دلالات أسماء وأنواع الجمال والإبل والنوق في الثقافة العربية

تُعد الإبل أحد أهم رموز الثقافة العربية التقليدية المرتبطة بالصحراء؛ فقد ارتبطت بالوجدان العربي ارتباطًا وثيقًا منذ أمدٍ بعيد، وقد تجسَّد هذا الارتباط في التعبير عنها في أشعارهم، عن أنواعها وصفاتها، وعن مدى ارتباط العربي بها؛ فهي وسيلته المُثلى للسفر والحِل والترحال والتجارة، وكل ما يتعلق بحياته في هذه البيئة ذات الخصوصية الفريدة.

ويعلم العربي جيدًا قيمة وأهمية الإبل/ الجِمال؛ فمنها يستخلص الوَبَر لصناعة الخِيام والأغطية، ومن جلودها تُصنع الأحذية، ومن عِظام كَتفها صَنَعَ الألواح التي كان يكتب عليها الدارسون، فضلًا على لحمها الشَّهي بوصفه غذاءً يُحبه الناس؛ ولكل هذا أطلق العربي على ناقتِهِ (المال)؛ لأنه يستفيد بكل مكوناتها في ممارساته اليومية. ونظرًا لاعتزاز العربي بالجِمال/ الإبل ومعرفته بقيمتها؛ فقد جعلها قيمة معيارية تُقدر بها أثمان الأشياء في البيئة التي يعيش بها، وكذلك في تقدير الحقوق كالدِّيَّات والفِدية ومهور العرائس.

تاريخ الإبل في الثقافة العربية

وقد ارتبطت الإِبل/ الجِمال/ النوق بأحداثٍ وشخصياتٍ تاريخية لا تُنسى؛ فمَن منا لا يذكر «سُراقة بن مالك» الذي طارد رسولنا الكريم محمدًا بن عبد الله (صلى الله وعليه وسلم) في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة للحصول على (المئة ناقة) مكافأة قريش لمن يدلهم على الطريق الذي سَلَكَهُ الرسول الكريم وصحبه.

وقد ارتبطت الإِبل أيضًا بالملك النُّعمان بن المُنذِر، ملك الحِيرة الذي اشتُهِرَت نوقُه (بالنوق العصافير) وقد أمَرَ بمِئَةٍ منها للنابغة الذبياني، ولا يخفى علينا أنها قد ارتبطت أيضًا بالفارس العَبسي العربي الأشهر عَنترة بن شداد، الذي طَلَبَ منه عمه (مِئَة من النوق الحُمر) مهرًا لابنته عبلة.

الإبل وعنترة

وما يؤكد أهمية الإبل في حياة الناس أنه قد ورد ذكرها في القرآن الكريم في كثير من السور: في سورة القمر آية 27؛ وفي سورة الغاشية آية 17، وفي سورة الأعراف آية 73، وفي سورة يوسف آية 72، وفي سورة الأنعام آية 144، وفي سورة الشمس آية 13، وفي سورة هود آية 64، وفي سورة الإسراء آية 59، وفي سورة المرسلات آية 33.

ومن أبرز نجائب الإِبل عند العرب: الفِطريات، والأرحبيات، والصدفية، والجرمية والداعرية، والجرشية، والمهرية. وقد كان للإبل مساراتٍ تجارية محددة ومعروفة لنقل وتبادل السِّلَع بين الدول كالذهب والعاج والتوابل والحرير والفِضة والحُلي... وغيرها من السِّلَع، التي وطَّدَت العلاقات بين الشعوب. والحقيقة أن الأمر لا يقتصر على نقل السِّلَع فقط، ولكنه امتد وارتبط بنقل العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف العامة وكل عناصر الثقافة التقليدية التي يحملها التجار؛ فتخطَّت بذلك حاجزي الزمان والمكان.

وقد تعددت أسماء الإِبل حتى إنها قد قاربت الألف اسم؛ لتعبر في النهاية عن أعمارها وصفاتها وفضائلها وألوانها وسلالاتها وفوائدها، .... وغيرها من السِّمات التي تعبر عن مدلولاتها الثقافية التي تعبر عن هذا التعدد؛ فمنها العِيس والركائب والنوق والمطايا والجِمال والبَعير والهُجُن والظعائن،.... وغيرها.

ويُكنى ذكر الإِبل بأبي صفوان، وأبي أيوب، كما تُكنى النياق بأم مسعود، وبنات البيداء.

ومما لا شك فيه أن تعدد الأنواع والأسماء يُعَبِّرُ عن ثراءٍ ثقافي هائل في هذه البيئة الحاضنة للإِبل، التي تحمل كثيرًا من العادات والتقاليد والمعتقدات والحكايات والأساطير، التي تُعَبِّرُ عن ثقافة أفراد المجتمع، ويحمل الوجدان الجمعي لها كثيرًا من القيم المرتبطة بالإِبل كالصبر والقوة، والهدوء، والقُدرة على التحمل، والأمل والرغبة والإصرار على الوصول إلى الغايات مهما بَعُدَت.

الإبل في الأمثال الشعبية العربية

وقد ارتبطت الإِبل بأمثال العرب الشعبية أيضًا؛ فهم يقولون مثلًا:

«لا ناقة له فيها ولا جَمل».

وهو يُذكر عندما يفعل الإنسان فِعلًا ويتبرأ من نتيجة هذا الفِعل، أو للتعبير عن أنه قد فعل هذا ولا ينتظر من ورائه أي شيء.

«ما استتر من قاد الجَمَل».

فمن فَعَل أمرًا عليه أن يواجه ولا يخشى شيئًا؛ أي عليه أن يكون واضحًا كالجَمَل. ويُعَبِّرُ العربي عن قدرته على التحمل بمثلٍ آخَر:

«هذا أمرٌ لا تَبرِكُ عليه الإِبل».

أي إن ما حدث، مهما بلغت شدته، لن يَكسِرَ قائِله، وقد عَبَّرَ امرؤ القيس بن حجر عنها وسيلة للوصولِ إلى محبوبته:

ويوم عقرت للعذارى مَطيتي    فواعجبًا من كورها المُتحمل

فظَل العذارى يرتمين بلحمها   وشَحمٍ كهِدابِ الدمَقس المُفَتَّل

الإبل في الأمثال العربية

وقال طُرفَة بن العَبدِ أيضًا فيها:

فمَن مُبَلِغَ أحياءِ بَك بن وائل  بأن ابن عَبدٍ راكِبٌ غير راجِلِ

على ناقَةٍ لم يركب الفَحلُ ظَهرها    مُشَذَّبَة أطرافها بالمناجِلِ

 نلحظ من كل ما سبق قيمة وأهمية الإِبل/ الجِمَال/ النوق في حياة العربي قديمًا. والآن؛ فما زال العرب يهتمون بها ويُنظمون لها سِباقاتٍ دولية يُطلق عليها (سِباقات الهُجُن) في المملكة العربية السعودية، وفي الإمارات العربية المتحدة، وفي الأردن، وفي البحرين، وفي قطر، وفي غيرها من البلدان العربية، التي ما زالت ترتبط بالإِبل ارتباطًا وثيقًا يَنُمُّ، بلا شك، عن ارتباط أفرادها بمُجمَلِ القيم التقليدية، التي حافظت على استقرار الجماعة الشعبية في إطارها الجغرافي جيلًا بعد جيل.

هل الإِبل لها أهمية اقتصادية؟

وفي هذا الإطار يتبادر إلى الأذهان سؤال في غاية الأهمية:

هل الإِبل ما زال لها أهمية اقتصادية في حياة المواطن العربي؟

وتأتي الإِجابة بالإيجاب على غير ما توقع البعض؛ فقد كانت إحدى أهم وسائل التجارة في القوافل التجارية التي تحمل السِّلَع والبضائع المتنوعة داخل البلد الواحد وبين البلدان وبعضها بعضًا؛ إذ إن لها قدرة هائلة على قطع المسافات الطويلة في الصحراء وتحمُّل الجوع والعَطَش لأيامٍ عدة، وما زالت تؤدي هذا الدور، ولكن ليس مثل الماضي البعيد؛ ويرجع هذا بالطبع إلى تطور وسائل المواصلات، ولكن دور الإِبل لم ينته بعد في هذا المجال.

ولا يقتصر الأمر على هذا فقط، بل ارتبطت الإِبل أيضًا بالزراعة بدورها في حرث الأرض بالمناطق الصحراوية، ويُستفَادُ من ألبانها بوصفه غذاءً مهمًا في المناطق الصحراوية.

وتُعَدُّ لحوم الإِبل من أجود أنواع اللحوم؛ فهي أحد أهم مصادر إمداد الجسم بالبروتين. وتدخل جلود الإِبل/ الجِمَال في تصنيع المنتجات الجلدية كالحقائب والأحذية والأحزمة والملابس أيضًا، ويرجع هذا لمتانة هذه الجلود وقدرتها على الحماية من الظروف البيئية الصعبة في هذه الأمكنة. ولشعر الإِبل/ الوبر أيضًا دورٌ بارز في صناعة المنسوجات؛ إذ تُصَنَعُ الطبقة الداخلية للملابس من أوبارها التي تتميز بنعومة وقدرة كبيرة على التدفئة.

أهمية جلد الإبل

ونلاحظ حرص أفراد المجتمعات البدوية/ الصحراوية على التعبير عن ثقافتهم التقليدية التي يتشربونها تلقائيًا، ومن بينها ما تشربوه عن الإِبل نوعًا من التعبير عن الحفاظ عن هويتهم التقليدية التي يفتخرون بها.

ففي السنوات الأخيرة دخلت الإِبل عالم الأزياء السعودي خاصة بعد «إقرار يوم التأسيس»، وهو اليوم الذي يحتفل فيه السعوديون بذكرى قيام الدولة السعودية الموافق 22 فبراير، ويحرصون فيه على ارتداء الأزياء التراثية، أو ما يرمز للثقافة السعودية؛ لذا يحرص المصممون وأصحاب المتاجر على استلهام أزياء حديثة مُطَعَّمَة بالرموز الثقافية لتصبح مناسبة لأي يوم في السنة؛ كونها جمعت بين الحداثة وإبراز الهوية في الوقت ذاته. 

ومما لا شك فيه أننا لا نستطيع أن نتخلف عن الركب الحضاري، ولا نستطيع التخلص من أو الانفصال عن إرثنا الثقافي الذي ورثناه عن الآباء والأجداد، ولا يتوانى الباحثون عن الربط بين التراث الشعبي وبين التقدم الحضاري؛ فالأول جذور الإنسان الممدودة في الأرض، أما الثاني فيعبر عن استيعاب الإنسان لهذا الإرث الحضاري وقدرته على تطويره لمواجهة التغيرات في مختلف مناحي الحياة والتكيف معها لاستمرار واستقرار المجتمع.

ولعل أبلغ مثال لهذا الربط هو سِباق الهُجُن الذي أُقيم في مدينة العَلَمين الجديدة بمصر هذا العام؛ فشهدت الفعاليات منافسات ساخنة بين نحو 1600 جمل من مختلف محافظات مصر الصحراوية والحدودية؛ لجذب المحبين لأقدم رياضة عربية. وقد أُقيم هذا السِّباق في قرية سِيدي عبد الرحمن بميدان السِّباقات.

والجديد في هذا السِّباق هو أن المتسابقين/ الهجانة قد استخدموا «الروبوت» كراكب آلي من الألومنيوم؛ ما أتاح الفرصة لزيادة سرعة الإِبل؛ فبدت أكثر توازنًا وقدرة على المنافسة بتحكم أصحاب الإِبل/ الجِمال في الروبوت، ووفقًا لمستخدمي الروبوت من الهجانة يتكون الراكب الآلي من أجزاء عدة متساوية.

وتشمل هذه الأجزاء الجسم الأساسي المصنوع من مواد خفيفة وقوية مثل الألومنيوم، ونظام التحكم المتقدم الذي يتضمن أجهزة استشعار ومعالجات دقيقة، والمحركات والمفاصل التي تسمح بالتحرك والتوازن، وأدوات القيادة التي تتحكم في السرعة والاتجاه، والبطاريات عالية الأداء التي تمد الروبوت بالطاقة اللازمة.

ويعمل الراكب الآلي وفق نظام متكامل يتيح له محاكاة حركة الراكب البشري بدقة، وتتم برمجة الروبوت لتطابق متطلبات السِّباق، ويكون التحكم فيه عن بعد باستخدام جهاز تحكم.

وفي النهاية أستطيع أن أقول إن الإِبل/ الجِمَال/ النوق/ الهُجُن ما زالت ترتبط بالوجدان العربي ارتباطًا وثيقًا؛ إذ تحمل في طياتها صِفاتٍ ارتبطت بها معًا كالقدرة على التحمل والصبر والقوة والعطاء غير المحدود الذي مَيَّزَ الإنسان العربي على مَر العصور. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

الحمد لله
تم نشر مقالي على ( منصة جوَّك)
ولكن لا ادري كيف سترسلون لي مكافأة نشر مقالي هذا ؛ لذا أرجو إفادتي على الإيميل الخاص بي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة