دمشقيّة ومغترب

يوم اللقاء.
مطار دمشق الدوليّ: الواصلون
كان ذلك اليوم أول أيام الربيع في جسدي، وأول أيام الشتاء في دمشق.
لم أنم طوال تلك الليلة كنت أتجول في المنزل ذهاباً وإياباً، حضرتُ عشاءً لليوم التالي، رتبتُ صندوق الهدايا ألف مرة، وضبّتُ غرفتي وبعثرتها مليون مرة، ارتديتُ كلّ ما في خزانتي حتى ضجرت مني وبقيت فارغة تنتظر انتهاء حيرتي، عدتُ لأراقب الساعة. يا إلهي إنها الثالثة صباحاً وستصل الطائرة في السابعة، رماني باب الشُرفة إلى الخارج استعنت بفنجان قهوةٍ وبفيروز لتصف حالتي: موعدنا بكرا وشو تأخر بكرا.

غفوت بجانبِ قطتي ولم أستيقظ حتى وصلتني رسالةُ سائق التاكسي: سأكون عندك بعد ربع ساعة يا سيدتي.
استيقظت برعب وذهبت مسرعةً إلى غرفتي، ارتديت كنزةً صوفيّة بيضاء وبنطالاً أسود مصنوعٌ من الجلد، كحلٌ أسود وأحمر شفاه يكاد يكون بلون شفتيّ وبعثرت شعري البنيّ الطويل دائماً ما كان يقولُ لي أن خصلات شعري جميلة.
غادرت المنزل مسرعة وصعدت إلى السيارة كنت أراقب دمشق بحبٍّ كبير وكأني أراها للمرةِ الأولى، قاسيون يطلّ أمامي بشموخ وبيوت صغيرة تحتمي به كما سأحتمي بك بعد ساعة، ونهر بردى يسقي جفاف أشجار الصنوبر والسرو كما ستسقي دموعي روحي حين أراك، لم تنتهِ تلك اللحظات إلا وماجدة الرومي كانت قد احتلت قلبي بقصيدة تلقيها بصوتها.
وصلت إلى باب المطار وكانت دقات قلبي قد وصلت قبلي، وقفتُ بارتعاش أنتظر خروجك من الباب أظن أن درجة حرارتي في تلك اللحظة لا تقل عن الأربعين وأن دقات قلبي تجاوزت الثمانين وأعتقد أني كنتُ أطيرُ من الفرح لم تكن قدمايّ على الأرض أبداً.

بدأ المسافرون بالوصول ولم أرك بعد. أبحث عنك بعينين تشعان فضولاً لتلمحا ظلّك، وإذ بك تخرج من الباب: شعرك البنيّ الناعم، عيناك العسليتان ذاتهما، حاجباك الحاديّن، يداك الكبيرتان، وغمازتك الوحيدة على وجنتك اليُمنى التي أشرقت عندما التقينا للمرة الأولى بعد سنوات من المراسلة.

سيلٌ من الدموع احتل وجهي، لم يكن دمعاً مالحاً كان دمعاً عفوياً مخبّئاً منذ آلاف الأيام لهذا اليوم. قرصت نفسي عشرات المرات ورحت أدعو سرّاً: يا رب إن كان حلماً لأبقى نائمةً إلى الأبد وإن كان حقيقة فلينتهي الزمان هنا.

خطواتك تقترب مني أكثر وأنفاسي تتسارع أكثر: وأخيراً إنكِ هنا أمامي وليس خلف شاشة هاتفي. ابتسامةٌ غارقة بالدموع أجابتك بآلاف الكلمات صمتٌ لدقائق ثم انفجرت من البكاء: أتمزح؟ إني أنتظرك منذ سبع سنوات وأطفئ شمعة رأس السنة وحدي وأتمنى رؤيتك كلّ مرة، كنت أراك بين الحشود في كلّ مشروعٍ  أقيمه، كنت أبكي على خيال كتفك كلّ ليلة، واليوم يا رفيق أيامي وطفولتي أراك أمامي ليتك تستطيع أن تعلم أيّ زلزال يحدث في روحي، وأي بركانٍ يتفجّر في رأسي، ليتك تستطيع أن تشعر بتعبي من الأحلام وقلقي من أن أستيقظ الآن، ليتك تستطيع أن تشعر كم أتمنى أن أوقف الزمن وأن أحبسك في صندوق للأحلام وأحكي لك عن كل ثانيةٍ مضت بدونك.
إنك تأتيني اليوم وتنسيني كلّ يومٍ صعب وتتوّج سنتي لتكون أجمل سنينَ عمري وصدقني إن مت بعد الآن لن يهمني، رأيتك في دمشق وهذا يكفيني.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب