دراسة في مرض الوسواس القهري

الوسواس القهري هو هجمات خبيثة تبدأ بهيئة صور ذهنية كاملة الملامح والتفاصيل، حادة وتُهيمن... هذه الصور وهمية ولكنها تبدو حقيقية للمريض.

تجتاح هذه الصور الوهمية والمستدرجة للأذى عقل الإنسان المصاب به وتحاول السيطرة والتحكم.

تكون هذه الصور عادة مزعجة، غير عقلانية، طقسية الطبيعة، غريبة وقسرية بقوة، بحيث تُجبر المريض على التعبير عنها عضليًّا عبر كلام أو سلوك يُسيء للمريض ويؤذيه على الصعيدين الشخصي والاجتماعي.

قد يعجبك أيضًا اضطراب الوسواس القهري.. أعراضه وطرق علاجه

كيف يبتز الوسواس القهري المريض به؟

في حال لم ينفذ المريض أوامر هذا الوسواس سينعكس ذلك عليه بقلق وتوتر وهلع تتفاقم آثارها السلبية إلى درجة لا تُحتَمل، وذلك في حال ماطل المريض في تنفيذه الأوامر القادمة من الوسواس؛ لذلك يضطر المريض بالنهاية إلى تنفيذ هذه الأوامر والشعائر الغريبة من أجل تفريغ أحاسيس القلق والتوتر والمشاعر السلبية الأخرى للتخلص منها لمدة مؤقتة.

أما الشخص الطبيعي الذي لا يعاني  وسواسًا قهريًّا فتمر في ذهنه صور عشوائية وغريبة أيضا ولكنها تكون مختزلة، خفيفة، رمزية تمر مرور الكرام...

فلا تُكوِّن أي علاقة مباشرة، مَرَضية ودكتاتورية إملائية تسيطر على الجهاز العصبي المركزي. مثلما تفعل مع عقل وأعصاب من يعاني مرض الوسواس.

قد يعجبك أيضًا الوسواس القهري واضطراباته وطرق الوقاية منه

ميكانيكية عمل الوسواس القهري

الوساوس تعمل على نحو دوري، فالمريض يعلم أن هجمات أخرى ستعود لتتحكم به بعد مدة استرخاء مؤقتة، وستعاود إجباره على ممارسة شعائر غريبة ومنهكة للأعصاب تكرر نفسها ضمن بوتقة روتينية منغلقة على نفسها.

فالمقايضة بين الوسواس الخبيث ومن يسكن دماغه من ضحية هي؛ نَفِّذ ما أريد يا هذا وإلا سأحرك عواصف من المشاعر السلبية داخلك التي لا يمكنك تحملها مدة طويلة.

مثال عن هجمة لوساوس قهرية على دماغ شخص مريض

يرتبك المريض ويقلق قلقًا شديدًا من أفكار وسواسية بعد خروجه من المنزل بقليل.. فالوسواس الخبيث يهجم بواسطة خلقه صورة وهمية أولية وعامة في ذهن المريض لا يمكنه تجاهلها.

فيرى مثلًا في ذهنه صورة باب بيته قد خُلِع وكُسِرَ وتتم الآن سرقته، كل ذلك وهم بالطبع، ولكن الوسواس يثير قلق ونوبة هلع حقيقية يختبرها المريض، قانعًا إياه بأن عليه أن يتحقق على أرض الواقع وعلى الفور بأن باب بيته لم يُكسَر.

ومن ثم يتابع هجومه على المريض بأوهام وتخيلات مُتشعِّبة من الصورة الأولى الأساسية العامة.. حينئذ لا يستطيع المريض احتواء هذا التشعُّب في ذهنه، قد أصبحت سلامة أعصابه رهن الرجوع إلى بيته والتأكد من الباب.

كيف يعمل الوسواس القهري من الدرجة الحادة داخل عقل المريض في المثال المذكور؟

يعمل هذا الوسواس على هيئة وسيط يفتح جدالًا حادًّا بين الشخص وعقله، فيتغلب الوسواس على الاثنين في النهاية بفبركته لسيناريوهات واحتمالات غزيرة من أوهام تجعل المريض يقع في دوامات لا تنتهي من الأسئلة التي يسأل بها نفسه.

فأما المثال السابق دعونا نستعرض ما قد يدور في عقل المريض من حوار مع نفسه قبل وصوله للتحقق من الباب.

  • ماذا لو كُسر الباب ودخل السارقون حقًّا؟
  • حتى ولو دخلوا، قد يكون أبي في المنزل.
  • ماذا لو لم يكن أبي في المنزل؟
  • هل أخفيت الأموال في مكان لا يمكن الوصول إليه أم نسيت؟

ثم يتشعب السيناريو أكثر ويخرج عن الموضوع الأساسي:

  • ماذا لو قرر أحد السارقين قتلنا لكي لا نقدم شكوى؟
  • هل أحمل سلاحًا قبل أن أدخل إلى البيت لقتل السارق قبل أن يحاول قتلي؟
  • ماذا لو فتح الغاز في البيت وملأ الأجواء وعند وصولنا رمى عود ثقاب من النافذة إلى المطبخ فانفجر البيت؟
  • هل أتصل بأهلي لأتيقن أن لا أحد منهم موجود في البيت؟

وهكذا....

لك أن تتخيل الآن المستوى العالي من الضرر النفسي والعصبي والجسدي الذي يسببه الوسواس القهري لمن يتحكم به.

فالمريض يعيش سيناريوهات وهمية في ذهنه على أنها حقيقة. فتأكله هذه السيناريوهات من الداخل صحيًّا وعصبيًّا لتفاعله معها لاإراديًّا على أنها احتمالات قد تكون حقيقية، ما ينعكس على جسده بالتعرق مثلًا، الرجفان، الصداع، التوتر، سرعة ضربات القلب، وامتصاص لصدمات عصبية متتالية ريثما يصل إلى بيته ليتحقق.

كيف يرى خبراء علم وطب النفس الوسواس القهري؟

الوسواس القهري من الدرجة الحادة هو من أصعب الأمراض النفسية على الإطلاق، والتي لم يستطع الطب احتواءها كليًّا صحيًّا إلى الآن... حتى من قبل أعظم أطباء وعلماء النفس عبر العصور.

فأكثر ما يمكن فعله هو تخفيف أعراضه عبر تعليم المريض بعض الحِيَل العقلية والسلوكية لخداع هذا الوسواس، أو ابتكار سُبل للتعايش معه كمحاولة للوصول إلى نقطة اعتدال بين هذا المرض الخبيث والمريض الذي يعانيه.

وذلك بمساعدة من بعض الأدوية النفسية العصبية التي تثبط النشاط الكهربائي الكيميائي عند مرضى الوسواس القهري في بعض مناطق الدماغ، والذي يكون نشاطه عاليًا جدًّا مقارنة بالإنسان السليم، ويكون غير منتظم أو سليم الإيقاع في تأثيره في أثناء نقل السيالات العصبية عبر الجهاز العصبي المركزي إلى عضلات المريض.

والذي يسبب بدوره اضطرابًا يُدعى خارج الهرمية، فيجد المريض أحيانًا صعوبة في ترتيب وتنسيق حركاته العضلية تزامنيًّا.

الوسواس.. لم يستطع إلى الآن الطب التقليدي علم النفس، الفلسفة، أو الدين تفسير وعلاج هذه الظاهرة السلبية المؤذية على نحو شامل عبر العصور... فهي ظاهرة مرضية قديمة جدًّا.

لماذا من الصعب احتواء مرض الوسواس؟

للوسواس نماذج وأنماط فكرية لا حصر لها، بحيث تسبق أنماطه الفكرية المريضة أوامره القسرية على عضلات المريض.. والتي تتجلى على أرض الواقع على هيئة ألفاظ وسلوكيات متطرفة، طقسية، أو غريبة لا حصر لها من الأنماط أيضًا.

فالوسواس زئبقي في طبيعته، متفاوت في حدته بين شخص وآخر، فتراه يتحول من صورة لأخرى عبر حياة من يتحكم به حتى تختلف هيئته على نحو كبير بين اثنين يعانيان من الوسواس.

لذلك من الصعب حصره ضمن أصناف مختصرة مشتركة السِّمات تُسهِّل تحليله ودراسته.

فقد أرجع علماء الدين مصدر الوسواس على أنه آتٍ من وسوسة الجن والشياطين في النفس البشرية، في حين أرجع علم النفس التحليلي هذه الظاهرة الضارة لعدم توازن في إفرازات الدماغ وربما عوامل وراثية، بحيث ينعكس عدم التوازن هذا سلبًا على كامل الجسد مسببًا مضاعفات أخرى.

يصيب الوسواس ذو الدرجة الحادة نسبة قليلة جدًّا من البشر، ولأسباب مجهولة أو مختلطة، وأثبت علم النفس أن أمراضًا نفسية أخرى مثل الصرع أو الفصام أو الذهان وغيرها من الأمراض النفسية قد تنشأ تدريجيًّا في صورة آثار جانبية أو مضاعفات لاحقة تابعة لمرض الوسواس القهري.

أما الفلاسفة عبر العصور، فقد كانوا على علم بوجود مرض الوسواس القهري، وحاولوا معالجته عن طريق بحثهم ودراستهم لماهية الأفكار وأصولها، نظرًا لأن الوسواس يبدأ في صورة أفكار قبل أن يتجلى لفظيًّا أو سلوكيًّا على أرض الواقع مُعبرًا عن نفسه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة