هل هي شقاوة طفل ستمر مع الوقت، أم أنها علامة لمشكلة حقيقية تحتاج إلى دعم؟ هذا هو السؤال الذي يحير ملايين الآباء والأمهات. إن تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو خطوة حساسة ومهمة، وفهم معاييرها العلمية هو السبيل الوحيد للحصول على إجابات واضحة لواحدة من التحديات التي تواجه المختصين فيما يتعلق بصعوبات في أثناء تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
في هذا الدليل، نسلط الضوء على معايير الدليل التشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية «DSM-5» الصادر عن جمعية الطب النفسي الأمريكية الذي يعد المرجع الأساسي في التشخيص في منطقتنا العربية. ونقدم لك شرحًا سهلًا وموثوقًا لمعايير التشخيص المعتمدة عالميًا، لنساعدك على فهم عالم طفلك فهمًا أفضل.
التعريف الطبي لـ ADHD وفق الدليل التشخيصي الخامس
حسب الدليل التشخيصي الخامس «DSM-5»، فإن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، يعني نمطًا مستمرًا من نقص الانتباه و/أو فرط الحركة – الاندفاعية، ما يؤثر سلبًا في الأداء الوظيفي أو التطور الطبيعي للطفل. ولكي يتم التشخيص، يجب أن تظهر الأعراض ظهورًا واضحًا في أحد الجانبين التاليين أو كليهما:

ما أنواع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه الثلاثة؟
قبل استعراض الأعراض، من المهم معرفة أن الدليل التشخيصي الخامس يحدد ثلاثة أنواع (أو عروض تقديمية) للاضطراب:
-
النوع الغالب فيه نقص الانتباه: يستوفي الطفل معايير نقص الانتباه ولكنه لا يستوفي معايير فرط الحركة والاندفاعية.
-
النوع الغالب فيه فرط الحركة والاندفاعية: يستوفي الطفل معايير فرط الحركة والاندفاعية ولكنه لا يستوفي معايير نقص الانتباه.
-
النوع المشترك: يستوفي الطفل معايير كلا الجانبين (نقص الانتباه وفرط الحركة والاندفاعية).
الجانب الأول: قلة الانتباه عند الأطفال
يظهر الطفل المصاب باضطراب نقص الانتباه صعوبة كبيرة في التركيز على التفاصيل، والسرحان في أثناء أداء المهام أو الواجبات المطلوبة منه، مثل الطفل الذي ينسى كتبه أو أدواته المدرسية باستمرار على الرغم تكرار التحذير والتذكير من والديه. وفقًا للدليل التشخيصي الخامس «DSM-5»، فإن تشخيص اضطراب نقص الانتباه يتطلب وجود 6 أو أكثر من الأعراض التالية بصورة مستمرة، مدة ستة أشهر بدرجة غير متوافقة مع مستوى تطور الطفل، وتؤثر سلبًا في الأنشطة الاجتماعية والأكاديمية؛ لذا فإن التسرع في تشخيص الطفل الذي يبدي نشاطًا وحركةً، وهو ما نسميه بالعامية المصرية «الطفل الشقي»، على أنه فرط حركة ونقص انتباه، قد يكون في أغلب الأحوال تشخيصًا غير دقيق.

وهذا هو الفرق بين الطفل الشقي وADHD؛ فالشقاوة سلوك طبيعي ومرحلي، أما أعراض ADHD فهي مستمرة، شديدة، وتعيق الأداء بشكل واضح.
أعراض ADHD حسب DSM-5 (جانب قلة الانتباه)
1- غالبًا يفشل في الانتباه للتفاصيل أو يرتكب أخطاء بسبب الإهمال في أثناء أداء الواجبات المدرسية، أو العمل أو الأنشطة الأخرى. كأن ينسى كتابة اسمه على الورقة، أو يخطئ في كتابة عنوان الدرس على الرغم فهمه الجيد له.
2- غالبًا ما يواجه صعوبة في التركيز والمحافظة على الانتباه في أثناء أداء المهام أو اللعب، كأن يبدأ الطفل بحل واجباته المدرسية، لكنه يتركها بعد دقائق وينتقل لمهمة أخرى دون إتمامها.

3- غالبًا يظهر كأنه لا يستمع عند التحدث إليه مباشرة. وهو ما يظهر جليًا عندما تنادي الأم على طفلها وهو جالس أمام التلفاز أو شاشة الموبايل، وكأنه لا يسمعها.
4- غالبًا لا يتبع الأوامر أو الإرشادات ويفشل في إنهاء الأعمال المدرسية، والأعمال المنزلية أو المهام في مكان العمل، كأن يبدأ الطفل في ترتيب غرفته، ثم يغادر الغرفة قبل إتمام المهمة، وينسى تمامًا أنه بدأ شيئًا دون أن يكمله.
5- غالبًا يجد صعوبة في تنظيم المهام والأنشطة. ويظهر ذلك في معاناة الطفل في ترتيب الأولويات وإدارة الوقت بطريقة جيدة.
6- غالبًا يتردد في المشاركة بالمهام التي تتطلب تركيزًا ذهنيًا متواصلًا، وهو ما يظهر في شكوى الأمهات المتكررة من رفض جلوس الطفل لكتابة موضوع تعبير أو قراءة فصل طويل من كتاب.
7- غالبًا يفقد أشياء ضرورية لإنجاز المهام أو الأنشطة، كأدواته المدرسية، من أقلام وكتب وغيرها.
8- غالبًا يتشتت بسهولة بالمحفزات أو المثيرات الخارجية. مثل هذا الطفل الذي يلتفت لأي صوت أو حركة في أثناء جلوسه في الفصل المدرسي.
9- النسيان المتكرر في أعماله اليومية، كأن يرتدي الحذاء بطريقة خاطئة بأن يبدل اليمين مكان اليسار أو العكس، أو ينسى إحضار واجباته أو غلق حقيبته.
الجانب الثاني: فرط الحركة والاندفاعية
حسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس «DSM-5» يتطلب تشخيص فرط الحركة والاندفاعية وجود 6 أو أكثر من العلامات التالية تستمر ستة أشهر في الأقل، على نحو غير متوافق مع مستوى تطور الطفل وتؤثر سلبًا في الأنشطة الاجتماعية والأداء المدرسي.
أعراض ADHD حسب DSM-5 (جانب فرط الحركة والاندفاعية)
1- التململ وكثرة الحركة في أثناء الجلوس على المقعد، لا يستطيع الطفل حينئذٍ البقاء ساكنًا، ويحرك يديه وقدميه باستمرار، أو يعبث بأدواته بصورة متواصلة في أثناء شرح الدرس.
2- ترك المقعد في الوقت المتوقع منه الجلوس في مقعده. مثلما يشتكي بعض المعلمين من أن الطفل ينهض من مقعده في منتصف الحصة دون إذن، ويبدأ بالحركة داخل الفصل على نحو غير مبرر.
3- الجري والتسلق في أوقات وأماكن غير مناسبة. كأن يجري الطفل داخل الفصل الدراسي أو يتسلق الحوائط والجدران وحتى الأثاث.
4- رفض اللعب أو المشاركة في الأنشطة بهدوء. وهو ما يبدو جليًا في الفوضى التي يحدثها في أثناء اللعب مع أقرانه، أو الصوت المرتفع دون سبب.
5- نشاط حركي مفرط وحركة مستمرة. على عكس «الطفل الشقي»، نجد أن طفل فرط الحركة يتسم بالنشاط الحركي المفرط، وينهي النشاط كما بدأه، إذ يتنقل من غرفة لأخرى، يتحدث، يتحرك، وكأن جسده لا يعرف الراحة.

6- التحدث على نحو متواصل.
7- الإجابة قبل الانتهاء من السؤال. فهو لا ينتظر سماع السؤال للنهاية، ويتسرع بالإجابة؛ عندما يطرح المعلم سؤالًا، يبادر بالجواب قبل أن يسمح له المعلم.
8- صعوبة في انتظار الدور.
9- مقاطعة الآخرين في أثناء الحديث. ويتدخل في محادثات الكبار، أو يقاطع إخوته في أثناء اللعب.
شروط تشخيص ADHD عند الأطفال التي لا يجب إغفالها
إلى جانب قائمة الأعراض، يضع الدليل التشخيصي الخامس شروطًا أساسية لا يكتمل التشخيص بدونها:
-
شرط العمر: يجب أن تكون العديد من أعراض نقص الانتباه أو فرط الحركة والاندفاعية موجودة قبل سن 12 عامًا.
-
شرط تعدد البيئات: يجب أن تكون الأعراض موجودة وتؤثر على الأداء في بيئتين أو أكثر (مثل المنزل والمدرسة والعمل، أو مع الأصدقاء والأقارب).
-
شرط التأثير الوظيفي: يجب أن يكون هناك دليل واضح على أن الأعراض تتداخل مع الأداء الاجتماعي أو الأكاديمي أو المهني أو تقلل من جودته.
-
شرط الاستبعاد: يجب التأكد من أن الأعراض ليست نتيجة لاضطراب نفسي آخر (مثل اضطراب القلق، أو اضطراب المزاج، أو اضطراب الشخصية).
من المؤهل لتشخيص ADHD؟ وما خطوات التشخيص؟
إن تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عملية معقدة لا تتم من خلال جلسة واحدة أو ملاحظة عابرة. يجب أن تتم من قبل اختصاصي مؤهل مثل طبيب نفسي للأطفال، أو طبيب أطفال متخصص في النمو السلوكي، أو طبيب أعصاب أطفال. تتضمن عملية التشخيص عادةً:

-
المقابلات السريرية: التحدث مع الوالدين والطفل.
-
قوائم التقييم: استخدام استبيانات مقننة لتقييم سلوك الطفل من قبل الوالدين والمعلمين.
-
الفحص الطبي: لاستبعاد أي أسباب طبية أخرى للأعراض.
-
تقييم الأداء المدرسي: مراجعة التقارير المدرسية وملاحظات المعلمين.
ما الفرق بين ADD وADHD؟
في الماضي، كان مصطلح ADD -اضطراب نقص الانتباه- يُستخدم لوصف الحالات التي يغلب عليها نقص الانتباه دون فرط حركة. حاليًا، تم دمج كل الأنواع تحت مظلة واحدة هي ADHD -اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه- مع تحديد ثلاثة أنواع فرعية كما ذكرنا في المقال.
هل يمكن الشفاء من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
ADHD هو حالة عصبية تطورية مزمنة، أي إنها لا تُشفى بالمعنى التقليدي، لكن بالعلاج والدعم المناسبين، يمكن للأفراد تعلم استراتيجيات فعالة لإدارة الأعراض والعيش حياة ناجحة ومنتجة.

هل التشخيص يعني أن طفلي سيحتاج إلى دواء؟
ليس بالضرورة، العلاج الدوائي هو أحد الخيارات الفعالة، لكنه ليس الخيار الوحيد، غالبًا ما تتضمن خطة علاج اضطراب فرط الحركة نهجًا متعدد الجوانب يشمل العلاج السلوكي، وتدريب الوالدين، والدعم في المدرسة، وتعديل نمط الحياة، يتم اتخاذ قرار العلاج الدوائي بالتشاور مع الطبيب المختص بناءً على شدة الأعراض وتأثيرها في حياة الطفل.
يمكن القول إذن، إن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يمثل تحديًا حقيقيًّا، لا سيما مع تشابه أعراضه مع سلوكيات قد تكون طبيعية لدى الأطفال، غير أن العامل الحاسم يظل في معايير الدليل التشخيصي الخامس لفرط الحركة التي استعرضناها في هذا المقال؛ لذلك يُنصح بمراقبة سلوك الطفل في أكثر من بيئة (المنزل والمدرسة مثلًا) وعدم التسرع في التشخيص، إذ يجب وضعه تحت الملاحظة مدة ستة أشهر في الأقل.
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى نحو وضع خطة علاج اضطراب فرط الحركة المناسبة التي قد تشمل العلاج السلوكي، الدعم الأكاديمي، وفي بعض الحالات، العلاج الدوائي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.