إن إدراج دراسة الجدوى الاجتماعية ضمن أدوات تقييم المشروعات لا يمثل ترفًا اقتصاديًّا، بل ضرورة إستراتيجية لبناء اقتصاد أكثر عدالة واستدامة. فالربحية الحقيقية لا تُقاس فقط بالعوائد المالية، بل بقدرة المشروع على رفع مستوى معيشة الأفراد، وتقليل الفوارق الاجتماعية، وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم. وفي ظل تزايد الضغوط التنموية، تظل دراسة الجدوى القومية أحد الأعمدة التي يقوم عليها اقتصاد سليم يعزز رفاهية المجتمع كله.
ما المقصود بدراسة الجدوى الاجتماعية؟
دراسة الجدوى الاجتماعية من الدراسات الاقتصادية الحديثة التي بدأ استخدامها في الدول النامية التي شاع استخدامها في الدول المتقدمة، وهي دراسة جدوى المشروعات من منظور الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها الاقتصاد الوطني.

إن الاقتصاد الوطني في أي بلد من بلدان العالم له أهداف استراتيجية وطنية يسعى إلى تحقيقها بتجسيد المشروعات الاستثمارية في مختلف النشاطات؛ فأصبح تعظيم الرفاهية الاقتصادية لأفراد المجتمع أحد الأهداف المهمة التي تسعى دراسة الجدوى الوطنية إلى تحقيقها. ولم يقتصر الاهتمام بدراسة الجدوى الوطنية للمشروعات على حكومات الدول المتقدمة والنامية.
وما دامت الأهداف الاقتصادية التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها لا يمكن عزلها عن الأهداف الاجتماعية والسياسية، فعلى واضعي السياسات الاقتصادية السياسية اتخاذ قرارات تساعد في تحقيق الأهداف التي يرغب المجتمع في تحقيقها بأقصى قيمة ممكنة، وبما يتلاءم مع القيود التي تفرضها ظروف المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
أهمية تقييم الجدوى الاجتماعية
ليس من الضروري أن يكون المشروع مربحًا من وجهة نظر المجتمع حينما يكون مربحًا من وجهة نظر المستثمرين. وليس من الضروري أن المشروع الذي يتوقع أن يحقق أرباحًا للمستثمرين يحقق في الوقت ذاته ربحية من وجهة نظر المجتمع أو الدولة التي يقام بداخلها هذا المشروع.
مفهوم تقييم الجدوى الاجتماعية
يجب ألا نفهم أن مجموعة المعايير المتبعة في تقييم المشروعات -سواء منها معايير الربحية التجارية أو معايير الربحية الاجتماعية- الواحدة منهما بديلة عن الأخرى، بل العكس. فكلاهما ضروري عند اتخاذ القرار بشأن قبول أو رفض المشروع الاستثماري المقترح، ولا سيما للسلطات الاقتصادية التنفيذية عند منح الموافقات أو التراخيص لمزاولة النشاط، وبالنسبة للقائمين على السياسات الاقتصادية في سعيهم لتحقيق المنفعة الاقتصادية للمجتمع، ووضعهم لخطط التنمية الاقتصادية بمنظور التنمية الشاملة الذي يسود في السنوات الأخيرة.
أهداف دراسة الجدوى الاجتماعية في التنمية
يمكن ذكر أهم أهداف دراسة الجدوى الاجتماعية وما يترتب عنها من آثار على التنمية الاقتصادية الشاملة فيما يلي:
- الوصول إلى الكفاءة الاقتصادية في تخصيص الموارد الاقتصادية من وجهة نظر المجتمع بين السلع والأنشطة الاقتصادية، وبين الأقاليم والمناطق المختلفة بترشيد القرارات الاستثمارية.

- إن الاكتفاء بتحقيق الكفاءة الاقتصادية في تحقيق الموارد ليس من الضروري أن يترتب عليه أقصى رفاهية لأفراد المجتمع، ويجب أن يكون هذا الهدف مصاحبًا للوصول إلى الكفاءة في توزيع الدخل الوطني بين المناطق والأقاليم المختلفة داخل البلد.
- تحقيق عدم التضارب بين الجدوى الخاصة والجدوى الوطنية. فلغرض اتخاذ القرار السليم للاستثمار في مشروع معين، وتخصيص الموارد الضرورية له، يجب إجراء تقييم تجاري للمشروع، إضافة إلى التقييم الاقتصادي، أي إن احتمال التعارض بين نتائج اختبار دراسة الجدوى الخاصة التي تستند إلى تعظيم الربحية التجارية، ونتائج اختبار دراسة الجدوى الوطنية التي تستند إلى هدف تعظيم الربحية الاجتماعية، أمر وارد وهو الأكثر احتمالًا، حتى يكون المشروع مقبولًا من طرف المستثمر الفرد.
أهمية تقييم دراسة الجدوى الاجتماعية للمشروعات
يمكن أن نبين أهمية دراسة الجدوى القومية وآثارها الإيجابية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية باستعراض أهم أهدافها:
- تحقيق الكفاءة الاقتصادية في تخصيص الموارد الاقتصادية من وجهة النظر الاجتماعية، سواء بين السلع والأنشطة الاقتصادية المختلفة، أو بين المناطق والأقاليم المختلفة، بترشيد القرارات الاستثمارية بما يسمح لمتخذي القرار وصانعي السياسة الاقتصادية بالاختيار المناسب بين مختلف البدائل المتاحة.
- تحقيق العدالة في توزيع الدخل الوطني بين الأجيال الحاضرة والمقبلة، وبين الأقاليم المختلفة داخل البلد الواحد.
- مواجهة التعارض بين أهداف ونتائج دراسة الجدوى الخاصة ودراسة الجدوى القومية، وأن احتمالات التعارض بين نتائج اختيار كل من دراسة الجدوى الخاصة التي تعتمد على تعظيم الربحية التجارية، ودراسة الجدوى القومية التي تعتمد على هدف تعظيم الربحية الاجتماعية هي احتمالات واردة. على اعتبار أن تطابق نتائج اختيار كل منهما يتطلب مجموعة من الفروض والشروط يصعب توافرها في الواقع، سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية.
إن دراسة الجدوى القومية تستهدف تحقيق الرشادة الاقتصادية والاجتماعية في القرارات الاستثمارية عمومًا، والقرارات المرتبطة بالمشروعات العامة، واختيار السياسات الملائمة بشكل خاص. لذلك فإن مثل هذه الدراسة تقدم الفرصة لاختيار البرامج والسياسات التي يتحقق في نطاقها أقصى إسهام ممكن لأفراد القطاع الخاص، وكذلك أقصى كفاءة ممكنة لوحدات القطاع العام، ومن ثم أقصى رفاهية لأفراد المجتمع.
وعمومًا، طالما كانت الندرة النسبية للموارد الاقتصادية ظاهرة عامة، وأن التعارض بين نتائج الربحية الخاصة والربحية الاجتماعية هو الأكثر احتمالًا، فإن الاهتمام بدراسة الجدوى القومية يُعد من الأمور الحتمية في جميع النظم الاقتصادية، طالما رغب المجتمع في تعظيم الرفاهية لأفراده.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.