بينما تكتسي جبال الألب والمدن الإيطالية بحلة بيضاء، يتجه أنظار العالم نحو إيطاليا ليشهد انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية «ميلانو - كورتينا 2026». هذا الحدث الذي يمثل تنافسًا رياضيًا على الجليد والثلج، ورسالة سلام واستدامة تجمع بين حداثة ميلانو وسحر جبال الدولوميت.
في هذا المقال، نأخذكم في رحلة تبدأ من الجذور التاريخية للأولمبياد الشتوي في «شاموني»، وصولًا إلى تفاصيل النسخة الحالية، مع تسليط الضوء على الأرقام القياسية وأبرز المعالم السياحية التي تجعل من إيطاليا وجهة العالم الأولى في هذا الشتاء
دورة الألعاب الأولمبية الشتوية
تُعرف دورة الألعاب الأولمبية الشتوية بأنها حدث رياضي عالمي يُقام كل 4 سنوات، ويجمع رياضيين من مختلف دول العالم للتنافس في رياضات محددة تُمارس على الجليد والثلج، ومنها: التزلج، والهوكي، والتزحلق الفني.

وتُشرف على هذه الدورة اللجنة الأولمبية الدولية، وتُعد النظير الشتوي للألعاب الأولمبية الصيفية، وتهدف إلى تعزيز التنافس الشريف، وتحسين التفاهم بين الشعوب في المنافسات الرسمية والاحتفالات الافتتاحية والختامية.
«ميلانو - كورتينا 2026»: العودة إلى الجذور الأوروبية
تعد هذه الدورة استثنائية لأنها تعتمد لأول مرة على ملف مشترك بين مدينتين ومنطقتين كبيرتين «لومبارديا وفينيتو»، وتهدف إلى تقديم ألعاب أولمبية مستدامة تستفيد من المرافق الموجودة مسبقًا.
بطاقة تعريف الدورة
- الموعد: من 6 إلى 22 فبراير 2026.
- الدولة المستضيفة: إيطاليا (ميلانو وكورتينا دامبيدزو).
- عدد الرياضات: 8 رياضات أساسية تضم 16 تخصصًا مختلفًا.
- الشعار الرسمي: «Futura» (المستقبل).
- التميمة: «تينو وميلو».
لمحة تاريخية: من شاموني إلى ميلانو
لم تكن الألعاب الشتوية في بدايتها منفصلة، بل كانت تقام ضمن دورة الألعاب الصيفية، حيث ظهر تزلج الشكل لأول مرة في لندن عام 1908.
لكن في عام 1924، ولدت الألعاب الشتوية رسميًا كحدث مستقل في مدينة «شاموني» الفرنسية، تحت مسمى «الأسبوع الدولي للرياضات الشتوية»، وهو الحدث الذي حقق نجاحًا باهرًا دفع اللجنة الأولمبية الدولية لاعتباره النسخة الأولى من الأولمبياد الشتوي.

تاريخيًا، كانت الألعاب الشتوية والصيفية تقامان في العام نفسه كل أربع سنوات، واستمر هذا التقليد حتى عام 1992. وبعد ذلك، اتُّخذ قرار تاريخي بفصل الدورتين لتقاما في سنوات زوجية متبادلة، مما منح الرياضات الشتوية استقلالية أكبر وتسليطًا إعلاميًا أوسع.
ومنذ ذلك الحين، تطورت الألعاب من مجرد مسابقات بسيطة في التزلج والقفز، لتصبح حدثًا عالميًا يضم تقنيات متطورة ورياضات تتحدى قوانين الفيزياء والسرعة.
أهم ما يميز دورة 2026
- التوزيع الجغرافي: تقام مسابقات الجليد في مدينة ميلانو العصرية، بينما تقام مسابقات الثلج في «كورتينا دامبيدزو» الخلابة، التي استضافت الألعاب سابقًا في عام 1956.
- رياضة جديدة: تشهد هذه الدورة الإدراج الرسمي لرياضة «التزلج وتسلق الجبال» (Ski Mountaineering) لأول مرة.
- المساواة بين الجنسين: تعتبر هذه النسخة هي الأكثر توازنًا في تاريخ الألعاب الشتوية من حيث عدد المشاركين.
إحصائيات وأرقام تاريخية
بما أننا نعيش أجواء «ميلانو كورتينا 2026»، فمن المثير للاهتمام أن ننظر إلى الأرقام التي جعلت من هذه الألعاب ظاهرةً رياضيةً عالميةً. في ما يلي نستعرض أبرز الإحصائيات والأرقام التاريخية التي صاغت مسيرة الأولمبياد الشتوي منذ انطلاقه حتى اليوم.
أرقام من النسخة الأولى (شاموني 1924)
- 16 دولة: هو عدد الدول التي شاركت في النسخة الافتتاحية فقط.
- 258 رياضيًا: شاركوا في الدورة الأولى، من بينهم 11 سيدة فقط نافسن في تزلج الشكل.
- 16 مسابقة: كان مجموع الفعاليات الرياضية في ذلك الوقت، مقارنةً بـ 116 مسابقة في النسخة الحالية.
أساطير التتويج (الأكثر فوزًا)
- النرويج: تتربع على عرش الألعاب الشتوية تاريخيًا كأكثر دولة حصدًا للميداليات، حيث تجاوز رصيدها 400 ميدالية (منها أكثر من 150 ذهبية).
- ماريت بيورغن (النرويج): تحمل لقب «ملكة الألعاب الشتوية»، وهي الأكثر تتويجًا في التاريخ برصيد 15 ميدالية (8 ذهب، 4 فضة، 3 برونز) في رياضة تزلج الاختراق.
- أولي إينار بيورندالن (النرويج): الملقب بـ «الملك»، وهو أكثر الرجال تتويجًا برصيد 13 ميدالية في رياضة «البياثلون».
أرقام قياسية مذهلة
- 2.89 مليار مشاهد: هو عدد المتابعين الذين شاهدوا نسخة بكين 2022 عبر الشاشات والمنصات الرقمية، ومن المتوقع أن تكسر نسخة «ميلانو كورتينا 2026» هذا الرقم.
- -30 درجة مئوية: قد تصل درجات الحرارة في بعض مواقع المنافسات الجبلية إلى مستويات قياسية، مما يضع صمود الرياضيين تحت اختبار حقيقي.
- %100 استدامة: هو الهدف الذي تسعى إليه الدورة الحالية في إيطاليا، من خلال استخدام الطاقة المتجددة بنسبة كاملة في جميع مواقع المنافسات.
إحصائيات الدول والمشاركات
- 92 دولة: شاركت في نسخة 2018 و2022، وهو رقم قياسي يعكس انتشار الرياضات الشتوية في دول «غير ثلجية»، بما في ذلك مشاركات عربية رمزية ومتميزة من لبنان والمغرب والسعودية.
- 6600 رياضي وإداري: هو الحجم التقريبي للوفود المشاركة في الدورة الحالية، مما يجعلها «قرية عالمية» مصغرة فوق الجليد.
حقائق تاريخية سريعة
- أصغر بطلة: هي المتزلجة الكورية «كيم يون مي» التي فازت بذهبية التزلج السريع وهي في عمر 13 عامًا فقط.
- أكبر بطل: هو النرويجي «موريس إريكسون» الذي حقق ميدالية في عمر 50 عامًا.
- الدولة الوحيدة: التي فازت بميدالية ذهبية في كل دورة ألعاب شتوية هي الولايات المتحدة الأمريكية.
المدينة المستضيفة لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2026
تستضيف مدينة ميلانو ومدينة كورتينا دامبيزو الإيطاليتين فعاليات دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2026 بعد اختيارهما رسميًا لهذا الحدث، وتُقام الدورة لهذا العام بداية من يوم 6 - 22 فبراير 2026، وتتضمن عددًا كبيرًا من الأنشطة الرياضية، وستستقطب عددًا كبيرًا من السياح الذين يأتون من مختلف أنحاء العالم. وتتميز هذه الدورة الشتوية بأنها الأولى التي تُقام بالاشتراك بين مدينتين اثنتين.
كيف تُسهم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في تحسين قطاع السياحة؟
تُسهم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في جذب أعداد كبيرة من الزوار الدوليين إلى الوجهة المستضيفة، ويعزز ذلك نسبة إشغال الفنادق، ويساعد على تنشيط حركة النقل والخدمات. كما أنها ترفع الوعي بالوجهة المستضيفة عالميًا، وتدفع الحكومات إلى الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير المرافق السياحية، وتحسين صورة الدولة بصفتها مركزًا للفعاليات الرياضية الكبرى خلال فترة الحدث وبعده.
تساعد دورة الألعاب الأولمبية أيضًا على تنويع المواسم السياحية الشتوية، وتوسيع العروض الترفيهية، وتخلق فرص عمل مؤقتة ودائمة للسكان المحليين في قطاعات السياحة.
كما أنها تشجع الاستثمار في السياحة الرياضية، وتزيد إنفاق الزوار، وتدعم الشركات المحلية، ويترك ذلك إرثًا سياحيًا طويل الأجل للمدن المستضيفة، ويُعزز قدرتها على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى مع مرور الوقت.
أبرز الوجهات السياحية في مدينة ميلانو الإيطالية
مدينة ميلانو واحدة من المدن الإيطالية الغنية بالوجهات السياحية التاريخية والحديثة، ومنها: كاتدرائية ميلانو التي بدأ بناؤها في القرن الرابع عشر واستمر حتى القرن العشرين، ولوحة العشاء الأخير للرسام المشهور ليوناردو دافنشي في دير سانتا ماريا ديللي غراتسي. وتشتهر المدينة أيضًا بغاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني بسقفه الزجاجي المميز، وقلعة سفورزيسكو التي تعكس تاريخ ميلانو الحربي والسياسي، وتحتضن عدة متاحف فنية وأثرية.

تشمل قائمة الوجهات السياحية البارزة في مدينة ميلانو الإيطالية كلًا من مسرح لا سكالا المشهور، ومكتبة بيناكوتيكا دي بريرا، والمقبرة التذكارية التي تجمع الفن والتاريخ، وملعب سان سيرو لعشاق كرة القدم، وحي بريرا الفني، ومنطقة بورتا نوفا الحديثة، وأعمدة سان لورينزو، ومتحف العلوم والتكنولوجيا، ومراكز التسوق في المربع الذهبي الذي يوفر كثيرًا من المنتجات المفضلة للسياح.
الوجهات السياحية البارزة في مدينة كورتينا دامبيزو الإيطالية
تُعرف مدينة كورتينا دامبيزو بلقب لؤلؤة جبال الدولوميت، وتتميز بطبيعتها الخلابة، ومعالمها الثقافية والسياحية المتنوعة، وتشكِّل جبال الدولوميت المحيطة بها أبرز عوامل الجذب السياحة، كما أنها تضم كثيرًا من المتاحف المتنوعة، وتحتضن كنيسة الرعية في مركز البلدة، ويقع فيها شارع كورسو إيطاليا الذي يضم كثيرًا من المتاجر والبوتيكات والمطاعم؛ ما يجعل المدينة وجهة متكاملة لمحبي الطبيعة والفن والثقافة.
تضم كورتينا دامبيزو متحف تشياسا دي را ريغوليس الإثنوغرافي الذي يعرض حياة سكان المنطقة قديمًا، وكنيسة القديسين فيليبو وجاكومو ببرجها المشهور، ومزار سيدة الدفاع، ونصب أنجيلو ديبونا، بالإضافة إلى متحف ماريو ريمولدي للفن الحديث، والمتحف الحفري رينالدو زارديني، ومركز لاغازوي إكسبو دولوميتي للمعارض والفعاليات.
السياق الرياضي والروح الأولمبية
تأتي هذه الألعاب لتعيد الحيوية للرياضات الشتوية في القارة الأوروبية. وينصب التركيز هذا العام على تقليل الانبعاثات الكربونية، حيث يتم استخدام أكثر من 90% من المنشآت الرياضية الموجودة بالفعل أو المؤقتة، دون الحاجة لبناء صروح أسمنتية ضخمة قد تُهمل لاحقًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.