الوقوع في الحب لا يمكن أن يثير الشعور بالبهجة الذي يحدثه تعاطي الكوكايين فقط، بل يؤثر أيضًا في مناطق عدة في جسم المحب ونفسيته.
لذا دعونا ندردش قليلًا في الحب، ونستكشف أغواره، لكن على أساس علمي مبسط من النظرة الأولى إلى مراحله المتقدمة.
اقرأ أيضًا ما تعريف الحب؟ وما علاماته؟
هل يقع القلب في الحب أم العقل؟
هذا سؤال صعب دائمًا لا سيما أن الوقوع فيه يستغرق نحو خمس الثانية فقط، أود أن أقول الدماغ، لكن القلب مرتبط أيضًا؛ لأن المفهوم المعقد للحب يتشكل من عمليات تبادل من أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل، من الدماغ إلى القلب وبالعكس.
فعلى سبيل المثال؛ يولد التنشيط في بعض أجزاء من الدماغ تحفيزًا للقلب، وبعض الأعراض التي نشعر بها أحيانًا مظهرًا من مظاهر القلب قد تأتي أحيانًا من الدماغ.
تعمل 12 منطقة من الدماغ جنبًا إلى جنب لإطلاق المواد الكيميائية المسببة للنشوة مثل الدوبامين والأوكسيتوسين والأدرينالين والفاسوبريسين، فيؤثر الشعور بالحب أيضًا في الوظائف المعرفية المتطورة؛ مثل التمثيل العقلي، وهو عملية تخيل واستدعاء أشياء غير موجودة أو مستحيلة الحدوث في الواقع.
اقرأ أيضًا الفرق بين الحب والعشق وتعريف كل منهما
هل الحب من النظرة الأولى له أساس علمي؟
وجد باحثون أن مستويات عامل نمو الأعصاب (nerve growth factor) في الدم تزداد ازديادًا ملحوظًا لدى المحب، وكانت هذه المستويات أعلى علوّا ملحوظًا لدى الأزواج الذين وقعوا للتو في الحب.
ويؤدي هذا الجزيء دورًا مهمًا في التجاذب المغناطيسي بالصدفة عبر العيون، أو في ظاهرة ما يعرف بـ (الحب من النظرة الأولى)، وتؤكد هذه النتائج أن الحب له أساس علمي.
ماذا عن الحب أعمى؟
إن التعرض إلى ضربة سهم كيوبيد قد يحبس أنفاسك، ويجعل قلبك ينبض بقوة عند رؤية الحبيب، فالوقوع في الحب يجعل جسمنا برمته يطلق فيضًا من المواد الكيميائية التي تساعد على الشعور بالسعادة التي تؤدي إلى تفاعلات جسدية محددة.
إن إكسير الحب الداخلي هذا هو المسؤول عن توهج خدودنا وتعرق أكفنا وتسارع قلوبنا.
علميًا ترتفع مستويات بعض الهرمونات، لا سيما الدوبامين (Dopamine) الذي يخلق مشاعر النشوة، في حين الأدرينالين والنورإبينفرين فهما مسؤولان عن خفقان القلب والأرق والانشغال العام الذي يترافق مع تجربة الحب.
تشير فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي إلى أن الحب يضيء مركز المتعة في الدماغ، فعندما نقع في الحب يزداد تدفق الدم في هذه المنطقة، وهي نفس الجزء من الدماغ المسؤول عن سلوكيات الوسواس القهري، ما قد يفسر سبب تركيزنا على المحبوب فقط في المراحل الأولى من العلاقة.
يحذر الأطباء من أن هذه الاستجابات الجسدية للحب قد تعمل في غير صالحنا، ونتيجة لذلك فإن عبارة (الحب أعمى) فكرة صحيحة؛ لأننا نميل إلى جعل شريكنا مثاليًا، ونرى فقط الأشياء التي نرغب في رؤيتها لا سيما في المراحل الأولى من العلاقة؛ لذلك قد يكون لدى الغرباء منظور أكثر موضوعية وعقلانية بشأن العلاقة مقارنة بالشخصين المعنيين بالأمر.
اقرأ أيضًا ما تعريف الحب؟ وهل يمكننا العيش بدون حب؟
هل يعد الحب مرضًا؟
رغم أن الحب لا يعد عادة مرضًا عضويًا فإنه غالبًا ما يوصف بأنه مرض، والمغرم به على أنه مريض بالحب.
ووصف الممثل الكوميدي جورج بيرنز الحب ذات مرة بأنه شيء يشبه آلام الظهر، فقال: «لا يظهر في الأشعة السينية، لكنك تعلم أنه موجود».
لم يثبت أبدًا أن الحب يجعلك مريضًا جسديًا رغم أنه يرفع مستويات الكورتيزول (cortisol)، وهو هرمون التوتر الذي ثبت أنه يثبط وظيفة المناعة.
ويعمل الحب أيضًا على تنشيط الناقل العصبي الدوبامين (neurotransmitter dopamine) المعروف بتحفيز مراكز المتعة في الدماغ، أضف إلى ذلك انخفاضًا في مستويات هرمون السعادة (السيروتونين)، وهو ما يضيف لمسة من الهوس والافتتان المجنون والممتع والمستعجل.
اقرأ أيضًا ما هو الحب وما تأثيره على نفسية الفرد وكيفية التعبير عنه
مراحل الحب
صحيح أن الحب له مراحله مثل القمر الذي يتشكل شكله الأسطوري بالتدريج، لكنه أمر معقد إلى حد ما، ولا نعرف عنه سوى القليل، فهو له مراحل وأمزجة مختلفة، وتختلف المرحلة الأولى من الحب تمامًا عن المراحل اللاحقة.
في سنة الحب الأولى تعود مستويات السيروتونين تدريجيًا إلى وضعها الطبيعي، وتصبح الجوانب الغبية والوسواسية للحالة قبل الارتباط معتدلة.
وتتبع تلك المرحلة زيادة في هرمون (الأوكسيتوسين)، وهو ناقل عصبي يرتبط بمرحلة الحب الأكثر هدوءًا ونضجًا.
فيساعد الهرمون على تقوية الروابط ورفع وظيفة المناعة، والبدء بمنح الفوائد الصحية للمتزوجين الذين يميلون إلى العيش مدة أطول، ويعانون عددًا أقل من السكتات الدماغية والنوبات القلبية ويكونون أقل اكتئابًا.
اقرأ أيضًا الحب الصادق.. تعرف على شعراء الحب وكتاب طوق الحمامة
هل نحتاج إلى مزيد من المعرفة؟
في هذا الصدد يقول ريتشارد شوارتز الأستاذ المشارك في الطب النفسي في كلية الطب في جامعة هارفارد: «أعتقد أننا نعرف كثيرًا من الناحية العلمية عن الحب والدماغ مما كنا نعرفه قبل عقدين من الزمن، لكنني لا أعتقد أن ذلك يخبرنا أننا لم نكن نعرف فعلًا عن الحب أيضًا».
يضيف أنه تعلم من العلاج الزوجي والوجود في علاقة زوجية أكثر بكثير من العلم، لكن بين الحين والآخر يمكن لشيء مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أو الدراسات الكيميائية أن يساعدك على توضيح بعض النقاط توضيحًا أفضل.
فمثلًا إذا قلت لشخص ما: «أعتقد أنك تفعل هذا، وهو أمر فظيع بالنسبة للعلاقة»، فقد لا ينتبه، لكن إذا قلت: «إنه مسبب للتدمير الجسدي، ويؤدي إلى ارتفاع مستوى الكورتيزول لديك» فإنهم سيجلسون ويستمعون حقًا.
زيادة على ذلك، إن الفائدة الجانبية هي أن دراسة تجارب ومحن الأزواج الآخرين ساعدت علاقتهم في التغلب على المطبات الصخرية التي لا مفر منها.
اقرأ أيضًا حقائق حول الحب على الجميع معرفتها
القدرة على الحب تتجذر في مرحلة الطفولة المبكرة
إن القدرة على الثقة والحب وحل النزاعات مع الأحباء تبدأ في مرحلة الطفولة؛ في وقت أبكر بكثير مما قد تعتقد.
ويشير بحث جديد إلى أن علاقتك بوالدتك في أول 12 شهرًا إلى 18 شهرًا من حياتك تتنبأ بسلوكك فيالعلاقات الرومانسية بعد 20 عامًا.
فقبل أن تتمكن من التذكر، وقبل أن يكون لديك لغة لوصف ذلك وبوسائل لا تعرفها تُرمز المواقف الضمنية في عقلك عن كيفية معاملتك أو مدى استحقاقك للحب والمودة، فنجد خيطًا رفيعًا بين الرضيع بين ذراعي أمه والشاب البالغ من العمر 20 عامًا بين ذراعي زوجته.
في حين أن هذه المواقف يمكن أن تتغير مع العلاقات الجديدة والتأمل والعلاج، فإنه في أوقات التوتر غالبًا ما تعيد الأنماط القديمة تأكيد نفسها، فيصبح الرضيع الذي تعرض لسوء المعاملة هو الطرف كثير الجدال والمدافع، أما الطفل الذي كانت أمه منتبهة وداعمة له يعمل على حل المشكلات، ويضمن حسن نية الشخص الآخر.
اقرأ أيضًا الحب.. رحلة البحث عن السعادة والإيجابية في الحياة
الحب بمرور الوقت
لقد كتب الناس قرون عدة عن تحول الحب من العاطفة إلى الرفقة، وهو شيء جيد ومحزن في الوقت نفسه، فتجربة الأزواج المختلفين تتغير مع مرور الوقت، فبينما يتلاشى الشغف عند البعض، فإن البعض الآخر يحافظ على نيرانه مشتعلة، ولا يزال البعض الآخر قادرًا على إشعال النيران من جديد.
فالزواج حركة تشبه المد والجزر من التقارب والتباعد، ويجب أن يكون لدى طرف واحد في الأقل منبه المسافة (distance alarm)؛ ليلاحظ الابتعاد حتى يتمكن من إعادة الاتصال.
إضافة إلى ذلك يمكن للمرء أن يقول إنه للحفاظ على علاقتهم حية على مر السنين -كما في الزيجات الأكثر نجاحًا- يوجد مزيج من عناصر الحب الرفيق (companionate love) وعنصر الحب العاطفي (passionate love) واحتمالية تغير العلاقة من جديد، والدخول في هذه الدوامة ذهابًا وإيابًا، كنوع من المد والجزر للعلاقات الدائمة.
اقرأ أيضًا مؤشر الاهتمام على ميزان الحب
هل الأطفال هم أكبر الضغوطات؟
إن الأطفال يظلون أكبر عوامل الضغط على العلاقات، إنها تبدو مشكلة لا سيما هذه الأيام، فيشعر الآباء الصغار بالضغط من تربية أطفالهم تربية مثالية ولو كان ذلك على حساب علاقاتهم الخاصة.
فالأطفال يتطلبون وجودًا دائمًا للآباء والأمهات؛ لأن الأيام التي كانت فيها رعاية الأطفال تتكون من تعليمات (اذهب للعب في الخارج) في أثناء إعادة التواصل بين الأم والأب قد ولّت.
العمل وباقي الضغوط
عندما نستبعد الأطفال، فإن ثقافة عمل الزوج، وانشغال الأم بمتطلبات البيت والأطفال، إلى جانب تدخل التكنولوجيا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع يمكن أن يجعل من الصعب على الشركاء الاهتمام بعضُهم ببعض في المساء، وفي عطلات نهاية الأسبوع أيضًا.
إضافة إلى ذلك، توجد كثير من الضغوط على ما يجب أن يكون عليه الشريك الرومانسي، فيجب أن يكون أفضل أصدقائك، ويجب أن يكون حبيبك، ويجب أن يكون أقرب أقربائك، ويجب أن يكون شريكك في العمل، ويجب أن يكون الوالد المشارك، وبالطبع الجميع غير قادرين على الارتقاء إلى مستوى ذلك.
هل يوجد حل؟
لما كانت التحديات المتزايدة للحياة الحديثة لن تتغير قريبًا، فإن الأزواج يجب أن يحاولوا تبني طرق لتعزيز علاقاتهم على المدى الطويل.
فعلى سبيل المثال يستفيد الأزواج من الأهداف والأنشطة المشتركة، ما سيساعدهم على السير في مسار حياة مشترك، لسبب بسيط جدًّا، وهو أنكما لن تصلا إلى الأربعين عامًا من الزواج بالتحديق في عيون بعضكما بعضًا؛ لذلك فإن الاشتراك في العمل على الأشياء معًا يسهم في تماسك الأزواج معًا بوسائل جيدة.
اقرأ أيضًا الحب بين رحيق الزهور.. معلومات لا تفوتك
أخيرًا، حافظ على فضولك تجاه شريكك
من المهم أيضًا الحفاظ على شعور حقيقي بالفضول تجاه شريكك الذي يُعزز بمنح بعض من الاستقلالية للحصول على تجارب منفصلة، ومنح بعض الوقت معًا؛ لمشاركة تلك التجارب معًا لاحقًا.
ففي دراسة أجريت في قسم الطب النفسي السريري شاهد الأزواج مقاطع فيديو لأنفسهم وهم يتجادلون، بعدها مباشرة تساءل كل زوج عما كان يفكر فيه الشريك، نتيجة لذلك يوجد احتمال أنه كلما طالت مدة وجودهما معًا؛ أصبحا أسوأ في التخمين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقادهما أنهما يعرفان ذلك فعلًا.
ما يبقي الحب مستمرًّا هو أن تكون قادرًا على إدراك أنك لا تعرف شريكك حقًا معرفةً كاملةً، وأنك لا تزال فضوليًا، وأنك لا تزال تستكشفه.
وهذا يعني -إضافة إلى التحقق من أن لديكما ما يكفي من الوقت لمشاركة بعضكما بعضًا- أنه يجب التحقق من أن لديكما ما يكفي من الغموض؛ لتكونا موضوع فضول دائم لكليكما.
اقرأ أيضًا ما معنى الحب في ثقافة المجتمع؟
جيد احسنت
شكرا جزيلا
احسنت عزيزتي
شكرا لك غاليتي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.