دروس وعبر من أصحاب البريد والخبر في الدولة العباسية

إن مسؤولية الرؤساء تجاه شعوبهم وتجاه تفوق وثبات أداء الحكومات تتطلب وجود منظومة أمنية تتقصى المعلومات عن كل شاردة وواردة وعن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشؤون البلاد والعباد، وبما أن الوظيفة تكليف لا تشريف، وبما أن الرئيس أو الحاكم سيمثل أمام الله ليحاسب عن كل مظلمة أو مسغبة لحقت بعباد الله ولو كانت بحجم النَّقِير وهو حفرة مستديرة في ظهر نواة البلح.

اقرأ أيضًا مظاهر ازدهار الأدب في العصر العباسي ومدى تأثر العرب به

مسؤلية الحاكم في الدولة العباسية 

 لا بد للحاكم من السهر والمراقبة والمتابعة لمعرفة المتآمرين على سلطان الدولة والمتلاعبين بقوت الشعب والمجرمين من القتلة واللصوص والفاسدين والمرتشين والمختلسين والظَلَمَة لإيقافهم عند حدهم ومحاسبتهم وسلخ جلودهم سلخًا يُرجع لكل ذي حق حقه قبل أن يحين يوم الدين.

ولا تصل لرئيس الدولة من الأعمال الفاسدة إلا النزر اليسير لا سيما إذا كانت الجماعة المحيطة به ومستشاروه فاسدين يتسترون على جرائم عصابات هم قادتها، ومصالحَ ينتفعون بها، وكنوزٍ من المال العام يدخرونها، وقصورٍ يتسابقون لامتلاكها، وتوضح لنا هذه الخلاصة عن التجسس وصاحب الخبر في الدولة العباسية أن الخليفة العباسي أدار الدولة العباسية الممتدة من حدود الصين في شرق آسيا إلى غرب آسيا، ومن شمال إفريقيا وصولًا للأندلس.

وكانت الأخبار ترده من آلاف الكيلومترات على ظهور الخيل والجمال وأجنحة الطيور، ليقضي على الفتن والاضطرابات قبل أن تبدأ، محافظًا على حدود إمبراطوريته المترامية الأطراف من مخاطر الأعداء، ترده أخبار الناس خيرها وشرها فيكافئ أناسًا ويعاقب آخرين، وكانت له عيون تنتشر في طول البلاد وعرضها عبر صاحب الخبر وصاحب البريد اللذيّن كانا يخبرانه بكل شيء.

معلومات عن الدولة العباسية

ولم تكن المعلومة التي ترده تمر عبر وزير أو مسؤول في الدولة لكيلا يحجب الحقائق أو يحرفها عن حقيقتها، وإنما من أيدي العيون المنتشرين ليد صاحب الخبر أو صاحب البريد لتعرض على الخليفة مباشرة، وكان هو من يفض أختام البريد ليطّلع أولًا على ما يَرِد إليه من أخبار، فقد كان الخليفة يطلع يوميًّا على ما يجري في الإمبراطورية الواسعة من وقائع وأحداث ومشكلات وأزمات.

فلم يكن هنالك إنترنت أو فيس بك أو إنستغرام أو موبايلات أو رسائل إلكترونية أو غير ذلك من وسائل الاتصال والتجسس الحديثة، بل كان يعتمد على رجال صادقين مخلصين يخافون الله؛ لأنهم إن مالوا عن الحق خسروا أرواحهم، فليس للخائن أو المخادع أو الكاذب أمان أو مكان يلجأ إليه في طول وعرض الإمبراطورية الواسعة.

إن وصول الأخبار الصحيحة عن كل ما يجري في البلاد ضرورة مهمة لكل حاكم كي يحافظ على سيادة وحدود دولته، وأمن وعدالة سلطانه، ولكي ينشر العدل والإنصاف بين الناس، ويعاقب الفاسدين والمتنفذين من الولاة ورجال الدولة، ويلقِّن محتكري السلع والبضائع والمتلاعبين بالأسعار وأقوات الناس واللصوص على حساب المال العام ما يستحقونه من عقاب.

كان الخليفة يضع على كل وزير أو قائد أو أشخاص مهمين صاحب خبر يأتيه أولًا بأول بأخبارهم، ومدى استقامتهم ونزاهتهم وعدالتهم وفسادهم وصلاحهم؛ لذلك لم يكن بمقدور الطبقة التي تحكم أن تظلم أو تفسد أو تسرق؛ لأن خبرها سيصل إلى الخليفة في الحال، فيدعو ذلك المسؤولَ للمثول أمامه كي يحاسبه على فعلته قبل أن يرف له جفن، ولا يمكن لأحد أن ينقذه من مصيره إن ثبت الخبر.

في العصر العباسي وُجدت مناصب مهمة منها صاحب الشرطة وصاحب الخبر وصاحب البريد، أما صاحب الشرطة هو المدير الأعلى للشرطة المسؤولُ أمام الخليفة عن الأمن في البلاد ومكافحة أهل الرذيلة والفساد في طول وعرض البلاد، وكان لصاحب الشرطةِ الشرطةُ السرية الخاصة به التي تنقل الأخبار والتقارير السرية يوميًا إلى صاحب الشرطة.

لكن صاحب الخبر لا علاقة له بجهاز الشرطة فهو يتبع الخليفة مباشرة، وينقل له الأخبار أولًا بأول، أما صاحب البريد فيوصل الأوامر والرسائل ويتلقى المعلومات ويعرضها على الخليفة، وكان لكل وزير صاحب أخبار خاص به.

اقرأ أيضًا ماذا تعرف عن تاريخ الدولة الأموية؟

مصادر صاحب الشرطة في ذلك العهد وواجباته

1. الشرطة السرية

كان من واجبها تقديم تقارير يومية إلى صاحب الشرطة اسمها (الرقاع)، تتضمن المعلوماتِ التي جمعها الشرطي السري من الشارع، وتتضمن «خبر يومه وما جرى في عمله»، ومن جملة المهام المكلفين بها مراقبة نساء الوزراء وما يصدر عنهن من تصرفات مشينة، والأمراء المبعَدين عن الخدمة.

والإبلاغِ عما يصدر عنهم من إخلال بالأمن والنظام، وكانت التقارير التي تُرفع إلى صاحب الشرطة تكتب على رقاع ومفرها رقعة.

2. العيون والمعتمدون

كان من واجبهم جمع الأخبار ومتابعة المجرمين والتعرف إلى أماكن وجودهم واختبائهم.

3. التوابون

هم اللصوص السابقون وأصحاب السوابق ممن كانوا يرتكبون جرائم السرقات ثم تابوا وتركوا ارتكاب جرائم السرقات، مثل هؤلاء عملت الشرطة على التنسيق معهم والاستفادة من معرفتهم بالسارقين، ليدلوهم على اللصوص ومرتكبي الجرائم الأخرى مقابل رواتب شهرية تُدفع لهم.

مصادر معلومات الخلفاء والوزراء وواجباتهم

1. صاحب الخبر

كان الخلفاء يعيِّنون موظفًا خاصًا للإخبار يسمى صاحب الخبر، وهو رجل موثوق تناط به مهمة رفع جميع الأخبار إلى الخليفة، لا سيما تلك التي يرى وصولها أمرًا تفرضه المصلحة العامة والخاصة على السواء، وهو بمنزلة العين الباصرة والإذن السامعة للخليفة، «وفي زمن العباسيين أولوا هذه الوظيفة بالغ الرعاية والاهتمام واعتمدوا عليها كل الاعتماد من أجل إيصال المعلومات إلى الخليفة.

وكان يكتب إلى الخليفة مباشرة، وقد أوصى الخليفة المأمون إبراهيم ابن السندي عندما قرر تعيينه في منصب صاحب الخبر الخاص به ولأخبار مدينة بغداد، «فانظر أن تعمل بما يجب لله عليك ولا تراقب أحدًا غيره....»؛ أي إنه يوصيه بالأمانة وخشية الله.

2. صاحب البريد

البريد لغة: مسافة معلومة مقدرة باثني عشر ميلًا، والمسافة بين محطة بريد وأخرى 4 فراسخ، والفرسخ يساوي 3 أميال، وكانت العرب تجعل خيلًا مضمرات على أهبة الاستعداد في أماكن متعددة، بقصد نقل الأخبار المستعجلة إلى غاياتها بالسرعة الممكنة حال وصولها، وكانت هذه الخيول تُبدل حال شعورها بالتعب والإنهاك.

وقد أفرد لتنظيم البريد ديوان خاص اسمه ديوان البريد، ترد إليه الكتب والرسائل من مختلف الأمصار، ثم تعرض بعد فرزها على الخليفة للبت فيها.

واجبات صاحب البريد

وإضافة لنقل الأخبار والمستجدات كانت وظيفة البريد تتضمن أعمال الشرطة السرية، وكان يطلق عليهم العيون، ويطلق على رئيس موظفي البريد (صاحب البريد)، وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد الخليفة، وكانت واجباتهم إضافة لذلك:

- نقل الأخبار المتعلقة بشؤون العمال والفرق الصغيرة المعادية لكيان الدولة عن الجند.

- ممارسة النشاطات الاستخبارية عند الضرورة.

- نقل أمتعة البلاط وعماله بغية التعرف إلى محتوياتها والتثبت من خلوها مما يمس أمن الدولة والأمصار بسوء.

علمًا بأن وسائل نقل البريد كانت تعتمد على الدواب (الخيل والجمال والبغال)، وكان نشاط البريد يقدم خدماته للدولة فقط.

اقرأ أيضًا المكتبات الخاصة في عهد الدولة العباسية

البريد أيام العباسيين

كانت الدواوين تخضع لنظام الإدارة المركزية في بغداد، وقد أفرد للبريد ديوان خاص، وكانت وظيفة البريد نقل الأخبار بين الولايات والمركز، والأمور المتعلقة بالموظفين في تلك الأمصار والولايات، ومتابعة ما يجري فيها، وتلك التلخيصات موجودة في مخزن حفظ الوثائق المعروف بالأرشيف في يومنا هذا،

الأهداف الأولى من عمل البريد 

1. إيصال أوامر الخلفاء إلى الولاة في الأمصار وبالعكس.

2. توسعت أعمال البريد فأصبح صاحب البريد عينًا للخليفة، فهو بالإضافة لنقله الأخبار كان رقيبًا على الولاة والعمال يترصد أخطاؤهم، ويحصي حركاتهم، ويسجل نشاطاتهم، ويلخص كل ذلك ويرفع به تقريرًا إلى الخليفة.

3. التجسس على الأعداء والتعرف إلى ما يبيتونه من النيات السيئة التي تستهدف النيل من الخلافة، وإن كان هذا الغرض شبيهًا بعمل دائرة المخابرات في يومنا هذا، وكان لصاحب البريد موظفون آخرون يعينونه في إدارة بعض شؤون البريد، ويعملون تحت إشرافه في مد السلطة المركزية بالمعلومات عن العمال والولاة، لذلك يعدون عيونًا على هؤلاء الولاة الذين كانوا يحفزون على توخي الدقة تجنبًا لوقوعهم تحب محاسبة الخليفة.

4. تلبية رغبة الخليفة في إنفاذ جيش يهمه أمره إلى جهة معينة ما يتطلب معرفة الطرق والسكك، وأن يكون لديه إلمام تام بها.

وكانت شارة البريد الخاصة بالعصر العباسي لوحة فضية بحجم كف اليد تعلق على أكتاف عمال البريد مكتوبًا على إحدى صفحاتها البسملة واسم الخليفة، وعلى الأخرى قوله تعالى: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا}، وكان يذعن أرباب المراكز لصاحب البريد عند رؤية هذه الشارة، فهي هوية الانتساب لديوان البريد فتسلم له اللوازم البريدية.

وقد بلغ عدد السكك البريدية نحو 930 سكة، وبلغت نفقات الدواب وأثمانها وأرزاق الموظفين 195 ألفًا و100 دينار في السنة، وكان للبريد 8 خطوط كبرى هي: حلب والشام والحجاز واليمن ومصر والعراق وأرمينيا وحدود فارس.

كما كان للديوان المركزي في بغداد فروع في أنحاء الدولة كافة، خُصصت لها المبالغ الطائلة لتهيئة وسائل النقل السريعة كالنوق الخفيفة السير والبغال النشيطة والحمام الزاجل، مع إصلاح الطرق وبناء المحطات وإصلاح الجسور، وكانت مواعيد سفر عمال البريد يعلنها المؤذنون على أبواب المساجد.

وقد استخدمت الرزم البريدية التي تُرتب بشكل أسطواني، وتختم بالشمع الأحمر وترزم في البريد، وكانت للدولة شِفرات خاصة تجري بواسطتها المخابرات السرية، ولا يعلم مفاتيحها إلا رجال الدولة المختصون، وكانت للبريد موازنة تبلغ 8 ملايين درهم لتيسير أمور البريد.

اقرأ أيضًا المدرسة المستنصرية صرح علمي ومعلم حضاري

صفات صاحب البريد

  1. التفوق والأمانة والذكاء والصدق.
  2. الاستجابة السريعة لتلقي التوجيهات والتوصيات.
  3. امتلاك الخبرة والتجربة الثرية والقدرة على الفهم والاستيعاب وسرعة التفاعل مع المستجدات.
  4. التمكن من تنسيق الكلام جريًا على قواعد اللغة العربية والتفنن في الصياغة والإخراج.
  5. السلامة الفكرية وصحة المزاج.
  6. لين الطبع والبراءة من الطمع.
  7. قوة الجسم.
  8. كتمان السر وستر العورات وكف اللسان عن الكذب والفضول.
  9. معرفة السبل والفجاج والطرق والمسالك وطبيعة الأرض في طول البلاد وعرضها.
  10. الإلمام بأسماء المواضع وإدراك المسافات.
  11. الثقة فلا يعرف السوء الدخول إلى قلوبهم.
  12. معرفة طرق الأعداء ومناطق تقربهم وتسللهم.
  13. الخبرة بحيل الجواسيس في الدخول والخروج والتخفي.

واجبات صاحب البريد

  1. دراسة كتب البريدين في الثغور والولايات والأطراف وعرضها على الخليفة بأسرع وقت.
  2. الإشراف على عمل موظفي البريد.
  3. تقليد أصحاب الخرائط لمسؤولياتهم.
  4. نقل الضرائب إلى الخزينة المركزية.

قلد الخليفة المتوكل ابن الكلبي منصبي البريد والخبر معًا، ثم استحلفه بالطلاق طالبًا منه ألا يخفي عنه شيئًا من أمر الناس ولا من أمره، وقد كان عند حسن ظن الخليفة به.

وقد استعمل البريد في التفنن والإحاطة بالأغراض الخاصة فضلًا عن العامة، وعندما حج الخليفة الرشيد راجلًا واعزًا إلى عمر ابن مسعدة إليه تأمين الطريق بين بغداد ومكة، وإعداد مستلزمات المأكل والمشرب فضلًا عن تهيئة البريد، فكان البريد يوافيه بالأخبار يوميًا على الصعيدين البري والجوي برًّا عبر النجائب، وجوًّا عن طريق الحمام الزاجل.

وكان أصحاب البريد بمنزلة أعين ساهرة تميط اللثام، وتكشف النقاب عن مواطن الضعف في أداء الوظائف في عمل الولاة والعمال وغيرهم من القائمين على شؤون الدولة.

اقرأ أيضًا الدولة الزيانية وبن خلدون

أنواع البريد

  • البريد البري

ويشمل: الدواب كالخيل والبغال والحمير واستخدمت كذلك الجمازات؛ أي الإبل السريعة القادرة على العمل في القفار والصحاري، وكان صاحب البريد يستحدث منازل برية وخانات لمبيت هذه الحيوانات، وقد وصف نقل البريد بالسرعة الفائقة لأن الحوادث التي تقع في البصرة ترد إلى بغداد قبل غياب شمس ذلك النهار.

ثم استخدم السعاة العدائين لإيصال الأخبار، وكان منهم (فضل ومرعوش) في زمن معز الدولة، وكان الواحد منهما يقطع كل يوم أربعين فرسخًا ونيفًا في المسير.

  • البريد الجوي الحمام الزاجل سعره 700 دينار، والبيضة بـ10 دنانير.

  • البريد البحري السفن والمراكب

كان إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد واليًا على دمشق، واعتزل الناس هربًا من الضجيج، واستدعى كاتبه ليكتب له بعض الحوائج، ولم تكن أدوات الكتابة موجودة معه، فتناول فحمة وكتب مشيئة الخليفة على خرقة ثم رمى الفحمة فتلقفها سليم الحاجب، وكتب ما يوحي بنوع من التهكم فلفت ذلك انتباه صاحب البريد، فقرر إبلاغ الرشيد فكتب مضمون ذلك له، فقرر الرشيد عزله عن ولاية دمشق.

حادثة فيها غرابة أرسل صاحب البريد معلوماتها على غرابتها إلى الخليفة، وهي أن طائرًا غريبًا أبيض اللون حطَّ في إحدى مناطق حلب في السابع من رمضان، وشرع يصيح يا معشر الناس اتقوا الله، الله الله، وكرر ذلك 40 مرة، وقد أشهد عليها 500 شاهد.

والتقرير الذي أرسل إلى الخليفة المقتدر عن أن بغلة أبي بردة من أصحاب أحمد علي المري قد وضعت فلوة تامة الأعضاء، لكنها مسلوخة الذنب.

صاحب الخبر

هو رجل موثوق تناط به مهمة رفع جميع الأخبار إلى الخليفة لا سيما تلك التي يرى أن وصولها واجب تفرضه المصلحة العامة، وهو بمنزلة العين الباصرة والأذن السامعة للخليفة.

ووصف أبو إسحاق الكاتب صاحب الخبر بأنه من أصلح العمال ديانة وأكملهم أمانة وأظهرهم صيانة؛ لأنه مؤتمن على الدماء والأموال، وقد وصى الخليفة المأمون إبراهيم بن السندي حين أراد أن يوليه الخبر بمدينة السلام قائلًا: «فانظر أن تعمل بما يجب لله عليك ولا تراقب أحدًا غيره»، وينتخب الخليفة صاحب الخبر.

ومن صفاته الصدق والبيان وعدم التحيز في تقصيه الحقائق والأخبار، وعدم الانصياع لأهوائه الشخصية في جمع الأخبار، وإذا تبين العكس وكذب في خبره، فالواجب أن يحاسبه الخليفة أو الوزير ليكون عبرة لغيره، ولا وسيط بينه والخليفة أو الحاكم، وليس لأحد الولاة أو العمال أو القادة على صاحب البريد حكم ولا سلطة.

وليس لأحد عدا الخليفة أن يفتح رسائله، فعملية فض السائل وفرزها تجري بحضور الخليفة وتحت إشرافه المباشر ليطمئن قلبه ولا تفوته شاردة أو واردة، وصاحب الخبر يحتل المرتبة الثانية بعد الخليفة، وهذا ما يجعله يطلع على أسرار الدولة، وفي زمن العباسيين امتد عمل دور البريد لتنفيذ الأعمال الاستخبارية؛ لذلك أطلقت كلمة العيون على العاملين في البريد وعلى رأسهم صاحب البريد أو صاحب الخبر.

اقرأ أيضًا مظلومية بني أميّة 1

أقسام صاحب الخبر

1.  صاحب خبر الوزير

تحكي رواية تاريخية أن صاحب خبر الوزير أبي الحسن بن الفرات كتب إلى الوزير أبي الحسن يستأذنه بدخول ناصح إليه لأمر مهم لا يفضي فيه إلا الوزير وبمعزل عن الناس، ولما دخل الناصح على الوزير أفرغ ما في جعبته بخصوص المناهض للسلطة محمد بن داود.

وقال إنه يعرف موضعه الذي بات فيه ليلة البارحة، فدعا الوزير حاجبه مع عدد من الرجال لإلقاء القبض على المذكور، وحين فتشوا المكان لم يعثروا له على أثر، فأعيد المتنصح إلى الوزير الذي أنزل العقوبة بحقه وهي 200 مقرعة ثم شهَّر به على جمل، ثم نودي عليه: «هذا جزاء من يسعى بالباطل».

2. صاحب خبر الوالي

بث عضد الدولة جواسيسه في كل مكان وبين مختلف طبقات الشعب لينقلوا له الأخبار، ويترصدوا المواقف من كثب، وكان المخالف يُقاد إلى بغداد لينال جزاءه العادل، وكان أن تشاجر أحد الجواسيس مع شيخ في مصر بشأن درهم لا يصلح للتداول، ولما اشتد الشجار بينهما أغلظ الشيخ له بالشتم ولمن أمر بضرب الدرهم.

فاقتيد إلى بغداد حتى مَثُل بين يدي عضد الدولة، وتعرض للمسألة والمحاسبة حتى انتشر خبر ذلك بين الأمصار فصاروا يقولون الحذر الحذر.

3. صاحب خبر صاحب الشرطة وقائد الجند

كان منصب صاحب الشرطة مستقلًا عن منصب صاحب الخبر، ولا علاقة لصاحب الخبر بصاحب الشرطة إطلاقًا، ولا يتبع تنظيمات الشرطة.

كان للشرطة بعده تنظيم من تنظيمات الدولة عناصرها السرية الخاصة، وكان أفراد هذه العناصر السرية الخاصة يقدمون تقاريرهم السرية الخاصة إلى صاحب الشرطة واسمها (رقاع أصحاب الشرطة)، يخبره كل واحد منهم بخبر يومه وما جرى في عمله، فضلًا عن مراقبة نساء الوزراء والأمراء المبعدين من الخدمة،

وكان لرجال الشرطة عيون ومعتمدون مهمتهم جمع الأخبار ومتابعة المجرمين والتعرف إلى أخبارهم، وكانت الشرطة تستعين بالتوابين، وهم اللصوص السابقون ممن تركوا السرقة فعملت الشرطة على استمالتهم وكسب ثقتهم، ودفعت لهم رواتب شهرية لكي يقدموا المعلومات عن حركة هؤلاء اللصوص ومرتكبي الجرائم الآخرين.

وكان رئيس مخبري الشرطة من المقربين لصاحب الشرطة، وقد تفنن في استخدام المخبرين للعمل بانتظام في دوائر الدولة وتقصي المعلومات والأخبار من عملهم اليومي ضمن العاملين والموظفين، وشمل عملهم السجون، فقد كانوا يدخلون السجن كسجناء ويبنون علاقاتهم الشخصية بالنزلاء، وبذلك يكشفون حقيقة الجرائم ودور هؤلاء فيها، ويعرفون الظالم من المظلوم.

إضافة إلى تقمص شخصيات أعداء الخليفة من المعارضين والزندقة لمعرفة الأخطار التي يكنزونها للخليفة، رفع صاحب الخبر إلى المنصور أن مطيع بن إياس زنديق، وأنه يعاشر ابنه جعفرًا وعددًا من آل بيته، ويكاد يفسد دينهم لينتسبوا إلى مذهبهم.

انفعل المهدي عندما سمع أن أباه الخليفة يريد أن يجعل أخاه جعفرًا وليًا للعهد، فقال لعمارة بن حمزة إنه سيقتل أباه إن فعل ذلك، فلما دخل عمارة على الخليفة يريد إبلاغه بذلك قال له الخليفة: «أنا أخبرك قبل أن تخبرني، جاءك المهدي فقال كيت وكيت»، فتعجب من ذلك وقال: «والله يا أمير المؤمنين لكأنك حاضر ثالثنا».

4. صاحب خبر الخليفة على العسكر

كانت نشاطات أصحاب الأخبار قد ضمت كل شيء بما في ذلك الجيش والعاملين فيه من القادة والجنود.

5. صاحب خبر الخليفة على الولاة والقضاة

ولم يترك الخلفاء الأمراءَ والقضاةَ بمبعد عنهم، بل وُكِّل بهم أصحاب أخبار يترصد بهم وينقل أخبارهم أولًا بأول، وكثير من أحوال الولاة الذين أقيلوا أو عوقبوا بناء على المعلومات الواردة من صاحب الخبر، وكذلك الحال مع القضاة.

كان العوفي قاضيًا في بغداد، وكانت لحيته تبلغ ركبته، وقد اشتكت عنده إحدى النساء على خصم لها، فبدأ يكثر في الاستفهام حتى ضجرت المرأة من كثرة أسئلته، فقالت له: «طالت لحيتك وعظمت غفلتك أيها الشيخ، والله ما رأيت ميتًا يقضي بين الأحياء غيرك»، وعندما سمع صاحب الخبر الحكاية أدرك فقدان القاضي للأهلية والكفاءة وكتب للخليفة بذلك فصرفه الخليفة.

6. صاحب الخبر على العلماء والفقهاء

كان أصحاب الأخبار يتسابقون فيما بينهم، فلم يتركوا نشاطًا إلا كان لهم فيه شأن حتى الأحلام التي يرونها في نومهم كانت تنقل إلى الخليفة، ومنها خبر الحلم المنظوم شعرًا لصالح بن أحمد بن حنبل الذي رأى في نومه قائلًا يقول: «ملك يقاد إلى مليك عادل متفضل بالعفو ليس بجائر»، فارتاحت نفس الخليفة المتوكل إليه.

7. صاحب الخبر على الشعراء والمعارضة والسجون

يتفانى صاحب الخبر إلى أبعد الحدود في خدمة الخليفة ضد أي جهة تهدد سلطة الخلافة، ومنها أن الخليفة المنصور قال لمعن بن زائدة: «بلغني عنك شيء ذو بال، فلولا مكانتك عندي وحسن رأيي فيك لغضبت عليك»، فرد عله معن: «وما ذلك يا أمير المؤمنين؟»، قال: «أن تعطي شاعرًا ألف دينار لقوله فيك:

معن بن زائدة الذي زيدت به      شرفًا على شرف بنو شيبان

فقال له معن: «والله ما كافأته على هذه، لكن لقوله فيك:

ما زلت يوم الهاشمية معلمًا       بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاؤه       من وقع كل مهند وحسام

فقال له الخليفة: «لله درك من إعرابي، ما أهون عليك ما يعز على الرجال من أهل الحزم والعزم»، ونجد كثيرًا مما لا يتسع ذكره من هذه الأخبار.

كما حبس الرشيد أبا العتاهية وضربه عام 807م بسبب تقرير رفعه عنه صاحب الخبر، وضمه ما لا يرضي الخليفة، وقرر أن يوكّل به في السجن صاحب خبر يسمع عنه ما يقول في سجنه، وذات يوم نقل عنه أنه قال:

أما والله إن الظلم لؤم           وما زال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي      وعند الله تجتمع الخصوم.

وعندما تلاها على الخليفة رق قلبه وندم على ما عمل به، واستدعاه وأكرمه بألف دينار.

اقرأ أيضًا بداية المماليك و حكمهم و نهايتهم.. معلومات لا تفوتك

العيون والتجسس

العيون تعد عناصر قتالية فعالة، وإن لم تباشر القتال فهي تعمل داخل صفوف العدو، وتعمل على الكشف عن نياته، وتفضح خططه، ولا توضع الخطط الحربية إلا بناء على ما تقدمه العيون من معلومات.

شروط العاملين عيونًا على العدو

- أن يكونوا أوثق الجنود نصيحة وأكثرهم صدقًا.

- أن يكونوا كتومي السر، فإن فلتات اللسان يمكن أن تنهي كل شيء.

- له خبرة بجميع أنحاء البلاد عارف بلغتها كيلا يفطن له العدو ويكشف أمره.

- صبور على العقاب والتعذيب.

التجسس لغة: «التجسس لغة من الجس وهو اللمس باليد، وجس الشيء بيده يجسه جسًا: جسه بيده ليتعرفه، وجس الشخص بعينه أحدق النظر إليه ليستبينه ويتبينه، ومنه جاء جس الخبر، والتجسس هو التفتيش عن بواطن الأمور».

وجس الخبر وتجسسه بحث عنه وفحص أو البحث عما يكتب عنك والتجسس بالجيم والتحسس بالحاء معناهما واحد، وهو البحث عن الأخبار وتفحصها بصورة خفية ومعرفة الأمور والبحث عنها وطلبها.

والجاسوس هو صاحب السر كالناموس غير أن الأول أكثر ما يقال لصاحب سر الشر بخلاف الثاني الذي يطلق على صاحب سر الخير.

الجاسوس هو العين التي تتجسس الأخبار ثم تأتي بها، ذلك لأن عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، فكأن جميع جسده صار عينًا، لذلك فإن كلمة الجاسوس والعين متلازمتان فالجاسوس تستعمل للدلالة على العين الذي يرسل على صفوف الأعداء ليتجسس الأخبار.

والتجسس نوع من أنواع العمل الاستخباري هدفه الحصول على المعلومات التي تفيد في تلافي الأخطار التي تهدد الأمن.

ولكن معنى التجسس هو الفعل الذي يحصل منه الشخص أو يحاول أن يحصل منه على معلومات سرية فيسلمها لدولة أخرى.

لقد اهتم العباسيون بالجاسوسية حتى صار كل فريق ينشر الجواسيس ضد الآخر، وقد تمكن خلفاء العباسيين من إخماد الثورات وغيرها بتقصي الأخبار تباعًا واستثمارها استثمارًا صحيحًا.

وكان من أساليب تقصي الأخبار التنكر والتخفي والاندساس بين صفوف الناس وتقصي الأخبار، وقد انخرط أكثر من 1700 امرأة في سلك المراقبة والترصد شأنهن شأن الرجال العاملين في هذا المجال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة