص عربية
بالنظر في مدوّنتنا سنلاحظ حضور الأشياء بقوّةٍ فيها، إذ نجد في أقصوصة «نبّوت الخفير» ثلاثة أشياء وظيفيّة هي: حلوى نبّوت الخفير، وحذاء الشاويش، وعصا المعلّم. بينما يستبدّ باب الزنزانة بمركز الحكاية في «حكاية الباب»، في حين تتعدّد الأشياء في أقصوصة «المكنة» ليوسف إدريس، ولكنّها لا تحجب حضور المكنة وسطوتها على النص كله، ذلك أنها كانت كالقلب النابض في البلدة، وكانت تذهب من الأسطى محمد بحياته ولبه.
نتحقق بواسطة هذا الاستعراض السريع أن حضور هذه الأشياء لم يكن عرضيًّا، ولا من باب الحِلية والزينة، بل هو حضورٌ ينافس بقيّة المكوّنات القصصيّة، ولا يقلّ أهميّةً عن الأحداث أو الشخصيّات أو الأطر.
1. (نبوت الخفير) لمحمود تيمور: الحلوى رمز للصراع
ملخص القصة: تدور الأقصوصة حول صبي أحدب فقير يحلم بتذوق حلوى "نبوت الخفير"، ويواجه قمعًا مستمرًا من معلمه ومن شاويش الشرطة لمنعه من تحقيق رغبته.
فإذا كان حذاء الشاويش الأسود الضخم، وعصا المعلّم أو هراوته، من الأشياء السلطويّة التي تعكس ما يتعرّض له الصبيّ الأحدب من عنفٍ وقمعٍ وتسلّطٍ وقهرٍ قانونيٍّ واجتماعيّ، فإنّ حلوى «نبّوت الخفير» تبدو في الأقصوصة الشيءَ الأكثر أهميّةً وحضورًا، إذ تكتسب «شعريّتها» أو «قصصيّتها» من التضادّ في بناء صورتها، فهي تتراوح بين التقبيح والتحسين، حتّى إنّها تارةً تشبه «نُشارة الخشب» وطَوْرًا هي «أحلى من الشّهد».
فمن صور تقبيحها قول السّارد في السطر 48: «لا تَسَلْ عن قيمة هذه الحلوى التي يصنعها مخمورٌ قذرٌ في وقت فراغه»، أو قوله في السطرين 56 و57: «ومنذ ذلك اليوم لم يعد الأحدب الصغير يفكّر في هذه النبابيت... واعتبرها مصنوعةً من نُشارة الخشب».
وفي المقابل، يُنادي عليها الصبيّ في مواضع أخرى من الأقصوصة مادحًا: «يا أحلى من الشّهد يا نبّوت الخفير».
والسّبب في هذا التضادّ الذي صنع صورة الحلوى دورُها في بناء الأحداث وتحديد العلاقة بين الشخصيّات، فهي موضوعُ رغبةٍ وصراعٍ في آنٍ واحد؛ كلٌّ يرغب فيها: الصبيّ في تذوّقها، والمعلّم في بيعها، والشاويش في مصادرتها، ولذلك سرعان ما تتحوّل إلى موضوعٍ للصراع البَيْنيّ بين الصبيّ من جهةٍ الرّاغب فيها، والمعلّم والشّاويش من جهةٍ ثانية وهما يسعيان إلى المنع والقمع: منع تذوّقها ومنع بيعها.
وهكذا تكتسب الحلوى دلالتها من كونها أداةً «سحريّةً» يواجه بها الصبيّ ألم الواقع، وكفاءةً جديدةً يمتلكها، بل ويُضحّي من أجلها بمؤخّرته التي تستقبل في كلّ مرّةٍ «قرع عصا المعلّم الهوجاء تُذيقه شُواظًا من الجحيم» (السطر 135)، ويُضحّي من أجلها كذلك بحريّته التي يترصّدها الشاويش.
2. (حكاية الباب) لعزّ الدين المدني: الباب رمز للعبثية
ملخص القصة: سجين يقضي سنوات طويلة من عمره في محاولة يائسة لدفع باب زنزانته الضخم لفتحه، ليكتشف في النهاية أن الباب يُفتح بالسحب وليس بالدفع.

كما تضخَّمت حلوى نبّوت الخفير تضخَّم حضور الباب في «حكاية الباب»، إذ أغرق السّارد في وصفه وأشبعه نعتًا في السطرين 15 و16 حين قال: «لم يُلاحظ فيه مزلاجًا ولا ثُقبًا ولا شيئًا سوى أنّه ضخمٌ عريضٌ كبيرٌ جبّارٌ مُصفّحٌ بصفائح الحديد»، وهي أوصافٌ تختزل الباب في صفتي الصلابة والقوّة اللتين تُعيقان الفعل وتُحطّمان إرادة السجين، فيستحيل الباب مُعرقِلًا يقف حاجزًا دون تحقيق الهدف.
ويتعمّق دور العرقلة عندما يربط السّارد الباب بسردٍ إعاديٍّ تكراريٍّ في السطرين 26 و27: «فشرع يدفع الباب بكلّ قوّته، يدفعه، يدفعه... ليلًا ونهارًا، أسبوعًا وشهرًا...»، فيتحوّل فعل «الدّفع» بذلك من تعبيرٍ عن التصميم والإرادة إلى علامةٍ دالّةٍ على العدميّة والعبث. فدور الباب هو تحويل شخصيّة السجين إلى شخصيّةٍ تراجيديّةٍ تستعيد في فعلها العبثيّ أسطورة «سيزيف»، الذي ظلّ طوال حياته يدفع صخرةً إلى أعلى قمّة الجبل، ولكنّها سرعان ما تتدحرج إلى السفح، ليُعيد الكرّة في عملٍ يخلو من النّجاعة والمعنى، سوى أنّه صورةٌ من صور العذاب الأبديّ، فيتماهى السلطان في هذه الأقصوصة مع آلهة الأولمب في الأسطورة من ناحية الاستمتاع بتعذيب الآخرين في نوعٍ من السلوك «السّاديّ».
وتكتمل صورة هذا العبث حين يصنع البابُ المفارقةَ في نهاية الأقصوصة، ليكتشف القارئ مع السجين أنّ الحلّ ليس في دفع الباب بل في سحبه، عندها ندرك أنّ الإنسان في نظر هذا النموذج المتسلّط من الحكّام لا يعدو أن يكون مجرّد وسيلةٍ للتسلية، لا قيمة له، ولا معنى لحقوقه، ولا معنى لإنسانيّته.
3. (المكنة) ليوسف إدريس: الآلة رمز للتغيير
ملخص القصة: تدور الأحداث في قرية مصرية تعتمد على طاحونة حبوب قديمة "مكنة" لا يعرف أسرار تشغيلها إلا رجل واحد هو "الأسطى محمد"، الذي يحتكرها. يتحدى شاب صغير متعلم سلطته وينجح في تشغيلها، مما يغير موازين القوى في القرية.

لا تخرج «المَكَنَة» ليوسف إدريس عن سياق فاعليّة الأشياء في بناء العالم القصصيّ، ذلك أنّها ليست مجرّد طاحونةِ حبوبٍ في بلدةٍ مصريّةٍ نائية، بل هي «طلاسم» و«قلبٌ نابضٌ» و«زوجةٌ خائنةٌ»، أي إنّ السّارد يُحمّلها أدوارًا قصصيّةً متنوّعةً وأبعادًا رمزيّةً شديدةَ الثّراء.
تتحوّل «المكنة» في الأقصوصة إلى هدفٍ لكلّ البرامج السرديّة، وإلى محور صراعٍ بين الشخصيّات؛ فالأسطى محمد يسعى إلى احتكار تشغيلها والحفاظ على أسرارها متسلّحًا بخبرته الطويلة في معاشرتها، في المقابل يواجهه أسطى صغيرٌ بذقنه الملساء وبـ«عفريتته» الزّرقاء، وقد كان موضوعَ تندّرٍ في البداية، ولكنّه حين ينجح في تشغيل المكنة يصبح محلَّ تقديرٍ وتبجيلٍ وثناءٍ.
إنّ هذه المواجهة بين الشخصيّات حول إدارة المكنة تختزل مستويين من الصراع: أوّلهما صراعٌ بين جيلين؛ قديمٍ محكومٍ بالتقاليد والأعراف والأوهام يُصادر المستقبل ويرفض التغيير، وجيلٍ جديدٍ يتسلّح بالعلم ويؤمن بقدراته. وأمّا الوجه الثاني للصراع فهو بين الخبرة والمعرفة. ولا يقف السّارد من هذا الصراع موقفَ المحايد، بل ينحاز إلى الجيل الجديد من خلال التحوّل في موقف أهل البلدة الذين ابتهجوا بنجاح الأسطى الصغير، وتمكّنوا لأوّل مرّةٍ من معاينة المكنة والاقتراب منها واكتشاف أسرارها، وأيضًا من خلال المصير الذي اختارت الأقصوصة في نهايتها أن يؤول إليه الأسطى محمد، إذ تركته «مهمّشًا وحيدًا لا يلحظه أحد» (السطر 126).
هذا الموقف ينسجم تمامًا مع مرجعيّة يوسف إدريس الفكريّة ومع رؤيته لدور الأدب، فالواقعيّة عنده لا تقتصر على تصوير الواقع أو الالتزام بقضايا المجتمع، لأنّ رسالة الأدب في نظره هي إحداثُ تغييرٍ نحو الأفضل، الذي يبدو في هذه الأقصوصة متجسّدًا في الإيمان بقدرة التقنية (مُمثَّلةٍ في المكنة) والمعرفة (مُمثَّلةٍ في الأسطى الصغير) على تطوير المجتمعات والانتقال بها من بيئةٍ تقليديّةٍ محافظةٍ جامدةٍ إلى بيئةٍ ناميةٍ متجدّدةٍ.
وهكذا نكتشف من خلال هذا الإبحار السريع في عالم الأشياء في نماذج من الأقاصيص العربيّة كيف أنّها اكتسبت وظائف جديدةً ودلالاتٍ أعمق حين نزّلها الكتّاب في سياقاتٍ قصصيّةٍ، وجعلوا منها جزءًا من عوالمهم القصصيّة المتخيّلة، فلم تعد - لذلك - محصورةً في وظيفتها المرجعيّة الإحاليّة، وانتفت عنها فكرةُ المحاكاة، بل تحوّلت إلى رموزٍ مشحونةٍ بأبعادٍ مختلفةٍ تختزل مواقفَ ورؤى وأطروحاتٍ، فحين ينفخ فيها الكاتب من روحه، تمتلئ الأشياء بالمعنى، حتّى قال بعضهم: «تظلّ الأشياء على حيادها في الواقع حتى يأتي الفنّ فيُخرجها من حياديتها».
إنّ تسريد الأشياء هو الذي يُكسبها جماليتها و«قصصيّتها».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.