دُمية قلبي

عقارب الساعة تشير الي الخامسة. إذن حان وقت الرحيل, قمت بتجميع اغراضي الشخصية ووقعت علي ورقة الانصراف وغادرت الشركة التي اعمل بها, بدون ان القي السلام علي اي شخص وايضاً لم يهتم احد بانصرافي, كما جرت العادة دائماً لا اكلم احد ولا احد يكلمني.

انا بالنسبة لهم شخص غريب الاطوار, حاد الطبع, شاذ...

ولا اعني هنا انهم يعتبروني شاذ جنسياً وإنما اعني انهم يعتبروني شاذ في افعالي وفي تقلبات مزاجي,وحتي إن كنت شاذ جنسياً فاعتقد انهم سيعاملوني بطريقة احسن من ذلك!

وفي الحقيقة فهناك تناسب طردي بين طريقة تعاملهم معي وطريقة تعاملي معهم,فانا لا احبهم وامقتهم بشدة واكره كل شيئ يفعلوه واكره وجودهم,اكره نفاقهم عندما يتحدثون عن زميل لهم في عدم حضوره بالسوء وعندما يجلس هذا الزميل معهم,يسرعوا  في ارتداء قناعهم المزيف الذي يمكنهم من قول كل ما لذ وطاب من كلام جميل ومدح وغزل في اخلاقه الحميدة وكيف انه شخص نبيل ومخلص معهم...الخ. اكره تملقهم للمديرعندما يكونوا في احتياج شديد الي المال او الاجازة. وفي الحقيقة و انا اشاهدهم يفعلوا هذا اكون غارق في السخرية منهم والسخط عليهم. يا لهم من بؤساء! لا يعرفوا شيئأ عن الاخلاق وليست لديهم مبادئ ثابتة, في الحقيقة هم لا يمكلون مبادئ من الاساس. من المحتمل ان شخصيات مثل هؤلاء قد اتت الي مجمتعنا نتيجة طفرة جينية ما حدثت في وقت ما, ومن المتحمل ايضاً انهم تربوا في بيئة خالية من كل شيئ نبيل, ومليئة بكل شيئ قبيح, كل شيئ مادي عفن. وقد يأتي علي بعض الاوقات وانا مستغرقاً في افكاري وانا غير ساخط عليهم واعطي لهم الكثير من الاعذار ولا الومهم, فما هم إلا شخصيات ساذجة تبالي فقط بمصلحتها الشخصية ولا تبالي باي شيئ آخر ولكنني سريعاً اتراجع عن هذه الافكار وابدأ في مرحلة جديدة الا وهي  جلد الذات لشخصي انا! إذ كيف اعطي لهؤلاء اعذار وهم لا يفعلوا المثل معي؟ من وقت بداية العمل إلي وقت انتهاء العمل وهم لا يكفوا عن السخرية والمضايقات سواء كان علناً او بالتلميح. اذكر بالتحديد في وقت ما كنت ذاهب الي المرحاض لتلبية نداء الطبيعة , وفي اثناء خروجي منه سمعتهم يتهامسون ويتغامزون ويقهقون في وقت واحد, وسمعت شخص منهم يقول جملة مازالت تتردد في اذني كلما اراه: "إنه ذاهب الي المرحاض لكي يأكل برازه, إنه يجد متعة ولذة في هذا " ولا ادري لماذا وكيف تسني له ان يقول هذا ؟ ولماذا لم يدافع عني احد منهم؟ أحقاً صدقوا هذا!! لقد كتمت غيظي وحنقي في نفسي ولم افعل شيئ ولكن كان قلبي يشتعل, يعلو ويهبط من فرط الغيظ. ما هذا العذاب وما هذه المهانة, هل هؤلاء بشر ام حيوانات برية ؟ في الواقع انا لم اقدر علي التشاجر معهم بسبب هذا, اذ كنت لا استطيع ان اتحدث اليهم فكيف اذهب واتشاجر مع احدهم؟ ولنقترض اني ذهبت وتشاجرت معهم, لن يصدقني احد, وسيتم التنكيل بي وسيقولوا اني متوهم, فاقد رُشده.ما هذا العذاب! هل يجب علي كل يوم ان اتكبد عناء و مشقة العمل مع مثل هؤلاء البشر؟ اريد ان اسألهم: بحق الله هل سيحدث شيئ إن لم تسخروا مني اليوم؟ كل يوم تقريباً تستبد بي الرغبة في ان اذهب واصارحهم بهذا ولكني لا استطيع! يا له من شعور مفجع عندما تشعر انك عاجز لا تقو علي فعل ابسط الاشياء! ولكن لماذا اكثر من الحديث عنهم؟ فليذهبوا جميعاً الي الجحيم. ولكن اين انا الآن؟  

يا إلهي! لقد وقعت فريسة لافكاري ونسيت اني مازلت اتجول في الشارع ولم اذهب الي منزلي حتي الآن! فقررت ان اكف عن الشكوي والعودة الي منزلي,وكنت وقتها علي كوبري قصر النيل, ثم القيت بعض النظرات اختلاساً الي النيل عازماً علي العودة الي منزلي ولكن تبدت بي رغبة شديدة من صميم قلبي ان اتروي قليلاً وان اتجه بكامل جسدي ناحية النيل, ففعلت هذا لكي اسكن هذه الرغبة الجامحة لدي. وقفت اتأمله, كانت مياهه تتحرك علي استحياء, بخفة ذهاباً واياباً, ثم بدأت المراكب الصغيرة منها والكبيرة السير علي هذه المياه محدثة ضوضاء تصم الاذن نتيجة للموسيقي الصادرة عنها. وسرعان ما بدأت المياه في الاضطراب العنيف والتوتر الشديد, صانعة امواج كبيرة وسريعة, وشعرت وقتها باضطراب عنيف في مشاعري وبدأ قلبي في النبض بسرعة لا تصدق وضرب الهواء جسدي بكل قوة كاد ان يطرحني ارضاً, واحسست برعشة في اطراف جسدي هزتني هزة عنيفة. وكنت اتجمد من شدة البرد ومن ثم قررت ان اعطي اوامري الي قدمي بان تركض لكي تبعدني من هذا الجو العبثي الكئيب! ولكن حدث ما لا اتوقعه ولا احبه. لقد تساقط المطر بغزارة وكأنه جاء ليكمل هذا الجوء المزعج بل ويزيده ازعاجاً. و رأيت من الافضل ان اسير في حذر, متجهاً نحو منزلي. 

كان الناس من حولي وكأنهم فقدوا عقولهم او سُكرت عقولهم وكأن هذا الذي ينزل عليهم ليس بماء وانما تتساقط عليهم خمرة.  كانت ردود افعالهم غريبة وغير متوقعة. منهم من كان يركض ذهاباً واياباً وهو سعيد في شعور اشبه بشعور النشوة التي قد تنتاب المرء عندما ينتهي من التهام وجبة شهية, ومنهم من استغل هذه الظروف لكي يبرهن علي مستواه العالي من المروءة والقدر العالي من الرومانسية الذي يتمتع بيه, ومنهم من جثا علي ركبيته واخذ يدعوا الله ان يحقق آماله وان يخفف من همومه ..... وبينما انا  بين الناس وعواطفي مضطربة اشد الاضطراب, خائر القوة, غير قادر علي الاتيان باي فعل! اندفعت قوة خارقة نحو عيني لكي تبني جسوراً هائلة و مليئة بالدموع تشبه كثيرا اندفاع المياه من  صنبور المرحاض! واحمد الله انه وقتها كان المطر شديد الهطول, فلم يلاحظ احد من المارة دموعي المتساقطة, فلو حدث هذا, لظن بي الناس الكثير من الظنون ... شاب في السابعة والعشرين من عمره ويبكي كالنساء! هذا هو اول شيئ سيأتي في مخيلتهم ومن ثم تأتي بعدها السخرية اللاذعة والمؤلمة التي نعرفها جميعاً والتي كثرت في مجتمعنا الحالي. وفي بادئ الامر كنت كثير الاندهاش ولم اعرف لماذا  كنت ابكي ؟ وفي طريقي إلي المنزل ادركت وقتها سبب بكائي الحاد... كنت ابكي بؤسي وحزني, كنت ابكي لاني رأيت الناس يتحركون وينفعلون, كنت اري حياة في هؤلاء الناس , مازال لديهم القدرة علي الركض والفرح , كنت ابكي وانا اري بعض الناس متجمعين مع بعض ويسيرون مع بعض, فشعرت وقتها بغصة في قلبي لم احتملها, اردت ان افعل مثلهم, ان اطير وان اتحرك , اردت فقط انا اعرف اني مالزلت حي ومازال جسدي ينبض بالحياة! ولكني لم استطع. إنه شعور العجز مرة اخري.

وصلت الي البيت وانا هزيل الجسم وعقلي مزدحم بكثير من الافكار. ارتميت علي اول كرسي رأيته امامي وما ان جلست عليه حتي تذكرت امي – رحمها الله – كانت دائما تقول لي: " اذهب الي الاماكن العامة وامكث فيها بعض الوقت لعلك تحصل علي صديق يكون رفيقك في الطريق " رحمها الله كانت لا تعرف اني لا اطيق الاماكن العامة وتنتابني موجات كبيرة من التوتر عندما امكث وقت طويل فيها , يا امي! ليتك تكوني علي قيد الحياة الآن لاخبرك لماذا كنت ابغض الامكان العامة , كنت اتمني ان تكوني هنا الآن لاخبرك ان الحياة بهذا الشكل تكاد تكون مستحيلة, اقسم لكي بالله اني لا ارتضي لنفسي هذا الحياة ولكني ضعيف الحيلة!

نهضت وذهبت الي غرفتي لكي استرح قليلاً لعلي ازيل جميع الاحداث العصيبة التي حدثت اليوم. دخلت غرفتي, وهنا رأيتها! كانت علي حالها كما تركتها في الصباح قبل ان انزل الي عملي, ساكنة لا تتحرك ولا تؤتي باي صوت ولا باي فعل, وقفت متسمراً في مكاني  اتأملها لمدة ثلاث دقائق لا اتحرك. ولم استطع ان انتظر اكثر من هذا.. اندفعت نحوها وضممتها الي ذراعي, فظلت ساكنة كما هي, قمت بتمرير يدي بهدوء و بخفة علي شعرها , كان ملمس شعرها ناعم ,  وظلت ساكنة كما هي, شعرت ببعض الراحة والطمأنينة , اجلستها علي السرير ووقفت اتأملها من جديد, كانت جميلة وستظل جميلة الي الابد, هي دائما مصدر الهدوء بالنسبة لي, لا تؤتي باي فعل او بأي صوت, رجعت بالذكريات الي الخلف محاولاً ان اتذكر متي اشتريتها؟  اها لقد تذكرت .. لقد اشتريتها في عيد ميلاد اخي  عندما كان صغيراً كهدية له والعجيب انه لم يبالي بها علي الاطلاق ولم تعجبه .. لقد قال لي وقتها :  "تشتري لي دُمية في عيد ميلادي وتنتظر مني ان اقبل هذه الهدية بل وان اشكرك عليها؟  وماذا يمكنني ان افعل  بها ! "  لقد هجرني هو وبقيت هي, هي الوحيدة في العالم القادرة علي بعث الهدوء الي نفسي علي عكس العالم الخاجي الذي دائما وابداً يدفعني الي الهياج والعصبية, انما هي كانت المصدر والهدوء بالنسبة لي, متواجدة معي في الغرفة ولا تفعل اي شيئ يثير اعصابي, في الحقيقة هي لا تفعل اي شيئ علي الاطلاق, لن اقول انها تعتني بي وتجلب لي الاكل والشراب وتهتم بشؤوني فا انا لم افقد عقلي بعد! فانها دمية لا تقو علي شيئ! ولكن وجودها دائما معي في الغرفة كان يجعلني سعيداً ويعوضني عن شعوري بالوحدة, ولا اجد سبباً مقنعا لهذا, ولكن يكفي فقط انها الوحيدة التي لم تهجرني بعد, وبالرغم انها لا تسمع ولا تتكلم ولكن لا يهم .. ما يهم حقاً ان احدا ما  بجانبي!

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب