زواج مديحة والشيخ ابراهيم في عام 1939م، نشرت هنومة خليل حبيب إعلاناً في إحدى المجلات الفنية، ذكرت فيه أنها حاصلة على الابتدائية وتهوى التمثيل، وأرفقت بالإعلان صورتها وهي ابنة ثمانية عشر عاماً.
وقع الإعلان تحت بصر الأديب الكبير عباس محمود العقاد، واستشفَّ من الصورة جمالاً نادراً لفتاة سمراء، وبحث عنها حتى التقاها، وهام بها حُبّاً رغم أن عمره كان آنذاك قد تجاوز الخمسين عاماً.
لم تكن هنومة سوى الفنانة التي عُرفت باسم مديحة يسري، ووُصِفت بأنّها سمراءُ النيل، وهي التي أحبّت السينما، ولم تجد في العقّاد إلا حصار التّملك، فانسحبت وتركت للعقاد ذكرى عاش معها طوال حياته، هو لم يتزوج أبداً؛ أمّا هي فقد تزوجت أربع مرات.
وفي مسيرة مديحة يسري تاريخٌ من الحكايات الإنسانية كثيفة المعاني، وهي التي وُلدت في 3 ديسمبر 1921م، وتوفيت عن عمر يناهز 97 عاماً في 30 مايو 2018م، وشاركت في 90 فيلماً، وفي الأربعينات اختارتها مجلة (تايم) كأحد أجمل 10 جميلات فى العالم.
تزوّجت مديحة يسري ثلاث زيجات من الوسط الفني، أولُها زواجها من المطرب والملحن محمد أمين (1942م - 1946م)، وأنتجت خلال سنوات زواجهما الأربع أفلاماً مثل: أحلام الحب، وغرام بدوية، والجنس اللطيف.
بعد انفصالها عن محمد الأمين تزوّجت من المذيع والفنان والطيار أحمد سالم، وهو الذي خطف قلب مديحة من عباس محمود العقاد، وقد أصيب بطلقٍ ناريٍّ في حادث شهير عام 1944م جرّاء علاقته بالمطربة أسمهان، وآثار هذا الحادث قد أودت بحياته عام 1949م، ولم تطل زيجتها من أحمد سالم، وحدث الانفصال، ثم تزوجت من الفنان محمد فوزي عام 1952م، وبعد زواجهما اشتركت معه في بطولة العديد من الأفلام مثل: فيلم فاطمة وماريكا وراشيل، وآه من الرجالة، وبنات حواء، أثمر زواجها من فوزي عن ابنتها وفاء التي وُلدت مبكراً عام 1953م، وظلّت في الحضَّانة سنتان حتى تُوفيت، ثم أنجبت عمرو الذي ولد عام 1955م، وتوفي عام 1981م في حادث سيارة كانت قد أهدتها إياه، وفى عام 2002م تقريباً تبنّت طفلة من دار الأيتام.
استمر زواجها من فوزي سبع سنوات؛ حيث انفصلا عام 1959م، وفي هذا الوقت كانت تعيش ضائقةً ماليةً بعد تأميم شركة أسطوانات (مصر فون)، والتي شاركت في تأسيسها مع طليقها فوزي، كما طال التأميم فيلّتها في الهرم، والتي كانت تقع على مساحة فدَّانين، وفي محاولة لاسترجاع الزمن حيث النجومية، والشهرة، والثروة؛ قامت بإنتاج فيلم "الحب المحرَّم" إلا أنه لم يجلِب إلا مزيداً من الخسائر، ودخلت في حالة نفسية سيئة.
وكانت شقيقتها وزوجها من أتباع الطريقة الحامدية الشاذلية، ويترددون على حضرة ومنزل الشيخ إبراهيم سلامة الراضي، شيخ الطريقة، وذلك في المناسبات الدينية، وشهر رمضان، وفي كلّ لقاء كانت تتشوَّق لمعرفة المزيد عن الدين، ولا تُحرج من سؤاله عن أي استفسار ديني، إذ كان بابه مفتوحاً لجميع تلامذته ومريديه رحمه الله.
توطَّدت العلاقة بين الشيخ ومديحة لدرجة أنه فاتحها في البحث عن زوجة تناسبه، فبدأت التفتيش وسط الأقارب، والمعارف، والأصدقاء، إلا أنها فوجئت به ذات يوم يخبرها برغبته في رؤيتها في أقرب وقت ولأمر مهم، على الفور توجهت مديحة إلى الشيخ سلامة، فبادرها بالتحية، وتوالت الحوارات بين مديحة والشيخ إبراهيم.
كان الشيخ يصغر مديحة يسري بنحو عام، ومع ذلك أصبح هو شيخها في الطريقة، تعلَّقت به بعد أن منح روحها القلقة حالة من السكينة والسلام، ولذلك لم تمانع حين طلبها للزواج بعد ثلاث سنوات من بداية ترددها على حضرته.
وجدت سمراء النيل ارتياحًا في قربها من شيخها الذي جعلها تعيد اكتشاف الطاقة الروحية والإيمانية داخلها، ولأن من علامات القبول التيسيرَ كما يقول العارفون، فإنّ كل الأمور كانت ميسَّرة، بما فيها العقبة الكبرى، التب ظنَّت أنها قد تحُول بينها وبين إتمام زيجتها؛ وهي موافقة ابنها الوحيد عمرو، وعمره آنذاك 17 عاماً، فإذا به يُرحِّب ويبارك.
وفي الحقيقة أنّ مديحة رغم إعجابها بالشيخ من قبل، وبحديثه وأناقته وسماحته، إلا أنها كما لو كانت فوجئت بمدى الرُّقي في معاملة عروسه، قضيا أيام العسل في الإسكندرية، لم يكن يناديها إلا بمحبة آسرة قائلاً : "يا هانم"، بادرت وأخبرته أنها سترتدي الحجاب، وتعتزل الفن، فإذا به يفاجئها بدرجة من السماحة لم تتوقعها، فقد شرح لها بأن الإيمان أكبر وأعمق من غطاء الرأس، وأن الله ينظر إلى قلب العبد وليس ملابسه، وأن موضوع الحجاب هو قرار خاص بها، وليس لمخلوقٍ أن يتدخل فيما بينها وبين الله، بل إنه لم يمانع في استمرار عملها في الفن، فقد كان يرى أن بإمكان الفن أن يكون رسالة وطريقاً للهداية.
وبمثل هذا الرقي، ركزت مديحة جهدها في إنتاج برامج خاصة بالمرأة والطفل للإذاعات الخليجية، وهو العمل الذي كانت قد احترفته بعد تأميم شركتها وأملاكها، وتوقَّف نشاطها الفني، وعاشت مديحة يسري في كنف شيخها لنحو ثلاث سنوات، كانت من أسعد سِنيّ حياتها، وأكثرها استقرارًا على المستويين النفسي والروحي، إلى أن كان الانفصال الهادئ.
كان للشيخ زوجة أولى أنجب منها ابنيه، ثم وقع خلاف أدَّى للانفصال، ولظرفٍ ما قرر أن يُعيد زوجته الأولى إلى عصمته، ولم تقبل مديحة يسري الاستمرار، فاختارت الطَّلاق الذي وقع في نحو عام 1974م، وكانت مديحة يسري في سنوات نضجها، لكنها رفضت أن تتزوج بعد شيخها إبراهيم الراضي، بل ظلت علاقتها بالشيخ طيبة رغم الطلاق، وزارته في محنة المرض التي عاشها في عامه الأخير، ووقفت تتلقى فيه العزاء عند رحيله في مايو 1976م.
استمر تأثير الشيخ على مديحة يسري حتى بعد رحيله، واستمرت مريدة مخلصة للطريقة الشاذلية، وكانت تفتخر بكرامات تحلُّ عليها بسبب هذه الصِّلة الروحية، والمؤكد أن تلك العلاقة الروحية الصوفية هي التي خففت عنها كثيرًا محنة فقدانها ابنها الوحيد عمرو محمد فوزي.
الشيخ إبراهيم سلامة الراضي لم يكن مجرد رقم ولا رجل في حياة مديحة يسري، بل كان شيخها، وكان زوجها، وكان حسن الختام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.