دراكولا الحقيقي.. قصة فلاد المخوزق الذي أرعب الدولة العثمانية

دراكولا الحقيقي ليس وحشًا مصاص دماء اكتسب شهرته من روايات الرعب وأفلام السينما، بل هو شخصية تاريخية أكثر رعبًا وتعقيدًا، إنه فلاد الثالث المخوزق حاكم رومانيا الذي عاش في القرن الخامس عشر، واشتهر بممارساته الدموية التي وضعته على رأس قائمة القادة الأكثر وحشية في التاريخ.

دراكولا حاكم رومانيا الذي واجه العثمانيين في عدد من المعارك، وقتل منهم كثيرين، وعُرف بوحشيته وحبه لأساليب القتل الغريبة مثل دق الرؤوس والإعدام بالخازوق، واشتهر بممارساته الدموية التي وضعته على رأس قائمة القادة الأكثر وحشية في التاريخ.

في هذا المقال نعود بك إلى القرن الخامس عشر، لنكشف لك عن تاريخ دراكولا الحقيقي، وكيف كانت المعارك بينه وبين العثمانيين، وما هي الممارسات التي وضعت القائد الروماني على رأس قائمة أكثر الحكام وحشية في التاريخ.

من دراكولا الحقيقي؟

دراكولا الحقيقي هو الأمير فلاد الثالث (Vlad III)، حاكم إمارة الأفلاق (Valachia) في رومانيا. وُلد في إقليم ترانسلفانيا (Transylvania) عام 1431، وورث لقب دراكولا عن أبيه فلاد الثاني، وهو لقب يعني باللغة المحلية «ابن التنين». حياته ممتلئة بقصص القتل الجماعي والتعذيب التي جعلت منه شخصية أسطورية في وحشيته. من بين هذه القصص نسرد لكم قصتين دارت أحداثهما في عام 1459م:

من دراكولا الحقيقي؟

في القصة الأولى، كانت قوات فلاد الثالث تحاصر مدينة براشوف الرومانية بسبب عصيان أوامره من أهل المدينة، وعندما هدمت قواته الأسوار، أمر فلاد الثالث بإحراق المدينة بالكامل، وأسر سكانها وقتلهم بطريقة وحشية عن طريق أسلوب الخوازيق، ولم يستثنِ أحدًا، فكان الرجال والنساء والأطفال كلهم معلقين على الخوازيق من الرماح الطويلة، وكان فلاد الثالث يتناول عشاءه بين أجساد القتلى مستمتعًا بالمشهد الدموي.

والقصة الثانية التي دارت أحداثها أيضًا في نفس العام، حينما دعا مجموعة من النبلاء وأصحاب المقام الرفيع للاحتفال بعيد الفصح في قصره، ومعهم أطفالهم ونساؤهم، ثم أمر رجاله بمحاصرتهم جميعًا، إذ قتلوا النساء جميعًا وعلّقوهن على الخوازيق أمام الرجال الذين استعبدوهم مدةٍ قبل أن يقتلهم واحدًا تلو الآخر بطرق مختلفة.

اشتهر فلاد الثالث في التاريخ باسم دراكولا الذي تطورت قصته في الأدب العالمي بعد ذلك وتحويله إلى مصاص للدماء، حتى جاءت أفلام السينما الأمريكية لتضيف كثيرًا إلى قصة فلاد الثالث الذي كان في الحقيقة عاشقًا للقتل والدماء، وكان في الأفلام والروايات مصاصًا للدماء، وربما كان مصاص الدماء أقل وحشية من ذلك القائد الذي يصدر الأوامر بقتل العشرات والمئات من النساء والأطفال دون أن يغمض له جفن.

دراكولا والدولة العثمانية

نشأ فلاد الثالث في إقليم ترانسلفانيا في رومانيا التي كانت في القرن الخامس عشر تابعة لمملكة المجر، إذ كان والده فلاد الثاني أحد أمراء البلاد التي لم تكن تابعة في ذلك الوقت للدولة العثمانية. وقد تعلم فلاد الثالث الكثير من فنون القتال، إضافة إلى المعارف الأدبية والعلمية، وورث لقب دراكولا عن أبيه، وهو لقب يعني باللغة المحلية «ابن التنين»، قبل أن يتولى بعد ذلك حكم إمارة الأفلاق.

بدأت علاقة فلاد الثالث بالدولة العثمانية حينما تمّت الإطاحة بوالده من حكم الإمارة بعد مؤامرات بين ملك المجر ومجموعة من النبلاء المحليين، وهو ما جعله يستعين بمساعدة السلطان العثماني مراد الثاني، إذ اتفق معه على أن يساعده على العودة إلى حكم إمارة الأفلاق مقابل أن يدفع جزية للسلطان العثماني، وهو ما يعني أن يكون ولاؤه للباب العالي. فأرسل فلاد الثاني ابنيه إلى السلطان العثماني لكي يتحقق من تنفيذ الاتفاق. قضى فلاد الثالث عدة سنوات في الدولة العثمانية وتلقى العلوم العربية والتركية، إضافة إلى التدريبات العسكرية والفروسية.

دراكولا والدولة العثمانية

وخلال إقامته في الدولة العثمانية، تعرّف فلاد الثالث على الأمير محمد الفاتح الذي كان وليًا للعهد في ذلك الوقت، وبعد وفاة فلاد الثاني، عاد فلاد الثالث للمطالبة بعرش الأفلاق، وبقي شقيقه في الدولة العثمانية. واستطاع فلاد الثالث أن يتولى حكم رومانيا بمساعدة الدولة العثمانية، لكنه تعرض لمؤامرة أخرى من ملك المجر أدّت إلى خلعه من الإمارة.

انقلاب دراكولا على الدولة العثمانية

بعد خلعه من الإمارة، لم يعد فلاد الثالث مرة أخرى إلى الدولة العثمانية، ولم يبحث عن مساندة الباب العالي، وإنما اتجه إلى حلفاء آخرين في المجر، وبدأ في مرحلة عداء مع السلطان محمد الثاني المعروف باسم محمد الفاتح، إذ حسَّن علاقاته مع ملك المجر الذي استقبله بحفاوة بسبب علاقته ومعرفته بشؤون الدولة العثمانية وعداوته الشديدة لمحمد الفاتح.

وفي تلك المدة، سقطت القسطنطينية على أيدي محمد الفاتح، وأصبح للعثمانيين وجود قوي في المنطقة، وبدأ الجيش العثماني يتوسع في شبه جزيرة البلقان، وأرسلت الدولة العثمانية حملات على المملكة المجرية، فانشغل الملكُ المجري بصد الهجوم العثماني، وهو ما استغله فلاد الثالث ليستعيد الحكم في رومانيا عام 1456م.

وعلى الرغم من أن فلاد الثالث أعاد تنظيم شؤون البلاد وتقوية الجيش، ودخل في حلف مع «البابا بيوس الثاني» الذي دعا لإنشاء حملة صليبية جديدة من أجل مهاجمة الدولة العثمانية، فإنّ الدولة العثمانية في ذلك الوقت كانت في أوج قوتها، واستطاع محمد الفاتح القضاء على وصي عرش المملكة المجرية، وأرسل إلى فلاد الثالث يطلبُ منه دفعَ الفديةِ وإعلانَ الولاءِ للدولة العثمانية.

وهنا كان أول صدام بين فلاد الثالث والدولة العثمانية حينما رفض تلك المطالب، وأمر بقتل رسل السلطان العثماني بطريقة وحشية، إذْ دقَّ المساميرَ في رؤوسهم بعد أن رفضوا خلع العمائم أمامه، وهو مشهد أثار غضب السلطان العثماني الذي أصر على محاربة فلاد الثالث وتأديبه.

أما الصدام الثاني بين دراكولا والدولة العثمانية فكان عندما أسر فلاد الثالث مجموعة من الجنود العثمانيين الذين كانوا يُجنِّدون الرجال على الحدود الرومانية تجنيدًا قسريًّا، وأعدمهم بعد ذلك بأسلوبِ الخازوقِ، وهو ما جعل السلطان العثماني يستشيط غضبًا ويدخل بعد ذلك في صراعات طويلة مع فلاد الثالث.

فظائع دراكولا مع الدولة العثمانية

أرسل السلطان العثماني قوة عسكرية من أجل القبض على دراكولا أو فلاد الثالث، وجعل حمزة باشا على رأس هذه القوة العسكرية، وأمره أن يقبض عليه ويقوده أسيرًا إلى القسطنطينية. لكن فلاد الثالث كان داهية في المؤامرات والمناورات العسكرية، وكان لديه معلومات عن تحركات القوة العسكرية القادمة من الباب العالي، فحشدَ قواتِه في الممرات الجبلية وشَنَّ عليهم هجومًا مباغتًا بالمدافع اليدوية والبارود وطوَّقهم، وقضى على معظمِ القوةِ العثمانية وأسر عددًا من الفرسان، إضافةِ إلى القبضِ على قائدِ الحملةِ حمزة باشا.

وكالعادة أمر دراكولا بإعدام الأسرى جميعًا بأسلوب الخازوق ومن بينهم الخازوق الأطول الذي تم تخصيصه للقائد حمزة باشا إهانة للدولة العثمانية قبل أن يتوجه إلى الحامية العثمانية الموجودة في منطقة «جورجيو» على حدود رومانيا، إذ تنكر في ملابس العثمانيين واستغل معرفته باللغة التركية ودخل الحصن هو وجنوده وقاموا بقتل كل الموجودين بأساليب دموية.

دراكولا والإعدام بالخوازيق

وتضمّ فظائعُ دراكولا في الدولة العثمانية حملة دموية استمرت أكثر من أسبوعين قُتِل خلالها نحو 25,000 من المسلمين الأتراك والبلغار عام 1462م التي أرسل أخبارَها في رسالة إلى ملك المجر قائلًا: «لقد قتلتُ الفلاحينَ رجالًا وإناثًا وشيوخًا وأطفالًا، والذين بلغ عددهم 23,884 غيرَ الأشخاصِ الذين أحرقناهم في منازلهم، وهو ما يوضح لك، أيها الملك، أنني نقضتُ السلامَ مع السلطان العثماني محمد الفاتح».

نهاية دراكولا وانتقام السلطان العثماني

في عام 1462، قرَّر السلطان العثماني محمد الفاتح شن حملة كبرى على رومانيا للقضاء على فلاد الثالث واسترداد حكم البلاد، إذ أرسل جيشًا قوامه بين 90 و150 ألفَ جنديٍّ من النظاميين وغير النظاميين، وهو ما بلغ فلاد الثالث، فأرسل يطلب معونة ملك المجر لكنه رفض مساعدته، فأمر بإعلان التعبئة العامة وجنَّد الرجالَ والأطفالَ والنساءَ والغجرَ حتى استطاع تكوين جيش من 30,000 مُجنَّدٍ معظمهم من الرعاة والفلاحين وبعض المرتزقة من أجل مواجهة الجيش العثماني.

ولأن فارق القوة كان لمصلحة الجيش العثماني، لجأ فلاد الثالث إلى عدد من الحيل مثل تسميم مصادر الشرب وتحويل مجاري الأنهار إلى مستنقعات تعيق حركة الجنود العثمانيين. ونصب كثير ًامن الأفخاخ وهجَّر السكان من القرى إلى الجبال مع حيواناتهم من أجل إنهاك الجيش العثماني الذي سار طويلًا بلا شراب أو طعام. واستخدم مع العثمانيين حرب العصابات وحاول نشر الأمراض مثل الطاعون والسل والجذام.

هجوم دراكولا الليلي وغابة الخوازيق

شنَّ فلادُ الثالثِ هجومًا ليليًا على معسكر العثمانيين، وهو ما تسبب في فوضى كبيرة داخل الصفوف، ويعتقد المؤرخون أنه كان يبتغي اغتيال السلطان محمد الفاتح في ذلك الهجوم الليلي، لكن الهجوم باء بالفشل ولم يوقف تقدم الجيش العثماني الذي زحف نحو «ترجوفيشت» عاصمة بلاد الأفلاق في ذلك الوقت.

دراكولا ومحمد الفاتح

وعندما وصل السلطان محمد الفاتح إلى العاصمة، وجدها خالية من السكان، ووجد الأبواب مفتوحة، وعندما دخلت القوات العثمانية إلى المدينة وجدت الآلاف من الجثث المعلقة على الخوازيق في مشهد دموي ومرعب من صناعة دراكولا الذي علّق العثمانيين والمسلمين البلغار الذين قتلهم، ومن بينهم جثة القائد حمزة باشا وقد تعفّنت.

هروب دراكولا من السلطان

كان فلاد الثالث قد انسحب إلى قلعة بويناري، حيثُ تحصَّن أمام الزحف العثماني، لكنه فر في النهاية عندما علم أنه فشل في المقاومة، وبعد أن انتحرت زوجته بإلقاء نفسها من أعلى القلعة، وهو ما عدَّه المؤرخون نصرًا للدولة العثمانية على دراكولا إضافة إلى السيطرة على بلاد الأفلاق.

سجن دراكولا وقتله على يد العثمانيين

في النهاية لجأ فلاد الثالث إلى ملك المجر، لكن الأخير اعتقله وسجنه أشهر قبل أن يطلق سراحه ليعود بعد سنوات للسيطرة على حكم رومانيا مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يستمر دراكولا أكثر من أسابيع، إذ أمر السلطان العثماني محمد الفاتح بإرسال قوة عثمانية للقضاء عليه نهائيًا، وهو ما حدث فعلًا، إذ استطاع الفرسان العثمانيون قتل دراكولا في معركة في جنوب رومانيا وقطعوا رأسَه، وأرسلوه إلى السلطان العثماني الذي علَّقَه على خازوق في مدينة أدرنة، في حين دُفن جثمانُه في دير «كومانا» في رومانيا.

قتل دراكولا

إرث دراكولا بين البطل القومي والوحش الأسطوري

على الرغم من وحشيته الموثقة، يُنظر إلى فلاد الثالث في رومانيا الحديثة على أنه بطل قومي وشخصية مؤسسة، ويُحتفى به أنه مدافع شرس عن استقلال بلاده ضد التوسع العثماني، وحاكم صارم قضى على الفساد بين النبلاء والتجار بقبضة من حديد. ولكثير من الرومانيين، كانت قسوته ضرورية للحفاظ على وجود دولتهم في وجه إمبراطورية عظمى.

ولادة أسطورة مصاص الدماء

أما عن سؤال هل دراكولا مصاص دماء حقيقي؟ فالإجابة هي لا، الصورة الخيالية لمصاص الدماء لم ترتبط بـفلاد المخوزق إلا في عام 1897، عندما نشر الكاتب الأيرلندي برام ستوكر (Bram Stoker) روايته الشهيرة (دراكولا). استلهم ستوكر اسم (دراكولا) وموقع (ترانسلفانيا) من تاريخ فلاد الثالث، ودمجها مع الفولكلور المحلي لأوروبا الشرقية عن مصاصي الدماء، ليخلق شخصية خيالية لا علاقة لها بالواقع التاريخي، لكنها طغت على الحقيقة وجعلت اسم دراكولا مرادفًا للرعب الخالد.

دراكولا برام ستوكر

وهكذا انتهت قصة فلاد الثالث أو دراكولا الذي ارتكب كثيرًا من الفظائع في حروبه ومواجهاته مع الدولة العثمانية حتى مع المدنيين من الفلاحين والرعاة من المسلمين الأتراك والبلغار، وهو ما جعله يستحق سمعته السيئة في كتب التاريخ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة