خلاصة ما تعلمته في عامي 19.. نصائح حياتية بعيدًا عن أوهام التنمية البشرية

هل تساءلت يومًا ماذا لو جمعت خلاصة ما تعلمته في عام (365 يومًا) في نصائح عملية وجريئة، دون أي تهويل أو كلمات مكررة من كتب التنمية البشرية؟

هذه المقالة هي استمرارية لما بدأتُه في سن الـ 18، لكن هذه المرة سأكون أكثر صراحة ووضوحًا. ستجد هنا نصائح حياتية من التجربة المباشرة، لم تُستوحَ من أي كتاب، بل صيغت لتساعدك على رؤية حياتك كاملة.

هيا بنا، لننطلق معًا في رحلة دروس الحياة في سن العشرين، لنكتشف كيف تتخذ قرارات صائبة، وكيف تتجنب أوهام النجاح وأخطاء التسرع في القرارات.

1. انظر دائمًا إلى صورة حياتك الكاملة

لطالما نتردد قبل اتخاذ القرار في حياتنا، وقد اشتهر المثل القائل No Risk, No Fun بيننا، وتلك حقيقة؛ فلا أحد يعلم ما يُخبئ له المستقبل، وما نعلمه خيرٌ مما لا نعلمه كما نقول. لكن الحياة سريعة الوتيرة يا صديقي، وهذا العام الذي على وشك البدء قد تظنه طويلًا، لكن حالما تنتهي أيامه، فمن الخير التفكير فيما تريده في الغد وأن تتخذ له القرار اليوم، بل الآن.

أيًا كان هذا الشيء أو هذا الهدف، فليست هناك أي لحظة أفضل لاتخاذه سوى الآن. ستجبرك الأيام على ظروف لن تألفها، وستلتهمك بل ستسحقك الساعات والأسابيع والشهور، وتلك الظروف، إن تجاهلت أهدافك وقراراتك، قد تعيد تشكيل مصيرك وشخصيتك وحياتك.

2. لا تبحث عمَّن يعترف بمجهودك.. النجاح الحقيقي يُصنع في صمت

من أهم نصائح حياتية بعيدة عن التنمية البشرية التي تعلمتها بمرارة: لا تبحث عمَّن يعترف بمجهودك، ولكن اجعل مجهودك هو من يعترف بك.

أتذكر أنه في عامي الجامعي الثاني فزتُ بالمركز الثالث في اللغة الإنجليزية في مسابقة ترجمة الأدب الشعبي بلغات العالم، التابعة لجامعة القاهرة، وكُرِّمت من رئيس جامعة القاهرة بذاته. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأمر عندي في جامعة أسيوط، أو حتى في كليتي، كان مختلفًا؛ إذ لم أجد منشور تهنئة واحدًا على صفحة الكلية، كما فعلت أغلب الجامعات مع الفائزين، على الرغم من أنني كنت الممثل الوحيد لجامعة أسيوط.

والحقيقة أنني لست هنا لأصبَّ جام غضبي، ولكن يبقى أنني فعلًا حققت هذا الإنجاز، ولا يهمُّ الاعتراف أو عدم الاعتراف بمجهودي من الآخرين؛ فذلك المجهود هو الذي دفعني إلى الفوز والتكريم من رئيس جامعة القاهرة يوم 25 ديسمبر عام 2024.

وقد اكتسبتُ من تجربة المسابقة خبرةً واسعة في ترجمة النصوص والقصص باللغة العامية، وساعدني ذلك على ترجمة رواية «عذراء دنشواي» للكاتب محمود طاهر حقي إلى الإنجليزية. وأتعجَّب بعد ذلك -سبحان الله- من قيام جروب كليتي بنشر منشور تهنئة عن ترجمتي للرواية، واعتبار ذلك إنجازًا عظيمًا لمن هو في الفرقة الثالثة.

النجاح الحقيقي يصنع في صمت

3. قاعدة التعامل مع البشر: الاعتماد على النفس

أحسنِ الظنَّ في الناس، واعتمدْ على نفسك كأنَّه لا خيرَ في أحد. لا تهدف هذه النصيحة إلى التحريض على سوء الظن بالآخرين، لكنها تسعى إلى إيصال فكرة بسيطة: أنت أنت، وهم هم. وهذا هو جوهر الاعتماد على النفس الحقيقي.

ماذا يعني ذلك؟ هذه ليست غطرسة ولا تكبُّرًا، بل واقعًا صِرفًا. اعتمد على زميلك في العمل، نعم، ولكن لا تظن أنه سيُفضِّل ترقيتك على ترقيته. سيساعدك احترامًا لك، لكنه لن يُقدِّمك على نفسه؛ فكما لك حياتك الخاصة، له حياته أيضًا.

الاعتماد على النفس ثقة في القدرات

4. كفاك استعراضًا، وكن عمليًّا

كم مرة نقول بالعامية عن شخص ما: «ده منفوخ على الفاضي». ومهما بلغت إنجازاتك الشخصية، تبقى هي حياتك في الأول والأخير، وأمامك أيام طويلة لتتعلَّم فيها. فإذا انشغلتَ باستعراض مهاراتك، لا لشيء إلا لإبراز عضلاتك أمام الآخرين، فستهلك لا محالة، وسيأتي يوم تندم فيه على كل لحظة ضيَّعتها في الاستعراض بعيدًا عن أرض المعركة الحقيقية.

عُد إلى أرض المعركة؛ فهناك ستجد الوحش الكاسر الحقيقي في انتظارك. وتذكَّر قول الفيلسوف فريدريك نيتشه: «ما لا يقتلك يجعلك أقوى»، وخذها من القول المأثور: لا يشحذ الحديد إلا الحديد، لا التباهي والاستعراض ولا فرد العضلات.

5. فقه الأولويات: كيف تستغل شبابك ووقتك؟

مرَّ عليَّ أكثر من عامين منذ دخولي الجامعة، ونادرًا ما ينتهي يومي وأنا راضٍ عن نفسي؛ بمعنى أنني لا أجد أنني أنهيتُ كل مهامي. حتى إن أنجزتُ المهام الأساسية، يظلُّ أمامي كثير.

نعم، بالأمس ذاكرتُ ما عليَّ، لكنني لم أقرأ من الرواية الإنجليزية التي أتابعها، فأقول لنفسي: يا إلهي، سأهجر القراءة! واليوم قضيتُ أغلب الوقت في قراءة الرواية الإنجليزية، لكنني ذاكرتُ قليلًا، فأعود لأقول: يا إلهي، سيضيع تقديري هذا العام! وكان هذا النوع من التوبيخ الذاتي ينخر في عظامي كل يوم، ولا سيما في لحظة كتابة مهام اليوم التالي قبل النوم.

تأمَّل معي هذا الحديث النبوي صحيح الإسناد: عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما طلعت شمسٌ قط إلَّا بعث بِجنبَتَيها ملكانِ ينادِيان يُسمعان أهلَ الأرضِ إلَّا الثقلينِ يا أيُّها الناسُ هلُموا إلى ربِّكم فإنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثُر وألْهَى...».

فإذا كان ما قلَّ وكفى خيرًا مما كثر وألهى، فهذا هو الحل لمشكلتي: المذاكرة وحدها تكفي لأن تأخذ الأولوية، ولا مانع بعد ذلك من الترويح عن النفس بساعة أو ساعتين من القراءة يوميًا، دون شعور بالذنب أو جلد للذات.

استغلال الوقت والشباب مفتاح النمو الشخصي

6. قد يتحوَّل فرحُك بالنجاح إلى سراب

النجاح جميل، لكن المبالغة وغلوَّ النفس قد يحوِّلان النجاح إلى سراب يُغشي الذهن، ويجعلك تظن أنك حققتَ شيئًا، وأنت ما زلت -كما نقول بالعامية- «بتقول بسم الله الرحمن الرحيم في حياتك» وإن كان الاعتداد بالنفس آفة المبتدئين عمومًا.

نعم، افرح بنجاحك، لكن لا تُبالغ؛ فإن الله لا يحبُّ الفرحين، أي المعجبين بأنفسهم. الزهو والمبالغة آفتان. وأرجِع دائمًا النجاح والتوفيق إلى الله، الذي رزقك العقل وسائر النِّعم. واجعل نجاحك موطئَ قدمٍ لمزيد من النجاحات، وسُلَّمًا لمزيد من التفوُّق. واجعله الفصل الأول في كتابٍ مليء بالفصول والإنجازات، لا الفصل الأخير… من أوِّلها.

7. الندم نتيجةٌ حتمية لـ (أخطاء التسرع في القرارات)

«المشكلة هي أنك ركضتَ مسرعًا حين سمعتَ النداء، في حين كلُّ ما كان عليك فعله هو أن تلتفت». الاقتباس من رواية «الإخوة كارامازوف»، إحدى الروايات التي قرأتها هذا العام.

كلٌّ منّا لديه قائمة تطول -هذا العام أو كل عام صراحةً- بمواقف تسرَّعنا فيها، واتخذنا قرارات مصيرية، ثم ندمنا على استعجالنا. وكلما تذكَّرنا تلك القرارات، انهال علينا الضمير بسوطه، قائلًا: لا وقت للتغيير، يا ليتك تعود إلى الماضي لتغيِّر هذه النتيجة المروِّعة.

فنردُّ على ضميرنا: لا مجال للعودة، عليَّ أن أعضَّ على الجرح، وأتقبَّل هذه النتيجة، وأستغلُّها لتحسين ما هو قادم. لكننا في الحقيقة بشر في الأول والآخر، ومغلوبون على أمرنا. لا نتعلَّم إلا بعد الوقوع في العثرات. نعم، نشقى لنتعلَّم التروِّي قبل اتخاذ القرارات، لكن تلك هي ضريبة بني آدم؛ يدفعها شاء أم أبى، مرةً بعد مرة، ويتعلَّم -إن أحسن- من أخطائه، أو على الأقل من أخطاء غيره ومن أخطائه.

8. استغلال الوقت والشباب.. اغتنم خمسًا قبل خمس

قال رسول الله ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم وصححه).

من منَّا لم يستيقظ يومًا على نزلة برد أصابته، فجعلته طريح الفراش ليومٍ أو أكثر؟ ومن منَّا لم يفقد قريبًا أو عزيزًا، فيذهب لتشييعه وتلقِّي عزائه؟ بلى، لقد صدق دوستويفسكي حين قال في رواية الجريمة والعقاب: «بكوا في أول الأمر، ثم ألفوا وتعودوا. إن الإنسان يعتاد كل شيء، يا له من حقير!». وفي صُلب المعنى قال الإمام أحمد رحمه الله: «ما شبَّهتُ الشبابَ إلا بشيءٍ كان في كُمِّي فسقط».

اليوم، من هم مثلي على أعتاب سنِّ العشرين، لا نخشـى -بعد الخوف من الله- إلا ذلك المستقبل المجهول الذي نخطو نحوه كل دقيقة. منَّا من يضيِّع وقته في التفاهات، ومنَّا من يُحسن استغلال أغلبه. لكنها صحتك وشبابك يا صديقي، فلا تتهاون فيهما؛ فأنت تستحق حياةً تفخر بها، وحكايةً تُروى للأحفاد، ودرسًا تتعلَّم منه الأجيال، لا مجرَّد عظةٍ تمرُّ دون أثر.

الفصول القادمة بيدك

في سن الـ 19، تعلمت أن الحياة قصيرة، والفرص تمر بسرعة، وأن كل لحظة يمكن أن تصنع فرقًا.

نعم أقولها لك صراحةً: الاعتماد على النفس، واستغلال الوقت والشباب، وعدم التفريط في الفرح بالنجاح أو الندم على أخطاء التسرع في القرارات، هي مفاتيحك الحقيقية. بل اجعل كل خطوة درسًا، وكل قرار فرصة لتصبح أقوى.

حياتك كتاب مفتوح، والفصول القادمة بيدك: اجعلها مملوءة بالإنجازات، لا صفحات تمر مرور الكرام، وأخيرًا، لا تتوقف عن المضي قدُمًا مهما حدث أو طال بك العمر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة