دراما ملحمية في فيلم سينمائي ... شىء من الخوف

من أفلام السينما المصرية التي لا تنسى ويمثل بالنسبة لي علامة مميزة حيث كان مصدراً للخوف عندما كت طفلاً وصار من الأفلام التي أعشق مشاهدتها كلما عرضته إحدى القنوات، وقمت بتصوير لقاء مع الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى عنه وقص لي كيف قام بكتابة حوار الفيلم مرة أخرى في ليلة واحدة، بعد أن كان قد اتفق مع المخرج حسين كمال على كتابة أغنيات الفيلم فقط. ولكن الحوار لم يكن كما توقعه فقام بكتابته وعرضه علي حسين كمال في اليوم التالي، والذي أخرجه حسين كمال فيلم شىء من الخوف الذي قامت المؤسسة المصرية العامة للسينما بإنتاجه عن قصة قصيرة للكاتب الكبير ثروت أباظة، والتي تدور حول شخصية الجد عتريس الذي يفرض سطوته علي قرية الدهاشنة ويفرض علي أهلها الإتاوة التي يساعده رجاله في جمعها، ولكن حفيده عتريس يسير في إتجاه آخر حيث يرفض السير في نفس الطريق بل ويتعامل ببراءة الطفولة، مما يغضب جده حتى يحاول أحد الفلاحين قتله إنتقامأ من جده، فيفتديه الجد ويطلب منه الانتقام لمقتله. مما يتسبب في إبتعاد فؤادة عنه بعد ان عاهدها طفلاً أن يبتعد عن أعمال جده الدموية، ولكنه لم يف بوعده لها وزاد في طغيانه وزادت كراهية أهل القرية له ولرجاله، فيقرر الإنتقام من أهل القرية بإغلاق الهويس ويمنع الماء عن الأرض حتى جفت ومات الزرع، ولم يقف أمامه أي رجل من رجال القرية ولكن فؤادة تصدت له وخالفت ما فرضه على القرية وقامت بفتح الهويس، وعجز عتريس عن إيذاءها لكنه قرر أن يتزوجها رغماً عنها، وفرض على والدها والشهود والمأذون عقد قرانها بدون موافقتها خوفاً من بطشه، ولكنها أخبرته أن زواجه بها باطل لعدم موافقتها فانتقم بحرق منازل وزراعات المأذون والشهود. وعلم الشيخ إبراهيم الذي قام بدوره الفنان الكبير يحيى شاهبن بهذا الأمر فحرض أهل القرية علي الوقوف في وجه عتريس لإنقاذ فؤادة. فقام رجال عتريس بقتل إبنه محمود ليلة زفافه، لكنه لم يتراجع وصمم على إعلان بطلان زواج عتريس من فؤادة وخرجت جنازة إبنه وهو ينادي قائلاً: جواز عتريس من فؤادة باطل حتى ذهبوا إلى منزل عتريس وأحرقوه وهو بداخله وتخلى عنه رجاله فراراً بحياتهم .وقد نشر ثروت أباظة تلك القصة عام 1969م وقد قيل وقتها أن المقصود بفؤادة مصر وأن عتريس هو جمال عبد الناصر مما تسبب في منع عرض الفيلم حتى شاهده جمال عبد الناصر وأمر بعرضه. و قد تحمس المخرج الكبير حسين كمال للرواية فقرر تحويلها إلي فيلم سينمائي يحمل الإسم نفسه، ويعتبر الفيلم عملاً فنياً متكاملاً اجتمعت به الأشكال الفنية المختلفة من موسيقى وأداء الممثلين والأشعار وكتابة السيناريو والحوار والصورة.       

 

لعبت دور البطولة بشخصية "فؤادة" الفنانة شادية وجسدته ببراعة شديدة، ولكن المفارقة الحقيقة هو اختيار حسين كمال لها من البداية، حيث اشتهرت بأداء أدوار المرأة الجميلة الحالمة والبريئة، أحياناً نجدها شخصية قوية تقف أمام مجرم بحجم عتريس الذي جسّده الفنان محمود مرسي وقد تميز في تقديم دور الجد والحفيد واعتمد في تجسيده للدور على انفعالات الوجه ونظرات الأعين دون أي افتعال لخلق حالة المجرم في استخدام جسده، وشخصية الشيخ إبراهيم التي قام بأدائها الفنان يحيي شاهين والتي كانت صوت الحق في أحداث الفيلم جسدها شاهين ببراعة شديدة وبمنتهى الهدوء الذي يدل علي امتلاكه للشخصية بجوانبها الحقيقية. وقد تميز الفيلم بموسيقاه وأغانيه للثنائي الشهير بتلك الفترة وهما الموسيقار بليغ حمدي والشاعر عبدالرحمن الأبنودي، اللذان جعلا الفيلم في إطار الملحمة الحقيقية وبالطبع ساهم في ذلك صوت شادية المميز والحقيقي الذي عبر عن حالة الاضطهاد التي يتعرض لها أهل القرية علي يد المجرم عتريس، كما تميز السيناريو والحوار لـصبري عزت في خلق حالة بسيطة للفيلم تناولها الجمهور دون أي تعقيد أو فلسفة مثلما وجدت في العمل الأدبي، وساعد في ذلك مشاركة الأبنودي في كتابة الحوار واستطاع قائد العمل السينمائي المخرج حسين كمال أن يمزج كل هذا ويخرج لنا تحفة سينمائية نادرة، فنقل لنا القرية بشكلها الحقيقي وتميزت حركة الكاميرا في نقل أدق تفاصيل المشهد.

 

كان أداء أبطال الفيلم معبراً عن مدى الصراع الذي تعيشه كل شخصية من الشخصيات بين علاقتها بما يدور في القرية وما بفعله بها عتريس ورجاله و بين تفاصيل الحياة اليومية لكل منهم، حتى يقع أحدهم وهو حافظ والد فؤادة والذي لعب دوره القدير محمد توفيق في صراع مباشر مع عتريس عندما قرر الزواج من فؤادة رغماً عن الجميع ودون موافقتها خوفاً من بطشه بهم، وقد لمعت في الفيلم مجموعة من الوجوه الجديدة مثل بوسى ومحمود ياسين وحسن السبكى الذي لعب دور محمود الذي كان مقتله سبباً في إشتعال الغضب في نفوس الدهاشنة، وقد برع حسين كمال و مدير التصوير أحمد خورشيد في التعبير لحظات الذروة الدرامية ببراعة خاصة في مشهد قيام فؤادة بفتح الهويس الذي أمر عتريس بإغلاقه، ومشهد مقتل محمود ومشهد حصار أهل القرية لمنزل عتريس، وقد نجح أيضاً ممثلو الأدوار الثانوية في أداء الشخصيات المحيطة بعتريس خاصة أحمد توفيق الذي لعب شخصية رشدي التابع لعتريس الذي يظن نفسه قوياً ولكنه مجرد ظل باهت لشخصية عتريس، وينفرد به أهل القرية ويوسعوه ضرباً حتى يفقد عقله ويصبح أضحوكة القرية بأسرها.

 

وفي النهاية فإن فيلم شىء من الخوف يظل علامة مميزة في تاريخ السينما المصرية يستمتع به الكثيرون كلما عرض علي شاشة التليفزيون.     

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

كبير مخرجين بقناة النيل الدولية - الهيئة الوطنية للإعلام