تجلي النص و سيمفونية المفردة
في ديوان " اغتراب الأقاحي"
للشاعرة فاطمة بو هراكة
بقلم / حسن غريب احمد
كاتب و ناقد مصري
--------------------------------------------------------------------------------------------
في الاضمومة الشعرية " اغتراب الأقاحي " للشاعرة المغربية فاطمة بو هراكة ..تبدو النثرية رغبة في تبسيط الخطاب الشعري ، دون الابتعاد عن شاطئ الشعر كخطاب مستعص ، و ذلك عبر اختيار آليات أخرى لهدم اللغة التقليدية ، و الانفتاح بالخزان الشعري و اللغوي على عوالم مختلفة هي الأثاث الطبيعى للحياة اليومية في تحولاتها الدائمة ، سياسيا و اجتماعيا وفكريا و ثقافيا .. و يمكن اختصار هذه العوالم / العوامل في ثلاثة عناصر هي : الأدب – الأجنبى – النثر بكل أشكاله غير الشعرية / الشعر الغنائي و الزجل و الملحون / العامية بكل تشكلاتها .
البحث في قصيدة النثر ، و هو بحث في الاختلاف و المفارقات على أكثر من صعيد ، لتأسيس وعى جديد يواكب التحولات في مستويات الفكر و اللغة و الإيقاع و التدليل ، أى في مستويات اللغة و الإيقاع بما هي آليات للتواصل بالشعر الراهن ، و تتضمن القراءة في شعر فاطمة بو هراكة ، العديد من الأفكار و الأسئلة التي تورط أنفسنا و قصيدة النثر ، للتأمل في إطارها النظرى الفكري و الجمالي الفني و من هنا عنوان المداخلة " الشعري في قصيدة النثر " و قبل الخوض في عوالم هذه القصيدة المطنون بها على أهلها نود أن نقدم بعض الأفكار العامة كأوليات ضرورية منهجيا لمعالجة هذه القصيدة .
على أن الملاحظة التي تثير انتباهي أن الرائج الأكبر الآن ضمن أشكال التعبير الشعري لون لا هو بالنثر و لا هو بالشعر سواء بمقاييس ابن قتيبه في العصر الوسيط أو حتى بمقاييس نازك الملائكة في القرن العشرين و قد قيل في هذا الأمر كلام كثير لا نرى أهمية إعادته هنا ، حتى لا ننغمس في خطاب أخذ على عاتقه قديماً و حديثا ً مسألة تكريس " سلطة الاعتراف " بشكل تعبيرى معين ، و نزع الاعتراف عن غيره ، و لكن لابد من الإقرار بأمر واقع هو ان تضارباً انتهت إليه الساحة الأدبية إبداعا و نقداً بين هيمنة لون تعبيرى معين متحفظ في شأنه و بين واقع نصي آخر يسير نحو التضاؤل لكن يتمتع " بسلطة الاعتراف " على نطاق من التلقى واسع ، إن التنازع حول " الاعتراف " لا يمنع قصيدة النثر من العيش و الدوام و السير بنفسها نحو الاكتمال ، إذا استطاعت أن توفر حسن الانتباه و الإنصات ، حتى يظهر للمترددين ، و المطففين ان الأمر مع هذه القصيدة يتعلق بواقع نصي لا يرتفع .
تبنى هذه الملاحظة على معطيين مرجعيين متباعدين زمنياً ، يمكن الاتكاء عليهما أن تتأمل في قصيدة النثر باطمئنان نظري نقدي مناسب الأول قديم مأخوذ من رأى ابن وهب الكاتب قال فيه : " الشعر يكمن في التعبير عن الشعور الحقيقي بالأشياء و أضاف ما معناه أن شعرية الشعر تأتى من امتلاك الشاعر لدقة الحس ، و عمق الشعور وقوة الفطنة ، ما يميز شعوره عن شعور غيره ، و إذا فقد الشاعر هذه الأمور ، ضاعت " شعريته " و لم يلتفت إلى انه أتى بكلام موزون مقفي .. و لا يستحق الشاعر هذا الاسم ، حتى يأتى بما لا يشعر به غيره ، و إذا كان يستحق الشاعر لما ذكرناه ، فكل من كان خارجا عن هذا الوصف فليس بشاعر و إن أتى بكلام موزون مقفي "
و قال الفارابي في إحدى رسائله : " القول إذا كان مؤلفا مما يحاكى الشئ ، و لم يكن موزونا بإيقاع ، يقال له : قول شعرى " .
أما الثانى ، فهو في الواقع رأى / موفق ينهض على آراء كثيرة لا ترفض هذا اللون التعبيرى ، بقدر ما اجتهدت في وضعه في المكان اللائق به ، و يمثله يوسف الخال ، و محمود درويش ، فاطمة ناعوت ، فاروق جويدة ، أمينه المرينى و أدونيس و عبد العزيز المقالح ، وعبد الحميد جيده ، و عفت بركات و احمد سواركة و غيرهم من الشعراء و المبدعين و النقاد و مفاد هذاالموقف هو : -
أولا : أن ما يكتبه شعراء قصيدة النثر ما ليس نثرا بالمعنى المألوف للنثر ، بل ضرورة نثرية جديدة ، تحمل سمات الشعر ، و بالتالى ففي قصيدة النثر تطور في الصياغة الشعرية و اللغة الموحية الدالة و الواقع الداخلى الذي يتلاءم و شكل القصيدة
ثانيا : أن الدعوة الى هذه القصيدة ما لم تكن في البداية متجهة إلى تسمية النثر شعراً ، فقصيدة النثر و النشر شكل من أشكال التعبير الشعري يسمى قصيدة النثر كما تؤكد نازك الملائكة .
ثالثا : أن الشعر بهذا المعنى دون وزن أو قافية يعتمد على " التخييل " ، إذن الشعر بناء تخييلى / يثير وظائف المخيلة و قدرات التلقي عند الناس ، لقد كان القرآن مدهشا للجاهلين حتى عدّوه شعرا ، نظراً لتوازناته الإيقاعية الرائعة ، و لقوة بلاغته الإعجازية – رغم اختلاف معماره البنائى عن معمار المعلقات الجاهلية .. فالشعر خيال و فن و ليس طنطنة و رنينا .
بناء على هذه المعطيات المذكورة ينهض في الذهن وضوح التصور لتناول واحدة من أبرز العطاءات الإبداعية في الساحة المغربية العربية المعاصرة و يتعلق الأمر بأضمومة للشاعرة المبدعة فاطمة بو هراكه تحمل عنوان " اغتراب الأقاحي" صدرت هذه الأضمومة ضمن مطبوعات مطبعة امبريال بالمغرب سنة 2003 م و قد ازدان غلاف هذا الديوان بلوحة الغلاف للفنانة التشكيلية المغربية نعيمة الملكاوي بالاشتراك مع الفنان التشكيلي و النحات عبد القادر بوطافي ..ثم اهداء و توطئه للديوان للكاتب المغربي محمد السرغنى .
ونص " رقصات الجسد العاصى " ص 9 و هي تفتح أبواب الأضمومة أولا و لسبراغوار نصوصها ثانيا
شعرية العناوين
تقع الأضمومة في 80 صفحة من القطع المتوسط ، و اكتست ترتيبا ملحوظا فتكاد تنفرد كل صفحة بنص منفتح و مستقل ، إيذانا بالاقتضاب الشعري كما ان معظم النصوص استغرقت صفحتين مثل : رقصات الجسد العاص ص 9 لم السفر ص 13 في مهب الريح ص 17 همس على الأطلال ص 21 كلام الصمت ص 25 حكاية نورس حزين ص 29 تولوز في الذاكرة ص 33 زغاريد ولادة مؤجلة ص 24 عشتار لحظة النار ص 41
ومن الجميل أن نسرد على السمع المتأني عناوين هذه الأضمومة كما يلي : -
عيناك قساوة كبرى – متعبة – عتبات اللاوداع – ثلاثية الجرح و الوادع – مرثية على قبر هابيل – لكل هذا الألم أرفض كينونتى - عتبات الجرح الأخير – الثامن مارس – بكاء آخر الليل
و هكذا نحن أمام ثمانى عشرة نصا و ثمانى عشرة عنوانا ، كلها عبارة عناوين ما بين الفردية و الثنائية و الثلاثية و الرباعية ..الخ
فكيف أقرأ هذه العناوين ؟
العنوان في قصيدة النثر : -
العنوان مظهر من مظاهر الإسناد و الوصل و الربط المنطقى ، عند جون كوهن و عيره ، و بالتالي ، فالنص إذا كان بأفكاره المبعثرة ، مسنداً فإن العنوان مسند إليه هكذا فالعنوان هو الموضوع العام ، بينما يشكل النص ، بما هو خطاب أجزاء العنوان ، أو العنوان مجزءاً فالعنوان بهذا المعنى نص كلى ، و يؤكد كوهن أن النثرية علمياً كان ام أدبيا يتوفر دائما على عنوان – اى أن العنونة من سمات النص النثرى كيفما كان نوعه ، لأن النثر قائم على الوصل و القواعد المنطقية .. بينما الشعر يمكن ان يستغنى عن العنوان مادام يستند إلى الانسجام ( الظاهر على اٌلأقل ) و بمقارنة بسيطة نلحظ أن القدماء كانوا لا يضعون عناوين طويلة و مسجوعة فيها هي ايضا العديد من العلامات النصية ، ومن هذه الناحية يمكن القول أن الشاعر النثرى أفاد كثيرا من الشعر إلا أنه حقق مبدأ الانزياح و الخرق حين انتهك مبدأ العنونة في النثر ذاته ، و ذلك من خلال الخروقات بين الفكري و الرابط المنطقى فـ " اغتراب الأقاحي " دليل على الخرق الواضح ، بين المنطق المألوف في الاغتراب و بين الأقاحي ..فالاغتراب غوص و بحث في العمق و غور إلى مجهول مظلم ، و الأقاحي بدلالالتها تقترب من المغامرة في المجهول و البحث الدائم عن زهرة الأقحوان و عن سبب الخصب و الحياة و النماء : الأقاحي وفي هذا معنى الكد لأجل الأجمل في الطبيعة و الحياة ، الأقاحي لأجل الماء ، و لكن هذه الأضمومة اغتراب اتجه مقلوبا معكوساً اغتراب الأقاحي في السماء
ترى ما الذي خرق الإسناد ؟ الفعل أم المفعول ؟؟
يبدو لي أن الخارق هنا هو الفعل فالفعل هو كنه الحركة في الكون ، و هنا الاغتراب هو سبب وجود الأقاحي ، إذن فالأقاحي في السماء خرق المعتاد - كسر القواعد المنطقية للخروج بالاغتراب و الأقاحي إلى دلالات أرحب ، ترفض التقوقع في دلالاتها الأولى و المباشرة ، و يمكن القول إن مثل القواعد المذكورة قد يستحضرها المتلقى " المتواصل " بشكل بديهي .
فــ " رقصات الجسد العاصى " ، تولوز في الذاكرة ، الثامن مارس و غيرها من العناوين .. تقوم بوظيفة احتواء مدلول النص بكامله ، و علينا ان نقوم بتحليل العناوين مفردة أو ثنائية أو عبارة شعرية بعد أخرى لتحقيق قدر من التأني لنستطيع به الربط بين نصية العنوان و علاقته بنصية القصيدة ، فنص " متعبة " مثلا ص 49 يختزل بدلالاته و أبعاده مدلول ما يليه
" مسافات الخطو تزداد اتساعا "
تبارحنى انشودة لهذا
الزمان
تصرخ لحظة الألم
حمقاء هي الذكريات
و هذه خطوة تعزز وظيفة أخرى يقوم بها العنوان في هذه الأضمومة إنها وظيفة التناص الداخلى ..حيث تلاحظ العنوان
يتكرر بنفسه في صلب النص
متعبة انت يا انا
لحظة الوعود ص 51
في ذاكرة الزمن التائه
بين الجدران
متعبة انت يا انا ص 52
وكذلك في نص " لم السفر ؟ " ص 15
تبوح بسرها للغرباء
تسائلنى : لم السفر ؟
خذينى زهرة بين الأحضان
عشقا ذابلا قبيل السفر
و كذلك في قصيدة " بكاء آخر الليل " ص 79
لا البحر يسامحنى
لا الوقت
لا المكان
بكاء آخر الليل
و في صفحة 80
الى حاجزنا اناك المضمخة بالنرجس
و رنين عقد تافهة
ولدت وقيت الغسق
بكاء اخر الليل ص 80
حيث يتحايث في هذا المستوى الشكل و الفكر فيالنص الواحد ، وكل العناوين ترتبط بالامرين معا مع العنوان المركزى للأضمومة بشكل تأويلى شعرى معين
إننا نعيش اليوم في امبراطورية العلامات ، في شعر يتسم بالتعقيد و التواصل البصري فالمطلوب الاطلاع على المشروع السيمولوجي للدخول في مغامرة علاقية حتى نلم بالمحيط الذي يواجهنا و في هذا الاطار ركزت قصيدة النثر في وضع عناوينها على اهمية الاختصار و التكثيف الموحى و الدال و تخلصت ما أمكنها من الفعل ، ليس فقط في العناوين ، بل في نصها و تحققها بشكل عام ، كما سنرى في الجزء الثاني من هذه المداخلة ، ذلك ان العناوين تستفيد هنا من الطاقات الابدالية للغة ومن قدرتها الاختزالية ، لذا فإن كل عناوين الشاعرة فاطمة بو هراكة هي عبارة عن شفرات ترميزية ، تصلح أن تكون مفاتيح لفك الرموز اللغوية المكثفة : القصيدة ، عناوين فاطمة بوهراكة ، مفردات مذكرة و مؤنثة مهمة ، كلام الصمت ، الثامن مارس ، لم السفر ، عتبات اللا وداع ، في مهب الريح .
و جموع ايضا : "رقصات الجسد العاصي ، همس على الأطلال ، زغاريد ولادة مؤجلة ، عيناك قساوة كبرى ، لكل هذا الألم أرفض كينونتي )
و هي كلها رسائل مسكوكة مادامت تتضمن علامات دالة ، مشبعة برؤية خاصة للعالم ، إذ يغلب عليها الطابع الإيحائي لنتأمل عنوان " ثلاثية الجرح و الوادع " ص 57 فانها تفتح أمامنا شتى الاحتمالات تلوح للاغتراب و تأثيث الجنازة و احتضار القلب و تبينه للقارئ المتأمل فيه قبل أن يسترق النظر الى ليله العرس الجنائزي .
هكذا يسبق الروح السباحة في جغرافية العيون بما هو يتجاوز جزيرة الضياع التي ستصلبها ..النص موضع الاستقرار العادي ، لا يفيد جرح أقحوانة الماضي بل يزيده السفر اغتراب في الاغتراب وفي اعتباري تشكل عناوين الشاعرة فاطمة بو هراكة في هذه الأضمومة لوحة تشكيلية تتقاطع فيها كل الألوان و الوظائف و الاحتمالات
الانفعال بالمرئي و المتخيل ، الانتباه لفقرة و بقوة المدلول و أبعاده المجال لاتساع الاحتمال و الرغبة في امتلاكه واحتضانه و هذه من قبيل ما يحرك البصر و الفؤاد و البصيرة نحو الإدراك و انجاح التواصل أليست قصيدة النثر جماع أيقونات و أسفار لاتسلم " آياتها " إلا للمؤمنين بها "
إن عناوين :
عتبات اللاوداع ص 53
عتبات الجرح الأخير ص 69
عشتار لحظة النار ص 41
زغاريد ولادة مؤجلة ص 37
و غيرها ، بقدر إغرائها للمتلقي بقدر إيحائها الغامض و السحري ، فهذه العناوين كلها تتضمن فعالية وصفية يمكن اخضاعها للتحليل و التشريح اللغوي السيميائي ، ومن ثمة قدرتها ، من خلال قدرة فاطمة بو هراكة على التعيين ، غير أنه إذا كان القارئ قد تعود على عناوين طويلة لقصائد او لنصوص أخرى ، فانه مع " اغتراب الأقاحي " هو في حاجة إلى قرائن فوق لغوية ، تعين على فك شفراتها ، حتى يستطيع إدراك أو توقع مضامين النصوص ، و عموما إذا كان العنوان يعين طبيعة النص و ربما يحدد نوع القراءة التي تلائم خذاالنص أو ذاك فهو يعنى كذلك مقصدية المبدع لهذا قال شارل غريفان " : { إذا كان العنوان هو اعلان عن طبيعة النص فهو اعلان عن القصد الذي انبنى عليه ، إما واصفا بشكل محايدا أو حاجبا لشئ خفي ، أو كاشفا غير آبه بما سيأتي }
و المتأمل في هذا الرأي يمكن أن يعتبره إنسانيا لا غربيا و لا شرقيا رغم ما قد يظهر للبعض من انه من التنظيرات الغربية الحديثة ، فربما للحداثين بعض الفضل في اثارة الانتباه لعمقه و لمضامينه
على انه اذا كانت العناوين الاصلية و الفرعية الكبرى و الصغرى الخارجية و الداخلية عتبات لشئ ما ، فهي عتبات النص الشعري المقصود ، ونعتبر أن دراستها بشكل عميق هو تعبيد الطريق اليانع للتواصل و حسن الاصغاء للنص الشعري ، فكيف يتجلى لنا نص " اغتراب الأقاحي " ؟
شعرية النص / قصيدة النثر ::
لو أن الوقت يسمح بالكثير من الكلام النقدي في هذا المقام ، لكان لزاماً أن نبدأ بقراءة الأضمومة بصريا و تشكيليا – فعدد النصوص ( ليس فقط بالطبع هو كل ما يقال ، فالمبدع يختار في الغالب الأعم ما يحبذ طبعه ) و عدد الصفحات و عدد الأسطر - التوزيع الجغرافي للكلمة والجملة و البياض ) كل هذا مهم جدا ، و أكتفي هنا بالإشارة إلى هذه الأشياء ، على أن ما يهمنى في هذه الفقرة هو الأشياء على مايهمنى في هذه الفقرة هو " الجملة الشعرية " و بنية اللغة في هذه الأضمومة ، و ذلك بالنظر إلى تعانق اللغة بمستويات ثلاثة :
المنطق و الجمال و الدلالة
- المنحى المنطقى
قالت : فاطمة بوهراكة
جنون الشعر يجلبنى
يرمينى عبر أسوار بابل
العتيقة
لأرى وجهك الملائكى
و قد ركعت لك باقى الآلهة
هناك الياسمين قد انتحر
ليلة الميلاد
يمكن القول إن الشاعرة تتوق لتحقيق هدف مزدوج للكلمة الشعرية : لتبسيط ورد الاعتبار أو الامتلاء و هذا امر مشروع لأنه يرتبط بصورة " الفرد الحديث الحقيقي " الذي يبحث و ينزع فرص التعبير عن نفسه و التأكيد على أصالته و قيمه – ضدا على كل تيار جارف و ربما كان الفرض من العوامل التي دفعت بها للانتحار بـــ " القيمة الاصلية " أو " القيمة المفروضة " للكلمة ، بغية اعطائها معنى جديدا ايجابيا و خلاقا و هذا في اعتبارى المتواضع هو مقصود فاطمة بوهراكة بالركعات لباقى الألهة ، إزاء ليلة الميلاد كثرة و غزارة الزخم الإبداعى و الايحائي للشعر ، مقابل قلة الشاعرات المبدعات المخلصات ، إن جمال الشعر يعود إلى عدة أشياء ، ومن بينها نظام المفردات و كيفية علاقتها بعضها ببعض وهذا نظام لا يتحكم فيه النحو ، بل الانفعال و التجربة ، تقول الشاعرة فاطمة بوهراكة :
مسافات الخطو تزداد
اتساعا
تبارحنى انشودة لهذا
الزمان
تصرخ لحظة الالم
( متعبة ص 51 )
و تقول أيضا في " لكل هذا الألم أرفض كينونتى ) ص 67
قتلت لحيظة الفرح
بأياد شبيهة بيدى
يدى بريئة منى
من ألمى
فهي تفترض أن هذا القاموس الشعري يساير تجربتها النفسية بغناها و توترها و تناقضاتها أى بكل أبعادها ومعلوم أن التحول في الصوغ اللغوي و دلالات المعجم الشعري الجديد ، يقيم صرح التناقض البين بينه و بين القيم الجمالية التي فرضها تراث قديم عريق ، التي تكمن في تعليم دينى موحد شديد التنميط و الذي يلح على " الوحدة و لو مصطنعة " و الكفاية و الاستقرار و لو ادعاء وهكذا فالشاعرة الآن ، لكى تعبر عن كل هذه المجالات و الانشغالات و ما يعتريها من تناقضات فهي مجبرة على إدخالها إلى حيزها اللغوي حتى تخلخل معاييرها التركيبية التقليدية و ما يحكمها من علائق منطقية ، فتكسر توازنات هذه اللغة و تشوش على هدوئها ، فالعامل الشعري بهذه الكيفية هو تحد مستمر بين إرادته و رغبته في التحرر و بين ما يهيمن على المجتمع من تمثلات أصيلة و قوة ذهنية تقليدية ، قالت فاطمة بوهراكة في نص " لم السفر " ص 13
تبوح بسرها للغرباء
تسألنى لم السفر ؟
و قالت في قصيدة " عشتار لحظة النار " ص 41
فماعاد يخيفنى الرحيل
و ما عادت قدماى ترتجف
عند اللقاء
إن ما تثيره تحويل اللغة الشعرية من مشكلات فلسفية و سوسيولوجية و ادبية من جوانب واسعة الاهتمام ، هو من عوائق دراسة قصيدة النثر بشكل عام و من هنا تجد قصيدة النثر نفسها مختزلة في الغالب إلى العلامات الأساسية للتحول اللغوي الذي تشهده لغة القصيدة ، و عموماً فإن الخصائص المسجلة الآتية لا تشكل إلا ما ظهر واضحاً ونستطيع تاملها من زاوية التجربة التي نعتبر انها تطبع المرحلة الراهنة فيحلقات تطور القصيدة العربية المعاصرة
مصير اللغة / تحول العبارة :
القول عن اللغة من أرقى وسائل التعبير عن المصير الإنساني ، حتى و هي تبحث عن التحدي و تكريس تبادلاته مع جميع العناصر المحيطة بها و لعل اهم الظواهر التي تميز التحدى المعاصر للغة و بها اهمال الشاعر لقواعد النحو كما كرستها الفيلولوجيا منذ القدم تقول فاطمة بوهراكة في : نص " عيناك قساوة كبرى " ص 45
يجعلنى طفلة من ثلج من نار
تحتار الكلمات بين شفتي
ترميني بلهيب الصدمات
و تقول في نص " تولوز في الذاكرة " ص 35
ابتعد عني / إلى
ايها الجسد الدامى المعشوق
خطاياك شجر من زيتون
فخرق القواعد النحوية ، لا يمكن أن يعزى هنا إلى جهل بالنحو او لمعرفة قليلة به ، و إنما يعزى في نظري إلى عدم المبالاة بسلطة القواعد المكتوبة ، و التي تظل في الغالب الأعم محنطة في مصادر قليلة التداول إلا من طرف قليلة من المتخصصين / اللغويين و ذلك ضمن سياق عدم المبالاة بأية سلطة كانت .
فللشاعرة امتناع واضح عن ان يتطابق عندها النظام القائم و النظام الموروث تقول :
جنون الشعر يجلبنى
يرمينى عبر أسوار بابل العتيقة
و هما نموذجان الى جانب نماذج أخرى مثل نص " عشتار لحظة النار " ص 43
عشتار الصغيرة تحلم
برمسيس
في الدروب الملتوية
تحيك له أجمل اللباس
ترويه بدمها عطرا
و يظهر من خلالها حجم اللامبالاة التي تعتبر مقصودة وإرادية بل اللامبالاة بهذا المستوى تؤسس عند فاطمة بو هراكة جدلا ابداعيا يقوم على الهدم و إعادة البناء ، هدم القاعدة في الإسناد و التراكيب ، و تأسيس أو بناء أشكال إسنادية جديدة خاصة بها ، فما هي إذن الأشكال التي تجلت به هذه الجدلية الخارقة ؟
التنقيط و الفصل ::
من الأشياء التي افادها شعراء قصيدة النثر ، و ضمنهم شعراء الحداثة برمتهم ، كيفية التنقيط و توزيع الكلمات و الجمل في نصوصهم قالت فاطمة خراكة في نص " عشتار لحظة النار " ص 43
فكان الزواج
بابل السمراء شاهدة )
و في ص 44 تقول
فيتلك الليلة الساخنة فكان الطلاق
عشتار تبكى / تضحك
إذ يبدو نوع من الغوص ، غايتها تحطيم العبارة المعتادة ، المبنية هنا مثلا على الشرط و جوابه و في نص " عتبات الجرح الاخير " ص 71 امتنعت فاطمة بوهراكة عن وضع إشارات الفصل و التنقيط اللازمة ، مع غياب أدوات العطف و قدمت كل نصوصها ما يمكن تسميته بــ " النتف اللغوية " وما من شك في ان هذه التقنية انتشرت في قصائد النثر مع شعراء غيرها أمثال فاطمة ناعوت ، و انسى الحاج و يوسف زروقة و سولارا صباح و عزت
الطيري ومنال الشيخ و توفيق صايغ و شوقي ابزيغ و غيرهم ممن ساروا بالتجريب خطوات بعيدة
شكل الكتابة و توزيع النص :
و هما مكونان هامان يلعبان دوراً بارزا فيتكسير العبارة واعادة تقييم مكوناتها ، قالت فاطمة بو هراكة فينص ( همس على الاطلال ) ص 21 و يتوزع كلمة وكلمتان في كل سطر شعرى كما يلى : -
هيرودس كان هناك
يبصر
يسمع
يتكلم
فأعطى حكمه الملعون
بقطع كل الرؤوس
بوضعها في مقبرة
الغناء
و قالت في نص ( في مهب الريح ) ص 17
بين الدمع و الفرح
نقطتان
شمعتان
تافهة هي الأولى
إلى حد الغثيان
تجعلنى أسيرة
للاشئ
و في نص ( عشتار لحظة النار ) ص 43 و ص 44
نلاحظ كلمة " رمسيس " قد كررت و استغرقت خمسة أسطر ، لأن كل حرف منها انفرد بمعنى لغوى و فنى ، و بهذا نحن امام أشكال مختلفة للفصل ، من البياض العازل إلى التوزيع غير المنتظم على أسطر معينة إلى وصف الكلمات الخ
و لعل هذه الأشكال مما استعير من شعراء الغرب ، و هي هنا قد لا تبتعد عن البوح بأحد آخرين ، إما التعبير عن انفصام العالم الخارجى و الإشارة إلى تمزقه الداخلى / الباطنى ، و إما الإعراب عن امتلاك واقع اجتماعى لا يمكن القبول به ، و الذي لا مراء فيه ، أنه رغم هذا البعد الساخر من اللغة ومن أسوارها المنيعة ، فإن هذه النصوص في بنائها الحاضرة و في مضامينها ، هي في انسجام تام و كامل مع روح الشاعرة و " غيب " تجربتها .
قصيدة النثر و لغة السرد ::
في هذا المستوى تنضم نصوص فاطمة بو هراكة الى رعيل قصائد النثر العربية ، في عرض الظواهر الجديدة في استخدام الكلمة ، فعلاوة على تقطيع الكلمات إلى حروف مشتتة ، هناك سلوك معين مع الضمائر المشيرة للزمان و للمكان ، و هناك حذف اسم الموصول واستغناء عن فعل الكينونة في كثير من النصوص ، و حصر هذه المعطيات يتطلب " تشريح " الأضمومة برمتها ، على سبيل المثال دراستها إحصائيا ، و بدل ذلك نسجل تراجع الفعل و هيمنة الجملة الإسمية و شبه الجملة في قصيدة النثر ، فقد سبقت الإشارة إلى أن المستهدف الأكبر فيها هو الفعل و الاسم الموصول ، فهل صحيح ان الشاعر المعاصر ينزع نحو تخليص التعبير العربي من طبيعته المجردة و الإطلاقية ؟ ! إن " الهجوم " المذكور على الجملة العربية لا يقتصر على تحويل الفعل اسماً فقط ، بل يحاول إبعاده عن العبارة أصلا ، قالت فاطمة بوهراكة في نص ( زغاريد ولادة مؤجلة ) ص 39
حديثك يلدغ الوجدان
ينتحر لهذا الصخب الشائع
وقت الظهيرة
و قالت في نص ( مرثية على قبر هابيل ) ص 61
اتسائلنى ماذا نسيت الذاكرة ؟
وقيت الإخلاص المر
تعانقنى دنيا الآلم
و ذلك في محاولة للإيجاز و تفادي التفاصيل المملة ، و هكذا فإن نتائج ذلك ، قلة الجمل الفعلية وسيادة الجمل الإسمية و القصيرة منها على الخصوص ، وعلى ذلك تقل أيضا العبارات الخطابية ، من نداء و تفسير ، و الجمل الفعلية عموماً و هذا التراجع يزيد في سعة فضاء الحرية التي يتوخاها الشاعر المعاصر بنثريته الموحية ، إن ما يعترض تطور اللغة الشعرية من عوائق يزيد من مكابدة الشعراء بحثا عن التعبير الخلاق ، فالمرهون هنا هو ترجمة الروح و الداخل حيث تكمن النتائج الغربية و المتطرقة ، وما لا يعقل ، على ان هذه الخصائص ليست مشتركة لدى الشعراء كافة ، و إنما قد تكون موزعة بينهم تبعا للتجربة اللغوية و المنحى الجمالى عند كل منهم ، ومن الطبيعى أن مثل هذه الملاحظة لا تعدم استمرار بعض عناصر الجملة التقليدية في العديد من الأعمال الشعرية الأخرى من هنا و هناك .
بساطة الخطاب ...استعصاء التطويع :
من الواضح ان أضمومة الشاعرة فاطمة بوهراكة هذه لا تغرق في الاغتراب بفخامة بلاغيتها التي اتسم بها النثر العربي / كما انها تبتعد ما وسعها الأمر من النفس الرومانسي الغنائي فقد باتت نثرية الجملة الشعرية هذه تشكل في الحقيقة ، الموقع الذي تتلاقى عنده جهود الهدم التي نهضت بها العبارة التحديثية ، و تنطلق منها التجارب اللغوية الجديدة ومن المناسب في سياق رصد آليات البساطة الصعبة ، أن نقول بأن الشعراء المعاصرين انتبهوا الى القيمة ( الخام ) للكلام المستخدم في الكتابة و على ألسنة الناس على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم ، و هذه القيمة ليست مفروضة من قبل المعايير الأدبية و الفنية " فتحرير المادة التعبيرية من الأثقال المفروضة عليها تقليديا / إنما يعنى نقلها إلى حالة " وظائفية " محضة انطلاقا من قيمتها الحية .
و فيي نهاية دراستى أقول ::
تعتبر الشاعرة المغربية الجميلة فاطمة بوهراكة واحدة من الأسماء الأدبية البارزة في المشهد الثقافي المغربي ، و تجئ أهميتها الأدبية و الثقافية من مسائل عديدة أهمها اشتغالها بكل صنوف الكتابة الإبداعية و اهمها الشعر و المقالة و النقد و توليها نائب رئيس تحرير مجلة أوتار الثقافية الاليكترونية
و تعاطى إبداعها الجميل من حين لآخر عبر النشر الالكيترونى او الورقى و يترك ذلك في أنفسنا و روحنا بصمة صادقة و عميقة الأثر
و ليس أدل على ذلك من ديوان " اغتراب الأقاحي " الأخير الذي تناولته في هذه الدراسة النقدية .
بقلم حسن غريب
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.