إن دراسة النحو العربي تُكتسب أهمية بالغة عند كل أديب أو كاتب أو قارئ، فلا يمكن أن يستغني عنه أحد في أي مرحلة من مراحل دراسته أو تدريسه أو وظيفته، فالنحو يلازم المتكلم بالعربية ملازمة الظل لصاحبه، وبدونه لا يفهم معنى الكلام، فبه نستطيع أن نميِّز الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، والصفة من الموصوف، وبالتالي نعرف معنى ومغزى الكلام وهكذا.
وفي هذا الصدد سننشر بإذن الله تعالى وعلى مدار حلقات متتابعة دروساً ملخصة في النحو العربي، وسنبدأ بما كان يبدأ به المؤلفون الأقدمون للنحو، فكانوا يبدؤون بباب الكلام؛ لأن الكلام أساساً هو الذي يقع فيه التفاهم والتخاطب والتواصل بين الأفراد.
إذن، في هذه الحلقة سنتكلم عن الكلام، متى يعتبر كلاماً عند النحويين؟
فالكلام عند النحويين لا يعتبر كلاماً إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط:
- أن يكون لفظاً، يعني ملفوظاً به، مشتملاً على بعض الحروف الهجائية المعروفة عند العرب "ا، ب، ت، ث، ..." إلخ، احترازاً مما يفهم معناه وليس ملفوظاً به: كالإشارة والكتابة ونحوهما مما يعرف معناه وليس ملفوظاً به.
- أن يكون مركباً، يعني من كلمتين فأكثر، مثل: (محمد قائم).
واحترزوا من التركيب الذي يعرف عند النحويين بالتركيب المزجي مثل: سيبويه أو بعلبك أو حضرموت، هذه الكلمات وإن تركبت من كلمتين مزجت ببعضهما؛ فأطلق عليها اسم التركيب المزجي؛ لأن المزج في اللغة هو الخلط، ولا تعتبر كلاماً عند النحويين.
كذلك احترزوا من التركيب الإضافي؛ لأنه وإن تركب من كلمتين لأن الشرط الثالث الذي سنتكلم عليه بعدُ غير متوفر فيه وهو الإفادة مثل: عبد الله، غلام زيد، وقِسْ عليهما أشباههما.
كذلك احترزوا مما تركَّب من كلمتين فأكثر، لكن معناه متوقف على غيره: كجملة الشرط مثل: (إن جاء زيد) فمعناها متوقف على جواب الشرط، فهي في هذا التركيب لا تعتبر كلاماً عند النحويين، لكنك إن قلت: إن جاء زيد أكرمته – مثلاً - صار كلاماً معتبراً عندهم.
3.الإفادة: يعني أن يكون الكلام أفاد فائدة يحسن سكوت المتكلم عليها، بحيث لا يسير السامع منتظراً لشيء آخر مثل: (محمد قائم)، فإن مثل هذه الجملة إذا ما سمعها السامع أفاده فائدة لم تكن عنده ألا وهي الإخبار عن قيام زيد؛ لأنه قبل ذلك كان يجهله، وهي جملة تامة مكونة من مبتدأ وخبر.
4أن يكون موضوعاً وضعاً عربياً، فإذا ما كان الكلام ليس بلفظ عربي لا يعتبر كلاماً عند النحويين.
فمثل هذا المثال "محمدٌ قائمٌ" يعتبر كلاماً عند النحويين لتوفر جميع الشروط فيه وهي:
1.هو لفظ لاشتماله على بعض الحروف الهجائيّة (م ح م د ق ا ئ م).
2. هو مركب من كلمتين: الأولى هي محمد، والثانية قائم.
3.هو مفيد، أفاد فائدة لم تكن عند السامع.
4.هو موضوع وضعاً عربياً.
الخلاصة:
الكلام في عرف النحاة لا يعتبر كلاماً إلا إذا اجتمعت فيه هذه الشروط الأربعة وهي: اللفظ والتركيب والإفادة وأن يكون موضوعاً وضعاً عربياً.
وإليكم بعض الأمثلة للتوضيح:
محمد كاتب.
في الدار خالد.
أكل النورسُ الدودةَ.
لم يأت التلميذ إلى المدرسة.
"إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)".
سافرت مع أبي إلى المدينة.
هذه الأمثلة كلها تعتبر كلاماً عند النحويين لتوفر جميع الشروط التي اشترطوها فيها.
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.