في عالم المبيعات الذي يزخر بالنظريات المعقدة والتقنيات الرقمية، تظل هناك مبادئ أساسية خالدة لا تتغير. ويُعد كتاب «كيف تبيع أي شيء لأي إنسان» للأسطورة جو جيرارد دليلاً عمليًا على ذلك، ومن أفضل الكتب عن البيع. لم يكن جيرارد كاتبًا فقط، بل هو البائع الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية (Guinness World Records) بصفته أفضل رجل مبيعات في العالم، فقد باع أكثر من 13,000 سيارة فرديًّا.
تنبع قوة هذا الكتاب من كونه خلاصة تجربة حقيقية مملوءة بالدروس القاسية والنجاحات الباهرة، في هذا المقال، نغوص في أهم الإستراتيجيات التي حوَّلت جو جيرارد من ماسح أحذية إلى ملك المبيعات، ونكتشف كيف لا تزال فلسفته فعالة حتى اليوم.
نبذة عن حياة جو جيرارد قبل النجاح
حكى جو جيرارد في بداية كتابه عن طفولته، وكيف عانى وضُرب من أبيه، وعمل في كثير من الوظائف من أجل إعالة منزلهم. من بين هذه الوظائف: ماسح للأحذية قرب الحانات، وعمل في مجال تشييد المنازل. وبعد أن تقاعد صاحب العمل، تولى جو جيرارد العمل بدلًا عنه، وسارت الأمور على نحو جيد، حتى خُدع جو جيرارد من شخص باعه أرضًا ليس فيها نظام تصريف صحي. وبعد أن بنى المنازل وعرضها لبعض الأشخاص لشرائها، كانوا يقولون إنهم سيأتون بعد توصيل خدمات الصرف الصحي.

وبعد أن ذهب جو ليتحقق من الموضوع، اكتشف أن الحكومة لا تنوي في القريب العاجل أن توصل خدمات الصرف الصحي، وحينئذ انهار عمل جو جيرارد وأصبح مدينًا بالمال. بعدها، انتقل إلى مجال بيع السيارات، ووقتئذ اكتشف حبه وشغفه للبيع.
أهم 8 دروس في فن البيع من الأسطورة جو جيرارد
استخدمها جو جيرارد استراتيجيات ووجدها فعّالة في البيع هي:
1- الزبون إنسان مثلك والبيع علاقة إنسانية
يرى جو جيرارد أن مسمى «زبون» سيئًا، وأنه من السيئ للغاية أن تدعو شخصًا يدخل إليك ليعطيك ماله «زبونًا». وهذا المسمى يخلق سلوكًا سلبيًا تجاه الشخص الذي يريد أن يشتري منك منتجًا ما، فالعملاء جميعهم أشخاص وأناس لديهم مشاعر واحتياجات، على الرغم من أن مندوبي المبيعات يرونهم على أنهم من سلالة مختلفة.
الوقت ثمين في عالم البيع، ويلتقي رجال المبيعات بكثير من الأشخاص الذين لا يبدون جادين في الشراء. وتلك هي المشكلة، وذلك هو السبب الذي يدفع رجال المبيعات إلى نعت الشخص بـ«الزبون». وما عليك أن تتذكره هو أن العميل يشعر ببعض الخوف عند دخوله عليك، وسبب خوف العملاء هو أن رجال المبيعات لا يتمتعون بسمعة طيبة، ويتناقل بين الناس أنهم يحاولون الحصول على كثير من المال من الناس.
ومن الأسباب التي تجعل رجال المبيعات يصفون العملاء بالزبائن أنهم يراوغون ويكذبون، ويستهلكون الوقت الذي هو أثمن شيء في عالم المبيعات، لكن سبب ذلك أنهم خائفون ويملؤهم الشك.

ويعد جو جيرارد البيع مثل الحرب، لكنها حرب دون إراقة دماء، والهدف منها التوصل إلى طريقة مرضية للحصول على المال وإرضاء العميل. وإنك لن تستطيع أن تبيع لشخص تعدُّه زبونًا، إنما تستطيع أن تبيع له إذا عددته عميلًا يستحق الاحترام والتقدير.
2- قانون جيرارد للشبكات (The Law of 250): كل عميل هو بوابة لمئتين وخمسين آخرين
لدى جو جيرارد قاعدة شديدة الصرامة، ألا وهي: أنه مهما كانت مشاعره تجاه ذاته أو تجاه من يلتقي بهم، فإنه لا يسمح لها بالتدخل في عمله. وقاعدة الـ 250 تعني أن كل شخص يعرف 250 شخصًا في حياته، يهمونه حتى دعوتهم لحضور حفل زفافه، أو من يحضر جنازته إذا توفي. فإنك إذا قابلت 50 شخصًا في الأسبوع، ولم يسعد سوى شخصين منهم فقط بالأسلوب الذي عاملته بهما، فمع نهاية العام سيكون هناك نحو 5000 شخص قد تأثروا بهذين الشخصين. ولا يمكنك تحمُّل عواقب خروج أحد الأشخاص وهو غير راضٍ؛ لأن الشخص العادي يؤثر في 250 شخصًا.
ومعظم مبيعات الكاتب من أشخاص يخبرون أشخاصًا آخرين عنه، وعندما يتصرف أحدهم بإشارة استهزاء أو غضب، تخاطر بتشويه سمعتك أمام ما لا يقل عن 250 شخصًا آخر. وفي كل مرة تُصرِّف فيها عميلًا جديدًا، فأنت تُصرِّف معه 250 عميلًا آخر.
3- تجنَّب «نادي الفاشلين» وركِّز على العمل لا الثرثرة
معنى هذا المصطلح عدم الانضمام إلى شِلَّة الأغبياء أو الحمقى «كما يصف جو جيرارد» في مكان عملك، إذ يجتمع الشباب معًا في الصباح ويمضون وقتهم في مناقشة ما فعلوه الليلة الماضية، أو في مناقشة شكاوى زوجاتهم، أو في مناقشة أي موضوع آخر لا علاقة له بالعمل.
وفي بداية عمل جو جيرارد بمهنة بيع السيارات باع 18 سيارة في الشهر الأول، وبعد ذلك فُصِل من العمل لأن الذين يعملون معه اعترضوا على مبيعاته، وعندما انتقل إلى وكالة أخرى «يعمل فيها حتى الآن» أخبره مدير المبيعات ألّا يضيّع وقته داخل الصالة في مصادقة رجال المبيعات الآخرين.
وبدأ جو جيرارد في تعلُّم ذلك الدرس، لكنه علم أيضًا أنه لا فائدة من تحويلهم إلى أعداء، لذلك أصبح حذرًا؛ لذلك يقول: لا تنضم إلى النادي، وعوضًا عن ذلك وظِّف كامل وقتك لخلق فرص جديدة.
4- املأ مقاعد العجلة الدوارة.. كيف تملأ قائمة العملاء باستمرار؟
البيع الناجح هو زراعة وحصاد في أرض تنمو فيها النباتات على مدار العام، وهو أيضًا كالعجلة الدوّارة؛ فالشخص المسؤول عنها يملأ المقاعد ويدير العجلة بعد أن تكتمل مقاعدها، ثم بعد أن تأخذ دورتها تتوقف لتبدأ عملية الإفراغ والملء من جديد.
يُشبه جو جيرارد البيع الناجح بالعجلة الدوّارة؛ فالعجلة تدور دائمًا مدة قصيرة فقط ثم تتوقف ليتسنى لبعض الأشخاص الذين استطعت أن تبيع لهم النزول منها مدة، ويبدأ في ركوبها أولئك الآخرون الذين شرعت في البيع لهم.
ويقصد جو جيرارد بملء مقاعد العجلة الدوّارة أن تضع قائمة بالعملاء المحتملين، وأن تدع الناس يعرفون المنتج الذي تبيعه.
5- املأ صندوق أدواتك واستخدمه في جميع الأوقات
من الأدوات الناجحة التي استخدمها جو جيرارد لتأسيس عمله هي: الهاتف، والملفات، والبريد، وبطاقات العمل الشخصية، ونظام اصطياد العملاء باستخدام وسطاء، ويُعدّ الهاتف، وصندوق البريد، والقلم، وملف العملاء المحتملين، وبطاقات العمل الشخصية من أثمن الأدوات في عالم البيع.

6- ابنِ جيشًا من الوسطاء لجذل العملاء (Bird Dogs)
يقصد بجلب العملاء باستخدام وسطاء تجنيد الأشخاص والدفع لهم مقابل ما يجلبونه من صفقات.
ويجب عليك اتباع قاعدة شديدة الصرامة في السداد للوسطاء؛ إذ عليك أن تسدد لهم ولا تماطلهم. ومن أمثلة الأشخاص الذين يمكن استخدامهم وسطاءً الحلاقين؛ فالحلاقون يقابلون ويتكلمون مع كثير من الأشخاص في يومهم. ويذكر جو جيرارد أنه باع 550 سيارة عبر الوسطاء.
7- الصدق والأمانة في البيع خير سياسة
قول الحقيقة عادةً ما يكون في صالحك، خاصةً إذا كان يتعلق بشيء يمكن للعميل أن يتحقّق منه لاحقًا. وإذا أدرك العميل أنك خدعته ستكون في موقف سيئ، لأنه سيتحدث بالسوء عنك أكثر من 250 شخصًا. فالغاية أن يثق فيك العميل وأنت تبيع له، وأن يثق فيك بعد أن تبيع له.
8- ابحث عن «رائحة السيارة الجديدة» في منتجك
أكثر ما يجذب الناس في السيارة الجديدة هو الرائحة؛ حتى إذا كنت مغمض العينين فيمكنك أن تدرك أنك أمام سيارة جديدة. فملمس السيارة ورؤيتها يجعل الناس متشوقين إلى امتلاكها، ولا شيء يجعلهم أكثر تشويقًا إلى امتلاكها من الرائحة. والناس بطبيعتها تحب تجربة الأشياء ولمسها واستخدامها، فأيًّا كان ما تبيعه ابحث عن طرق تستطيع أن تقدّم بيانًا عمليًا لمنتجك. فإذا استطعت أن تصل إلى حواس العملاء، فأنت بذلك تصل إلى مشاعرهم، وأيًّا كان ما تبيعه فستجد ما يوازي «رائحة السيارة الجديدة».
ضع نفسك مكان العميل، وفكّر فيما أعجبك أو لمسته بأحد المنتجات عند شرائه، ثم استخدم تلك الخبرة لتبيع متعة الحصول على المنتج وإثارته.
يوجد عدد من الطرق والقصص التي وردت في الكتاب، لكن لا يسع المقال ذكرها. ويمكنك اقتناء الكتاب، وستستمتع وتستفيد منه بكل تأكيد.
إن فلسفة جو جيرارد مع سهولتها الظاهرية، تحمل في طياتها عمقًا كبيرًا، فهي تؤكد أن النجاح في المبيعات لا يعتمد على الخداع أو الضغط، بل على بناء الثقة، وتوسيع الشبكات، والعمل الجاد المستمر، ومعاملة كل عميل كأنه أهم شخص في العالم. هذه الدروس التي جعلت من جو جيرارد أسطورة في عالم بيع السيارات، لا تزال حتى اليوم الدليل الأكثر فعالية لتحقيق النجاح في أي مجال من مجالات البيع؛ لأنها ببساطة، تنشأ على الإنسان أولًا وأخيرًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.