دراسة مبسطة في تحليل الشخصية والتعرف إلى أنماط الشخصية

نجد اختلافًا كبيرًا بين الطب النفسي والتحليل النفسي، في حين الأول يتمثل في كونه وظيفة تخصصية يمتهنها قطاع من الناس، فإن الثاني يختلف، فهو ملكة ومهارة يمتلكها كل من لديه الرغبة وساعدته القدرة، فالفرد وسلوكه نتاج تفاعلي هائل لا ندركه بصريًا أو حسابيًا، بل تأخذنا النتائج الظاهرة المتأصلة في أفعال شعورية من سلوك إرادي وأفعال لا شعورية من سلوك لا إرادي يبدو عبر لغة الجسد.

اقرأ أيضًا أنماط الشخصيات.. استكشاف الشخصية النرجسية وغيرها من الأنماط 

التحليل النفسي

وهي ترجمة السلوك غير الإرادي في صورة حركات منظمة ومتراكبة لتعبر عن تفاعلات وانفعالات داخلية، كل هذه النتائج هي نتائج للتفاعل الدائر بين القوي الجسدية المتأصلة في العقل البشري وما يتحكم فيها من أدوات (أعضاء الجسم) وبين قوي غير مادية تعبر عنها القيم الفردية والاجتماعية للفرد...

فبينما يقع الفرد في منطقة الهو فيقوده سلوكه الفطري، ويُعبر عن ذلك موروثات الفرد، وكل ما مثبت لديه في الجبلة، ففي هذا النمط يسعى الفرد إلى إشباع غرائزه دون ضابط أو مانع.

إنه النموذج الأصعب لصعوبة السيطرة عليه، فهو يأخذك من الوعي إلى غير الوعي، ومن الثبات إلى حالة من انعدام الجاذبية الأرضية، وما عليك إلا أن تمسك بيده وتلملم ما بقي من أشلاء إدراكاته لتقود حوارًا ناجحًا يسمح بنجاح العلاقة العملية ما بين موظف وعميل.

ثم يأخذنا التطور في الهو إلى منطقة أخرى تضبطها خبرات الفرد الحياتية المتراكمة لتقود السلوك الشخصي من إشباع رغبات الفرد التي لم تنفصل عن منطقة الهو، كل ذلك بواسطة محددات وضوابط خاصة بالفرد يعتقد صحتها وتسمى منطقة الأنا.

ثم تأخذنا الأنا إلى منطقة أخرى هي منطقة الأنا العليا، وهي التي تعود بنا مرة أخرى إلى القيم التي زُرعت في شخصية الفرد منذ طفولته بفضل الوالدين وبتأثير ممن حولك من قيم دينية واجتماعية وثقافية، فهي تُمثل المنطقة المثالية للسلوك بفعل الشيء الصحيح بالطريقة الصحيحة في ضوء القيم التي نشأ عليها.

فعندما يتقدم أحد العملاء للحصول على سلعة أو خدمة ما فيأخذه سلوك الهو إلى سرقتها أو التعامل بأسلوب غير لائق وإثارة الفوضى في المكان وعدم احترام تعاليم المنظمة حول سياسات الانتظار والأولويات، وفي ضوء الأنا سوف يلتزم بدفع القيمة والالتزام بآداب وتعليمات المكان وغير ذلك.

في حين حين يدار سلوك الفرد بالأنا العليا سوف نجده يتصرف طبقًا لأخلاقيات وفضائل تربى عليها من تقديم من هم أكبر منه سنًا في الصف، وحمل الحقائب عن غير القادر أو مساعدة من يحتاج للمساعدة أو غير ذلك.

أما عن كيفية التعامل مع الأنماط الثلاثة فحينما يُقابلك ذلك النمط من الهو الذي تقوده غرائزه عليك أن تسعى للسيطرة على أفعاله وتقود الحوار بما يضمن إضفاء أخلاقيات المكان على سلوك الشخص وفيما يضمن نجاح العلاقة بين العميل والمنظمة، أما نمط الأنا فعليك أن تبرهن له أنك الأفضل والأقدر على إشباع كل تلك الحاجات والغرائز غير الشعورية إشباعًا يضمن ولاء الفرد للمنظمة.

فهو نمط سريع التفاعل قليل الولاء، أما الأنا العليا فعليك أن تُثمن تلك القيم داخل ذلك الشخص وتسعى إلى إعطائه نوبات متتالية من التقدير والاحترام الزائد فهو يستحق، وهو من أكثر العملاء ولاءً للمنظمة واستقرارًا ما دام يشعر بأن المنظمة تعمل في ضوء قوانين وأخلاقيات واضحة.

اقرأ أيضًا لماذا يحب الناس الشخصيات الشريرة؟ 

الأنماط الشخصية

لقد تناولت عدة نظريات مفهوم أنماط الشخصية، وليس الأمر بحديث العهد، فمنذ أن سعى أبُقراط في (460 ق.م ـ 370 ق.م) لتصنيف الأمزجة والأنماط وفقًا لما سمّاه نظرية الأخلاط معتمدًا في ربط أنماط الشخصية بأخلاط جسم الإنسان الأربعة (الدم والبلغم والمدَّة الصفراء والمدَّة السوداء).

الخلط الصفراوي

مسكنه في الجسم المرارة، وهو نمط صفراوي.

الخلط الدموي

مسكنه في الجسم الكبد، وهو نمط دموي.

الخلط البلغمي (اللمفاوي)

مسكنه في الجسم الرئة، وهو نمط بلغمي (اللمفاوي).

الخلط السوداوي

مسكنه في الجسم الطحال، وهو نمط سوداوي.

وراح يفسر أبُقراط اختلاف الأنماط السلوكية حسب اختلاف نسب الأخلاط الأربعة في جسم الإنسان، فزيادة أي من الأخلاط أو نقصانه يؤثر في الحالة المزاجية للفرد ليكون بعد ذلك نمطًا سلوكيًا.

وراح كل من هيمنز ولوسين إلى تقسيم الأنماط السلوكية أيضًا إلى نفس الأنماط الأربعة وذلك بعد أن أجريا تجارب على 2523 شخصًا في المرحلة بين 1906م و1909م في هولندا، ويعد هذان العالمان مؤسسي علم الطباع الحديث، لكنهما اعتمدا في تصنيفهما على السمات الشخصية فنجد أن:

- النمط اللمفاوي في رأي أبُقراط هو شخص يتسم باللامبالاة والبرود والهدوء الزائد، في حين رأى هيمنز غير ذلك، فقد قال إنه شخص يتسم بالحيوية.

- النمط الصفراوي (الغضوب) في رأي أبُقراط هو شخص نشيط ومفعم بالحيوية والقوة، في حين هيمنز ولوسين قالا إنه شخص انفعالي وفطري.

- النمط الدموي في رأي أبُقراط شخص حاد الطباع سريع الغضب، في حين ذكر هيمنز ولوسين إنه ليس شخصًا انفعاليًا، بل هو شخص حماسي وذو حركة.

- النمط السوداوي (العصبي) في رأي أبُقراط هو شخص سريع الإثارة غير مستقر متشائم يميل إلى الحزن، واتفق هيمنز ولوسين معه في ذلك.

اقرأ أيضًا ماذا تعرف عن الشخصية الحساسة وكيف تتعامل معها ؟ 

دراسات تبنت مفهوم الأنماط الشخصية

وتوجد عدة دراسات تبنت مفهوم الأنماط الشخصية، فنجد أن:

أرسطو (نظرية المتضادات) قسم الأنماط إلى أربعة مثّلها كالآتي:

نار (دافئ) ـ هواء (بارد) - تراب (جاف) ـ ماء (رطب)

كارل يونج (نظرية الوظائف)

تفكير، حدس، وجدان، إحساس

نظرية الاتجاهات

انبساط، حكم، انطواء، إدراك

إبرافائيل - كنج (نظرية أنماط الجسم)

نخامي، أدرنالي، تناسلي، درقي

وعدة دراسات أخرى لأنماط الشخصية معتمدة على صفات الفرد الجسمانية (بدين، نحيف، عضلي)، ومنها ما راح إلى شكل الوجه، وهو ما عرضه مارل (مربع، مثلث، مستدير، مستطيل)، لكني أجد أن كل تلك الدراسات تدور في المفاهيم الأساسية التي وضعها كلٌّ من هيمنز ولوسين (الانفعال، الحيوية، الوقع)

- الانفعال

يُعبر عن كمية الطاقة العصبية التي يتمتع بها الفرد، وهي التي تثيره نحو أمور تافهة (سريع الإثارة، سريع الانفعال، ذاتي، غير صبور، مزاج متقلب، قلق، خيالي).

- الحيوية

وتعبر عن كمية الطاقة العضوية التي يتمتع بها الفرد، ودائمًا ما تترجم إلى تحقيق الأفعال، فهو شخص (جريء، مثابر، دائم الانشغال، موضوعي، واثق، عملي).

- الوقع

وهو وصف التصورات أو الانطباعات، وتعني السرعة التي تظهر بها ردة الفعل، وتشمل: 

الوقع الفطري

وهو شخص سريع التأثر، ويسمى البدائي أو الفطري، وتأتي ردة فعله سريعًا ثم يزول الانفعال ويُنسى سريعًا، وهو سهل الإرضاء سريع الاندماج ولديه قدرة على التأقلم.

الوقع الترصني

وهو أكثر هدوءًا في ردة فعله، ومنظم ورزين تظهر ردة فعله في وقت لاحق، لكنه لا ينسى بسهولة.

وإذا ما أردت تصوير كل من النوعين فأنا أتحدث عن الرمل والرُخام، فالرمال (الوقع الفطري) الذي تسهل الكتابة عليه وتسهل إزالة تلك الكتابة، أما الرُخام (الوقع الترصني) فتصعب الكتابة عليه وتصعب إزالتها.

وفيما يأتي بعض من أنماط الشخصية وكيفية التعامل معها بما يضمن نجاح العلاقة بالعميل والاحتفاظ به عميلًا للمنظمة، وهو ما يحتاج لأن تتمتع بشيء من الدبلوماسية:

بعض من أنماط الشخصية وطريقة التعامل معها

1- الشخص الودود

وهو شخص دائمًا يشعر بالأمان ويثق بنفسه وبالآخرين، وهو حسن المعاملة ويميل إلى الابتسامة والمرح والهدوء واللين، لكنه لا يجيد الحديث حول العمل وهو حسن المعاملة كريم المقابلة.

التعامل مع الشخص الودود 

ولكي تتعامل مع هذا النمط بنجاح

- تجنب الدخول في مناقضات جانبية، وليكن الحديث حول صُلب الموضوع المطروح معه، وعدم الخروج منه، لكن دون قسوة في إدارة الحوار.

- قابله باحترام وقدَّر مشاعرهُ وأصغي إليه وأعطه الاهتمام عند الحديث.

- تحتاج لإدارة الحوار أحيانًا إلى شيء من الجدية التي تبدو على وجهك البشوش.

2- الشخص الخشن

وهو يكاد يكون عكس ما سبق، فهو قاس في تعامله مع الآخرين وأحيانًا تأخذه القسوة إلى ظلم نفسه، ويكثُر من مقاطعة الآخرين عند الحديث، ولا يراعي مشاعرهم ولا يثق بهم، ودائمًا ما يسعى إلى فرض هيمنته على الآخرين، ويتعامل معهم بغرور، فهو يرى أنه دائمًا على صواب وما دونه خطأ، لذلك هو دائمًا ما يناقش مع الاستئثار برأيه.

التعامل مع الشخص الخشن

وللتعامل مع هذا النمط:

- عليك أن تحافظ على أعصابك وهدوئك جيدًا.

- تحقق من أنك على استعداد ومقدرة تامة للتعامل معه دون انسحاب.

- عليك الإصغاء إليه جيدًا، ولا تحاول إثارته، بل جادله بالتي هي أحسن.

- دائمًا ما يحمل حوارك الشواهد والأدلة المناسبة بما يعطي رأيك حجة وثقة.

- استخدم معلوماته وأفكاره وأعد صياغتها بما يحقق وجهة نظرك وكن حازمًا في تقديم وجهة نظرك.

- استخدم معه أسلوب نعم، لكن... وهو ما يجنبك المواجهة.

3- الشخص العنيد

هو شخص قاس في تعامله، ولا يحترم الآخرين، ويحاول النيل منهم إشباعًا لعناده، فهو يتجاهل وجهة نظرك، ولا يرغب في الاستماع إليها، وأحيانًا يرفض الحقائق الثابتة ليظهر تمسكه برأيه.

التعامل مع الشخص العنيد

وللتعامل مع هذا النمط:

- حاول أن تشرك الآخرين معك لتكوين رأي جماعي في مواجهة رؤيته المتصلبة.

اطلب منه التقارب ولو لحين الانتهاء من شرح وجهة نظرك حتى يحدث التفاهم.

- أخبره بأن وجهة نظره سوف تكون محل دراسة فيما بعد.

- لا تدخل معه في تصادم واستخدم أسلوب نعم، لكن...

4- الشخص المتردد

هو شخص تبدو عليه علامات القلق والخجل، ويفتقر إلى الثقة بالنفس، ولديه صعوبة في اتخاذ القرار، وهو لا يجيد نهائيًا التعامل مع البدائل المتعددة، ويجد في اللوائح والأنظمة الثابتة والأسعار الثابتة ضمانًا يحتمي به، وهو كثير الوعود والمراوغة ولا يراعي الوقت، ودائمًا ما يأخذه قلقه إلى عدد من الاستفسارات والمعلومات، وهو لا يثق بالآخرين كما لا يثق بنفسه.

التعامل مع الشخص المتردد

وللتعامل معه:

- عليك ألا تعرض عليه عددًا من البدائل.

- اسع دائمًا إلى بث روح الثقة به، وتخفيف حدة القلق والخجل واعمل على طمأنته.

- نوِّه بأضرار إهدار الوقت ومساوئ التأخير.

- وفر له المعلومات الكافية مرة واحدة حتى لا تدع له مساحة للتردد والقلق.

- تحاشى أن تبدو أمامه أنك شغف بإتمام الصفقة، بل احرص أن يبدو ما تقدمه له على أنه دعم وأمانة مهنية، وأن العلاقة بينكما ليست مجرد صفقة.

تابع بعض من أنماط الشخصية وطريقة التعامل معها

5- الشخص الثرثار

وهو شخص كثير الكلام يتحدث في كل شيء وعن كل شيء، ويعتقد أن لديه قدرة لتصدر النصح في كل الأمور، ويأخذك للحديث في كل الموضوعات باستثناء الموضوع المطروح، وهو واسع الخيال، ولديه عدد من الأخطاء واللغط في المفهومات.

التعامل مع الشخص الثرثار

ويمكن التعامل معه بأن:

- تظهر له دائمًا أن هذا ضياع للوقت، وأنك غير متقبل لهذا الأمر.

- قاطعه في منتصف الحديث بالعودة إلى الموضوع المطروح.

- أخبره أن ما يعرضه ليس محور الحديث، وأنه يمكننا الحديث عن هذا الأمر في وقت لاحق.

- استخدم أسلوب الأسئلة المغلقة (نعم ـ لا).

6- الشخص البارد

هو شخص شديد الإصغاء وتفهم المعلومات، لكن لا يبدو عليه أي رد فعل، فهو بطيء في التعبير، ولا يحب التعبير عن رأيه، ولا يبدي أي اعتراضات أو إجابات على الأسئلة الموجهة إليه، وهو شخص لا يميل إلى الدخول في علاقات شخصية، فهو ليس من الأنماط السلوكية العاطفية أو الودودة.

التعامل مع الشخص البارد

ويمكن التعامل معه بأن:

- تظهر له التقدير والاحترام والإصغاء بشدة عندما يتحدث.

- تحاول ألا تقاطعه في الحديث، وأن تستخدم الصمت لإجباره على الحديث.

- لا تسرع في حيثيات الحوار، وكن على قدر عال من الهدوء، فهو لا يأمن للمتعجل، بل يحب أن يأخذ من الوقت ما يشبع رغباته في التفكير والتهرب من إبداء الرأي.

- تستخدم أسلوب الأسئلة المفتوحة في الحوار.

7- الشخص الانتقادي (المتصيد للأخطاء)

هو شخص هجومي يتصيد السلبيات والأخطاء، ولديه قدرة عالية على إحراج الآخرين، ولا يتحرج من طرح أسئلة هجومية، وهو قاس في إبداء رأيه ويدعي المثالية.

التعامل مع الشخص الانتقادي

وللتعامل معه عليك أن:

- تحتفظ بهدوئك، وألا تنخرط في البحث عن إجابات أسئلته المثيرة للأعصاب.

- أن تصغي إليه بشدة، وتوجه إليه إجابات قصيرة معبرة ودقيقة.

- ألا تعطيه الفرصة لإدارة الحوار، ولا مساحة لتعدي آداب الحوار.

8- الشخص المعارض

هو شخص اعتاد المعارضة لفراغ فكره، وهو تقليدي الفكر، ولا يبالي بمشاعر الآخرين، ويترك أثرًا سلبيًا لدى الآخرين بعد الحوار، وينقد كل ما هو حديث ومتطور، ولديه نظرة تشاؤم، وهو عنيد وصلب ودائمًا ما يتحدث عن نفسه وعن الماضي، يهاب الفشل فيتعلق دائمًا بالأنظمة، وقد يطرح نماذج أخرى للمحاكاة والمعارضة.

التعامل مع الشخص المعارض

ونجاح التعامل معه يكون بأن:

- تحدد إجاباتك المدعمة بالدلائل البينة.

- لا ترضخ لمقاطعاته حديثك المتتالية.

- تؤكد له أن لديك عدة دلائل تثبت صحة كلامك.

- تقبل نقده في حدود المقبول، ولا تدخل معه في صراع.

- تتحلى بالصبر.

- تستخدم أسلوب نعم، لكن...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة