دلالات الأسماء في رواية ولكنّه حدث يا صفيّة: قراءة في الرمز والذاكرة

تُمثل دلالات الأسماء في رواية «ولكنه حدث يا صفية..» للكاتب فتحي الرحماني رموزًا مُكثفة ذات أبعاد وجودية وفلسفية؛ إذ ترمز «صفيّة» للنقاء والذاكرة الوطنية، ويُجسد حبيبها الصراع بين الحب ووحشية الحرب، في حين يمثل «المراسل الحربي» الإعلام المزيف، ويستحوذ «راوي الصدفة» على دور حارس الحقيقة والسر، وتظهر «كاتيوشا» كرمزٍ للفن والمقاومة ضد الخراب.

تُعدّ رواية «ولكنه حدث يا صفية..» للكاتب التونسي فتحي الرحماني نصًا سرديًا مركبًا ومكثفًا، ينفتح على تأملات فلسفية ووجودية عميقة حول الحرب، والذاكرة، والحب، وسلطة السرد. وهي من نوع الروايات القصيرة التي صدرت عن منشورات كناية بستوكهولم بالسويد سنة 2025. 

وككلّ الروايات القصيرة فقد سعى كاتبها إلى تجريب تقنيات سردية متنوّعة منها كسر خطيّة الزمن إلى درجة التشظّي أحيانًا حتّى بدت الرواية لوحات مركّبة عبر تداعيات الوعي والرسائل المهرّبة والمشاهد الحربية، متخذة من شخصيّة «صفيّة» قطبًا تتجمع حوله خيوط الحكاية، وملاذًا للروح وسط أتون الخراب وجحيم الحرب المستعر.

ملخص رواية «ولكنه حدث يا صفية»

تجري أحداث هذه الرواية القصيرة في مكان ما بين سنتي 2011 و2013 كما توحي بذلك التواريخ التي ذيّلت مقتطفات الرسائل كما سرّبها السّارد. 

الكاتب والأديب التونسي فتحي الرحماني

شخصيات «ولكنه حدث يا صفية»

صفية وحبيبها المزعوم ومراسل حربي وسارد وآخرون، والكلّ يلاحق الكلّ ويريد معرفة ما حدث والوصول إلى الرسائل بأيّة طريقة.

بينما تدور حبكتها حول بحث عن رسائل غامضة تبادلتها صفيّة مع شخصية من شخصيات الرواية قبل اختفائه في ظروف مجهولة في أثناء الحرب. ووسط هذا الجوّ المشحون بالحرب والملاحقات يسعى السّارد -بعد أن وصلت إليه تلك الرسائل بطريقة ما لم تكشف عنها الرواية- إلى الحفاظ عليها وحماية صفيّة من مطارديها وإخفاء هويّتها ليقرّر في النهاية إنقاذ الرسائل وإبعادها بوضعها في زجاجة محكمة الغلق وإلقائها في البحر.

دلالات الأسماء في رواية «ولكنّه حدث يا صفيّة..»

تُمثل الأسماء في هذا النص السردي لفتحي الرحماني عتبات دلالية ورموزًا مُكثفة تتجاوز حدود التسمية الواقعية إلى فضاءات أعمق، محملة بأبعاد تاريخية وفلسفية وأدبية.

1- صفيّة (الملاذ، النقاء، والذاكرة)

  • دلالة الاسم اللغوية: مشتقة من «الصفاء» و«الخلاص»، وهي النفس النقية أو الشيء الخالص الذي لا شائبة فيه.
  • البعد الأدبي والتاريخي: يُحيلنا هذا الاسم عبر تناص صريح إلى شخصية «صفية» في رواية «عائد إلى حيفا» حين يُعرّفها السّارد أمام المحققين بسخرية لاذعة قائلًا: «صفيّة غسّان كنفاني»، دمجًا لاسم صفيّة مع اسم الكاتب الفلسطيني الرمز غسان كنفاني.
  • الدلالة الوجودية في النص: صفيّة ليست مجرد امرأة من لحم ودم، بل هي الوطن الهارب، والروح النقية، والفكرة الخالدة، و«الياسمين» الذي يرفض أن يذبل وسط أتون الحرب. إنها القطب الذي تدور حوله الرسائل، والملاذ الأخير للسارد في وجه عبثية المراسل الحربي ووحشية الحرب.

2- حبيب صفيّة (صاحب الرسائل والمرسل إليه)

تحضر هذه الشخصية على امتداد الرواية حضورًا بالغ الغموض، فهذا «الحبيب المفترض» لا يظهر كشخصية مُتحركة بشكل مباشر في الزمن الحاضر للحدث، بل يبدو طيفًا يتكشف بواسطة رسائله ويوميّاته وما يرويه عنه «راوي الصدفة».

  • الرمز المزدوج: فهو الفارس والمهزوم، إذ يظهر الحبيب في النص كصوت للمقاومة والحلم، لكنّه محكوم بلعنة الحروب والمآسي. فتشير الإحالات النصية والرسائل المتبادلة إلى أنه خاض أتون الحرب وعاش تفاصيلها القاسية، وهو ما يتسق مع مقولة النص: «وما من فارس ينتصر في الحرب -يا صفية- إلا ويكون مهزومًا في الحب». لذلك قد يجسد هذا الحبيب صورة الإنسان الذي يحمل طموحات كبرى وبدايات واعدة، لكن النهايات تُرسم دائمًا بأيدي الآخرين؛ فهو يقول عن نفسه حسب ما ينقله الراوي: «أمّا هو فقد كان يُتقن البدايات، البدايات فقط، أمّا النهايات فيصنعها آخرون».
  • الشاعر والمحارب المتشظي: تتنقل رسائله بين لغة العشق الصافي وتفاصيل الياسمين والذكريات الجميلة من جهة، وبين قسوة الخنادق، وأهوال الموت بالتقسيط، والبرد، والخوف، والثقوب السوداء من جهة أخرى. إنه يعيش صراعًا وجوديًا عميقًا؛ فهو يدرك أن «السماء لم تعد سماءهم»، ومع ذلك يظل متعلقًا بالحلم وبالرسائل باعتبارها طوق النجاة الوحيد من التلاشي والنسيان.
  • المصير التراجيدي والخلود في الرسائل: تنتهي رحلة «الحبيب» بتلك الطلقة المباغتة على سفوح الجبال وبين الشِّعاب، حيث يسقط مسجيًّا بدمه وهو يطارد نجمة هاربة نحو الغرب، موصيًا صفيّة بأن تكون «نجمته الأخيرة». على الرغم من موته الجسدي واختفائه، فإنه يتحول عبر رسائله المخبأة في الزجاجة إلى تلك «الأسطورة الباقية» و«الفكرة الحيّة»؛ فهو يغيب في واقع الحرب، لكنه ينجو في الذاكرة بفضل أمانة السّارد و«رسائل الياسمين» المهرّبة في زجاجة التي ترفض أن تموت.

باختصار، «حبيب صفية» ليس مجرد شخصية رومانسيّة عادية، بل هو رمز للإنسان الممزق بين نقاء الحب ووحشية التاريخ.

3- المراسل الحربي (صانع الأوهام ومهندس الزيف)

  • الدلالة الرمزية: يمثل هذا الاسم/ الصفة سلطة الخطاب الرسمي، والإعلام الموجه، والتاريخ المزيّف. إنه الشخص الذي لا يملك اسمًا شخصيًا، بل يُختزل في وظيفته «مراسل حرب».
  • البعد الفلسفي: يجسد المراسل فلسفة «صناعة الواقع» لا نقله؛ فهو يقتات على الدخان والأشلاء ويُخضع الوقائع لعدسة الكاميرا و«وجهة النظر الواحدة». إنه النقيض التام للصدق الإنساني، وهو بطل الخراب الذي يصنع الأوهام ويُحارب الحقيقة.

4- راوي الصدفة (الشاهد الهشّ وحارس السرّ)

  • الدلالة الرمزية: شخصية من شخصيات الرواية لم يكن شيئًا مذكورًا لولا أن اصطفته الأقدار ليحمل أمانة الرسائل ويكون شاهدًا على ما حدث.
  • البعد الفلسفي: يمثل هذا الاسم/ الدور الإنسان المهمش الذي يقف على خطوط التماس بين التاريخ الرسمي والتاريخ المسكوت عنه. إنه الحارس الأمين للذاكرة الذي يتحول من مجرد «ساعي بريد صدفة» إلى مؤرخ للحقيقة. فهو يُلقي بالزجاجة في البحر لكي يحمي الفكرة والحقيقة من التشويه والطمس والتلاشي، ذلك أنّ الزجاجة هنا أشبه بسفينة نوح التي أنقذت الحياة. إنّها الحصن الأخير للذاكرة والروح في مواجهة لصوص الحقيقة. إنّها رسالة للمستقبل، إعلان بأن الحكاية لن تموت طالما هناك من يحرس سرّها، أو هناك من يرويها.

فالرواية تدور حول فكرة «من يكتب التاريخ؟». إذ هناك صراع دائم بين السرد الرسمي والمُضلل (الذي يقوده المراسل الحربي) والسرد السري الهش (رسائل الحب والياسمين/ صوت راوي الصّدفة) الذي يحفظ الحقيقة الإنسانية من الاندثار. الرسائل هنا هي «الطروادي الناجي الوحيد من المذبحة».

5- كاتيوشا (أيقونة المقاومة والفن)

  • الدلالة التاريخية والفنية: اسم مرتبط بالأغنية الروسية الشهيرة التي تحولت إلى نشيد لحركات المقاومة ضد الفاشية والنازية.
  • البعد الرمزي في النص: يوظف الكاتب الاسم في الخاتمة ليدمج بين دلالة السلاح ودلالة الفن، فـ «كاتيوشا» الفتاة التي تقف على ضفة النهر تحرس رسائل الجندي وحبه في الأغنية، تتطابق مع شخصية «صفيّة» في الرواية. فيتحوّل الاسم إلى رمز للحب الذي يحرس الوطن، والفن الذي يهزم الموت، لنكتشف أنّ الفن والغناء والحب هنا هي النقيض الجذري للموت والبارود والخراب، فإذا كانت الحرب تقتل الأجساد وتسحق الأرواح، فإنّ أغنية «كاتيوشا» التي ترنّم بها السّارد في النهاية تُعيد بثّ الروح في الرماد، وتبقي باب الأمل مواربًا.

تتوزّع الأسماء في هذه الرواية القصيرة بين أقطاب متصارعة: «صفيّة وكاتيوشا» تمثّلان صفاء الروح، والحب، والذاكرة المقاومة، والحقيقة التي يُراد طمسها، بينما يمثل «المراسل الحربي» صخب الزيف والدمار، ليقف في الوسط «راوي الصدفة» حارسًا للسرّ وناقلًا للحقيقة عبر زجاجة «كأنّها كوكب دريّ» يلقيها في نهاية الرواية في عرض البحر.

وهكذا يبدو لنا أنّ نصّ «ولكنّه حدث يا صفيّة...» ليس مجرّد رواية قصيرة عن الحرب، بل هو مرثية شعرية وفلسفية للإنسان المعاصر الممزّق بين رغبة الخلاص وقسوة التاريخ. إنّها انتصار للكلمة الهشة والفكرة المهربة في مواجهة صخب المدافع وجحيم الحروب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة