دراسة متجردة عن أبيات أم السليك بن السلكة

يروى أن السليك هذا كان شاعرا صعلوكا، وهذا خبر، ومن صفات الأخبار أنها تحتمل الصدق والكذب.. والصعلكة هي الهجوم على القبائل، والصعاليك هم لصوص العرب.. فهم -على نحو ما- يشبهون التتار، الذين قيل إنهم يعيشون على سلب الأمم ونهب خيراتهم..

وقد أضفت كلمة "قيل" لا للتشكيك، وإنما لأكون محايدا، فقد تأتي بحوث تكشف لنا أن التتار كانوا جماعات منظمة، بل ربما جاءت الأبحاث وأنا نائم على أذني أغط!

اقرأ أيضاً المتنبي حكم واقوال ماثورة

أبيات أم السليك بن السلكة "دراسة متجردة"

 قالت أم هذا الشاعر، ويبدو أنها كانت ترثيه بعد وفاته

طاف يبغي نجوة •• من هلاك فهلك

ليت شعري ضلة •• أي شيء قتلك؟

أمريض لم تعد •• أم عدو ختلك؟

هذه 3 أبيات من وزن "مشطور المديد"، وهذه تفعيلات الأبيات

فاعلن مستفعلن •• فاعلن مستعلن

فاعلن مستفعلن •• فاعلن مستعلن

فعلن مستفعلن •• فاعلن مستعلن

هذا على رأي محمود شاكر في كتابه "نمط صعب"، وفي قوله نظر، وهو مع ذلك قول بديع معجب.

اقرأ أيضاً شرح 100 قصيدة شعرية.. تعرف على ساحة نيجيريا وأهم المعاجم العربية

مصطلحات الخليل للأجزاء "التفعيلات" على وزن

فاعلاتن فاعلن •• فاعلاتن فعلن

فاعلاتن فاعلن •• فاعلاتن فعلن

فعلاتن فاعلن •• فاعلاتن فعلن

قال إسحاق الموصلي المغني القديم المشهور كلمة علقت في ذهني، وهي أن المراثي تخرج من أصل الطويل، وفسرت ذلك بأن دائرة [؟] التي تحوي وزن الطويل:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

وعليه جاءت قصيدة مالك بن الريب التميمي "ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة... إلخ"، وقصيدة ابن الرومي "بكاؤكما... فجودا فقد أودى نظيركما عندي"، وميمية المتنبي في رثاء جدته "ولو لم تكوني بنت أكرم والد... إلخ".

والبسيط:

وعليه جاءت قصيدة الخنساء في رثاء أخيها صخر "قذى بعينك أم بالعين عوار؟"

لكن ماذا نقول في رثاء حسان بن ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي على وزن الكامل؟ وقصيدة أحمد شوقي في رثاء عمر المختار؟ يبدو أن هذه النظرية فاسدة.

كل شطر من هذه الأبيات يقوم على جزأين، أي تفعيلتين، والوزن قصير، والإيقاع سريع، والنغمة مستحسنة، والموسيقى واضحة.. إنه شعر يصلح أن يتغنى به، أو بتعبير أصح: يصلح أن يندب به، ما دام رثاء في ميت مفقود.. تخيل معي أم السليك وهي تشيع الجنازة الحارة بقلب موجوع وهي تقول هذه الأبيات المنغمة، وعلى آثارها النسوة يلطمن خدودهن ويضربن صدورهن.

لكن كيف يمكننا أن نتخيل ذلك المشهد الدرامي والنسوة الآن في مصر لا يندبن -إن ندبن- أزواجهن إلا بنعوت لا موسيقى فيها ولا إيقاع منتظما؟ تقول الواحدة منهن:

يا سبعي

يا رجلي

يا اللي ما ليش غيرك

سيبتني لمين؟

لسه صغير... إلخ

لكن قبل أن أستعجل ينبغي أن أسأل: هل تصح نسبة هذه الأبيات إلى امرأة؟ وهل تصح نسبتها إلى أم السليك؟ وكيف مات السليك؟ وما حكايته؟

اقرأ أيضاً مقدمة في حركة النثر في نيجيريا

تحليل الكلام في أبيات أم السليك

أم السليك قالت "طاف"، والطواف هو أن تذهب إلى أكثر من موضع في الأرض، وهذا الطواف لا بد له من سبب وغرض، فماذا كان غرض هذا الطائف؟ وأين ذهب حين طاف؟

قالت الأم الثكلى: "طاف يبغي نجوة"، وسأفسر "نجوة" وأقول: معناها "نجاة"، والنجاة هي الخلاص.. لقد ذهب هذا الابن إلى مواضع مختلفة في الأرض يطلب خلاصا من أذى، والأذى مذكور في الشطر الثاني من البيت، وهو "الهلاك" أي الموت.

إذن لقد كان هذا الشاعر الصعلوك يهرب من شخص أو أشخاص يريدون أن يقتلوه، ولكنه -ويا للأسف!- أدرك وقتل.. والبيت لا يوضح كيف مات؟ وما الذي فعله السليك حتى يطلب "حيا أو ميتا"؟ يبدو أنه أغار على قبيلة من تلك القبائل التي يهجم عليها ليأخذ من طعامها وحيواناتها وخمرها، ويبدو أن طالبيه قد بلغ بهم الغيظ مبلغه.. ويقال إن من صفات الصعلوك الحقيقي أن يسابق الريح إذا عدا ويقفز أمتارا إلى الأمام وينزل كالقرد من فوق الشجرة... إلخ. هذه صفات اللص، وإن كان بعضها مبالغا فيه.

لكن الأم تقول كلمة "ليت شعري"، وهي عبارة تفيد أن الأم ينقصها علم بشيء، فما الذي ينقصها؟ تعال ننظر..

 قالت: "ليت شعري ضلة"، وكلمة "ضلة" مزعجة جدا، مخيفة، ثقيلة، لو حذفناها لاستقام المعنى، إنها تسأل وتتمنى أن تعرف: من الذي قتلك يا ولدي؟ ليتني أعلم من الذي قتلك! الأم تجهل أم تتجاهل؟ لا أدري.

لكن المعجميين يقولون إن كلمة "ضلة" تعني الضلال، والضلة تعني الحيرة، وتعني معرفة الإنسان بالطرق في أثناء السفر.. فالدليل الماهر يوصف بأنه ذو ضلة، فهل هذا حقا ما قالته تلك المرأة الجاهلية؟ ألا يمكن أن يكون قد حدث للكلمة تصحيف أو تحريف؟ والسؤال: لو وقع التصحيف والتحريف فكيف سيكون الأمر؟

اقرأ أيضاً نماذج من الكتب الأدبية المصنفة في نيجيريا

توضيح بعض الكلمات في أبيات السلكة

الكلمة إما أن تكون "ضلة" (وقد تركت ضبط الضاد) وإما أن تكون "ضله" أو صله". وهذه الكلمات ستحيل المعنى، أي ستجعل معنى الكلام فاسدا، وأنا أريد الإصلاح ما استطعت.

قلت إن الشاعر المرثي هلك، أي مات، وقد مات مقتولا، لكن الأم تسأل سؤالا يوحي إلي بأن الأم لا تعرف إن كان القاتل إنسانا أم حيوانا أم جمادا أم طائرا.. إنها تقول: أي شيء قتلك؟ ولم تقل: من الذي قتلك؟ وقد يقول قائل: إن الوزن اضطرها إلى أن تعبر هذا التعبير غير الدقيق، وجرأها على ذلك أن المستمعين والمستمعات سيفهمون قصدها.

والملاحظ أن الأم التفتت، فبعدما كانت تقول: "طاف" متحدثة عن غائب، يدل عليه الضمير المستتر "هو"، قالت "أي شيء قتلك؟" كأنها تحدثه وجها لوجه.. فهل حضر في ذهنها خياله، أم أن الأمر لا يعدو التنويع في الأسلوب، أم هي ضرورة قافوية (نسبة إلى القافية، والقافية هنا تنتهي بحرف الكاف، والتزمت الأم بما لا يجب) جعلتها تقول "قتلك" بديلا من "قتله"؟

وهل "السلكة" اسم للشاعر أم لقب؟ فإن كان لقبا فربما لقبوه بالسلكة لأنه يكثر من سلوك الطرق الوعرة والسبل الموحشة لقطع الطريق والعودة بالغنائم.. إنه يسلك ويسلك ويسلك.. فهذه صيغة مبالغة قليلة الاستعمال في زماننا هذا، وبعيدة من أفهام كثير من المعاصرين، ومثلها رجل طلعة وصرعة وهمزة ولمزة ولقطة.

وأراني ارتكبت خطأ، كعادتي، حين نسيت أن "السلكة" اسم الأم!

من هو السليك؟

اسم ابنها هو "السليك"، ويبدو أن السليك تصغير "السلك"، أما "السلك" و"السلك" و"السلك" فكلمات لا أعرف معناها، وفي المعاجم قد يجد الباحث بغيته، لكنني عاهدت نفسي على أن أمتح من الذاكرة، حتى لو صار الكلام كله غلطا وقياسا فاسدا وتأويلا متهافتا.. إنني كتبت الأبيات الثلاثة على ورقة بيضاء ووضعت اسم صاحبة الأبيات، ثم أخذت الورقة ودخلت غرفة خالية من كل شيء، وأمسكت بالقلم وبدأت أفكر وأسأل وأبني على غير أساس، أو على أساس لا ينمو.

لكن مهلا! إنني لم أتجرد! فما زلت أنطق بأشياء مختزنة في الذاكرة، هذه المعلومات قد تكون سببا في قصور الفهم، ولكن الفائدة المرجوة تكمن في محاولة التجديد، وإعادة التكوين، وطرح الأسئلة.. ثم ماذا؟ ثم أعود للمعاجم وكتب اللغة والنحو والبلاغة والأدب، أعود ليصادف عقلي الذي انساق خلف أضاليله ما دون في تلك الكتب، وهذه المصادفة مدهشة عجيبة.

كان الشاعر يفر من هلاك، ولكن الهلاك أتاه ووكزه فقضى عليه، والأم ترثي ابنها (هذا على افتراض وجود السليك والسلكة)، وهي تجهل قاتل ابنها.

أما قولها: "أمريض لم تعد؟ أم عدو ختلك؟" فيبدو أن معناه: هل أنت مريض لم تستطع أن تعود إلي أم غدر بك أحد أعدائك فقتلك؟ وكلمة "العدو" قد يكون المراد بها إنسانا واحدا أو إنسانين اثنين أو أناسي كثيرة..

كما قد تكون كلمة "لم تعد" وهما، وأنها قالت: "لم تعد" أي هل مرضت يا ولدي فلم يزرك أحد فمت من قلة الرعاية؟ (وعلى هذا التأويل الأخير لكلمة تعود بمعنى تزور لا يكون معنى الكلام إلا أن الابن ميت ولا شك في موته، كما أن معنى هذا أنها كانت غائبة عنه وبعيدة منه حين مات).

كما يمكن تأويل كلمة "ختلك" بأن السليك مات مسموما، وأن الناس استدعوا الأم وقالوا لها: لقد وجدنا ابنك ميتا، فذهبت إليه ودخلت الخيمة ورأته مطروحا ساكنا، فغلبها البكاء وقالت في حيرة: أي شيء قتلك؟ أكنت مريضا فأهملت أم سمك أحد الأعداء؟

ثم بدا لي أن هذه الأبيات تحمل تناقضا يجعلها فاسدة، فالأم قالت في البيت الأول إن ابنها "هلك"، وقالت في البيت الثاني إنه مات قتيلا، ثم سألت كأنها تخاطب ابنها المقتول: أمريض لم تعد؟ وهذا يعني بوضوح أن الأم لا تعرف إن كان ابنها حيا أم ميتا.. فإن كان حيا فالقصيدة ليست في الرثاء، كما قد أسرف في التأويل فأزعم أن تلك المرأة قد اضطرب عقلها فصارت تهذي بكلام متناقض. 

ومن حقي أن أسأل الآن: يا أم السليك، هل مات ابنك أم لم يمت؟ وإذا كنت لا تعرفين الجواب فلم قلت إنه هلك في بداية كلامك؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة