دخان ورق.. قصة قصيرة

بداية اليوم دائمًا هادئة، أصحو مبكرًا فأجد الكل نائمًا، أتجول في الشقة ثم أخرج للبلكونة أشاهد اليوم وهو يبدأ.

ككل الأطفال أستمتع بالوقوف في الشرفة مراقبًا الجميع، وكان كشك عم محمـد يقع أمام البلكونة مباشرةً، يفصلنا شارع تمر منه السيارات والناس، كان الكشك متكدسًا بالكتب، فأرى عم محمـد دائمًا جالسًا على كرسيه لا يتحرك ساعات عدة، مدخنًا، يقرأ الصحيفة أو كتابًا ما، دائمًا ما أعبر من أمامه في طريقي إلى البيت أو المدرسة، لا يتغير مكان جلوسه أبدًا، ولا طريقة نظرته للصحيفة بإمالة رأسه للأسفل محاولًا أن يقرأ من وراء عدسات نظارته الطبية، كانت تلك العدسات دائمًا أسفل ما يجب وهو يتمعن النظر حتى تكاد أن تقع من فوق أنفه، وقد كان محظوظًا بأنفه الطويل في ذلك الأمر.

كانت نظرته بها شيء من الاحتقار، فهو لا يضحك أبدًا، لم أره يبتسم أبدًا، عابس الوجه طول الوقت، لم أر الكشك مغلقًا من قبل، كان عدد الكتب يفوق مساحة المكان كثيرًا، فكانت الكتب تكاد أن تلتهمه، كذلك كان يبدو المشهد من شرفتي، ولكني كنت أتحمس حين أذهب إليه لشراء الصحيفة لأبي، كنت أهاب النظر إليه.

فهو لا يتوقف عن القراءة، وعندما أقاطعه كان دائمًا ما ينظر إلي نظرة قاتلة تشعرني بأنه غير سعيد بوجودي في هذا التوقيت، كنت أشعر بغضبه الداخلي وأنا أتفنن في اختيار روايات الجيب، فكان ينتظرني دون أن يتكلم، مكتفيًا بمراقبتي من وراء نظارته، مشاهدًا حيرتي في الاختيار بين القصص، أحيانًا لا أتذكر أني رأيته يتكلم أبدًا، هو فقط ينظر للناس والحركة أمامه، كأنه إنسان آلي لم يتعلم النطق قط، كانت عشوائية الكتب حوله مثيرة للاهتمام والريبة، آلاف الكتب حوله، وأتخيل أنه قرأها كلها جميعًا، فهو لا يتوقف عن القراءة في أي وقت، كانت عدم المبالاة هي طريقته، ملابسه تبدو رثة غير مهندمة، ترى بعضًا من قميصه داخل سرواله وجزءًا آخر خارجه، لاحظت أن أربطة حذائه غير مربوطة أحيانًا، لغز ما أشعر به دائمًا في هذا الرجل.

استمرت متابعتي لعم محمـد إلى أن كبرت، وتوقف الأمر حين اختفى عم محمـد مدّة من الزمن، كان الكشك مغلقًا، ثم اتضح بعد ذلك أنه توفي، ثم اختفت الكتب ليحل مكانها سجائر، البائع الجديد كان شابًا ثلاثينيًا، يبدو كذلك، أنظر إليه من الشرفة فأجده لا يدخن، لا أعلم ما وظيفة التدخين حتى الآن، ولكن يبدو أن الجميع يدخن لسبب ما، ولكن بائع السجائر لا يدخن، يأتي إليه كثير من الزبائن، مشاهدة بائع السجائر لم تختلف عن مشاهدة عم محمـد كثيرًا، شيء ما ممل في مشاهدة البائعين، يبدون دائمًا غارقين في أفكارهم وعوالمهم الخاصة، لا يتحدثون كثيرًا، ولكن بائع السجائر يحب سماع الموسيقى، ذوقه الموسيقي لا بأس به.

يميل إلى الأغاني الهادئة القديمة، انبعاث تلك الأغاني يذكرني براديو عم محمـد، كنت أراه يستمع إليه حين يتوقف عن القراءة، شجعتني القراءة المستمرة لعم محمد أن أقرأ كثيرًا، كنت أريد أن أكتشف العالم الذي يعيش بداخله ذلك الرجل، عند مروري من أمام البائع في عودتي من المدرسة اقترحت عليه أن يبيع صحفًا وكتبًا بجانب السجائر، فهي طريقة جيدة لتمضية وقتك، كان عم محمـد يفعل ذلك طول الوقت، ابتسم الرجل ولم يرد.

ومرت الأيام سريعًا وبدأت التدخين في مرحلة الجامعة، لا أحب التدخين، ولكني أبدو جيدًا حين أدخن، قال لي كثيرون إنني أبدو جيدًا والسيجارة في يدي، كانت تضفي إلي شيئًا ما، عمق ما يظهر علي وأنا أدخن، كنت أعلم ذلك وأتعمد التدخين دائمًا وأنا أقرأ، أعرف جيدًا كيف يبدو ذلك، كنت أتلذذ عندما أبدو بهذا الغموض، وكان ذلك قراري منذ وقت طويل، أن أبدو غامضًا.

لا أعلم متى توقف هوسي بكشك عم محمـد، مرت السنون ولا أعلم كيف مرت بتلك السرعة، لا أتذكر متى بدأت السفر والتحرك من مكان إلى آخر، ملاحقًا فرص العمل وتقدمي بالعمر، كنت قد قرأت جملة تقول إن الرجال يتزوجون عندما لا يجدون شيئًا أفضل يفعلونه، فتزوجت، وأنجبت ولدًا وبنتًا.

أراهم يقفون في الشرفة كثيرًا يشاهدون السيارات والحركة في الأسفل، كنت أقف معهم أشاهد ذكرى الكشك القديم، قشعريرة ما تنتابني كلما تذكرت وجه عم محمـد بائع الكتب الذي اختفى دون مقدمات، كنت أرى حكمة ما في صمته وملابسه غير المهندمة وشعره غير المرتب، أرى معظم من هم في سني الآن عابسي الوجه أيضًا، الحياة صعبة على الجميع والكل منهمك في تفاصيله الخاصة، لم أكن أعلم أن عالم الكبار معقد هكذا، كنت أفكر دائمًا أنه من الأفضل أن يمتلئ ذلك الكشك بالكتب مرة أخرى، ربما علي تأجير ذلك المحل يومًا ما، وقد كان.

أصبحت أشبه الرجل كثيرًا، شيء ما كان مزعجًا عندما يقاطعني أحد عن القراءة، أحاول عدم التدخين كثيرًا على الرغم من أنها أصبحت عادة راسخة، وكنت أفشل في كل مرة.

***

يومٌ جديد، نسمات هواء الصباح قبل شروق الشمس، كم أحب أن أملأ صدري بذلك الهواء النقي الساحر، كنت محظوظًا بقضاء معظم حياتي بالقرب من السواحل، فالمدن الساحلية لها طابعها الخاص، هواؤها ممزوج براحة البحر المنعشة، أكاد أدمن تلك الرائحة، فهي لا تنضب أبدًا، كل مرة لها التأثير العجيب نفسه، تتخلل الرائحة روحك فتنقيها من كل الشوائب الموجود الناتجة عن غبار الحياة اليومي، فشلت كثيرًا في التوقف عن التدخين، فلقد نشأت في عائلة مدخنة بشراهة، فكانت أشبه بعادات عائلية لا بد منها طول الوقت، كان يوجد اتفاق ضمني بين أفراد العائلة أن الحياة قصيرة، قصيرة جدًا، فلا مانع من التدخين إذن، لن يمثل الأمر فارقًا هائلًا، وبلا شك كان أوان «التبطيل» قد فات حين قررت التوقف، كانت مشكلة إرادة، إرادتنا ضعيفة للغاية، فاستسلمت لتلك العادة الكريهة، ولكني مع ذلك نجحت في عدم التدخين قبل أن أذهب للعمل.

نجحت بمعجزة في قضاء صباح كل يوم متنفسًا هواء نقيًا ممزوجًا برائحة البحر البعيد، كنت أقف في الشرفة وأغمض عينيّ متخيلًا البحر أمامي في حالة تأملية صباحية، وأبدأ في شهيق وزفير عميقين، بمرور الوقت أصبحت الروح أخف وأخف، وأصبح شعوري بتلك اللحظة -لحظة التأمل في الشرفة- أمتع.

كانت لحظة عدم تفكير، كان الأمر أشبه بالتحول إلى روح دون جسد فقط، خفيف كالطيف، مستسلمًا لوجودي في تلك الحياة، حتى أقرر التوقف لتناول الإفطار، ثم الذهاب إلى المحل.

علاقتي بالكتب تطورت بعد امتلاكي ذلك الكشك منذ سنين بعيدة، كانت مهنة الأب، وورثتها عنه بعد وفاته، لم أقرأ كثيرًا إلا بعد أن وجدت نفسي محاطًا بكل تلك الكتب طول اليوم، كتاب تلو الآخر أصبحت الحياة مختلفة، بدأ نهم القراءة في التسلل إلي شيئًا فشيئًا، لم أكن أعلم ذلك السحر بين أوراق الكتب، كنت أنسى نفسي وأستمر في القراءة مدة طويلة ثم أنظر أمامي فأشعر باستغراب من مكاني، كان عقلي يسافر سريعًا داخل الكتب حتى أنسى من أنا.

شعور غريب تطور معي وألفته حتى أصبح هوايتي الأولى، الذهاب لتلك العوالم الخفية بعيدًا عن واقع رتيب، كان أبي رحمه الله يقرأ كثيرًا، ولكنه لم يتحدث قط عن متعة القراءة، كان دائمًا ما يفهم في كل الموضوعات، ويتكون عقله من كم هائل من المعلومات العامة العشوائية التي تظهر في كل المواقف طول الوقت، أكان للكتب دور في ذلك؟

أعتقد أنها كانت هي السبب الرئيس لذلك، هو فقط لم يرد إفشاء سره الخاص لأرشيفه المعرفي، كان يحب أن يضفي إلى نفسه غموضًا خاص بين الجميع، كم استمتع بذلك كل مرة فاجأ الجميع بمعلومة لم يعرفها أحد أو تفسير شيئًا ما، ولكنه توفي فجأة تاركًا مكانًا فارغًا يجب أن أملأه، كانت يشكو من رئتيه طويلًا حتى توقفت الشكوى وتوقف رئتاه أيضًا، لم يكن أول من يتوفى بسبب مشكلات في الرئة داخل عائلتنا.

وبدأت رحلتي مع الكشك وأصبحت عم محمـد الذي يعيش داخل تلك المساحة الضيقة المملوءة بالكتب من السادسة صباحًا حتى الـ11 ليلًا، غارقًا داخل الكتب لم أشعر بأي تعب أو إرهاق، كانت تأتي الساعة الـ11 ليلًا وكأن ساعة واحدة مرت وليس اليوم كله، كنت أشعر بحزن ما بأنني سأترك عالم الخيال وأضطر إلى الذهاب إلى المنزل بضع ساعات، منزل فارغ من الخيال، فارغ من الشخصيات والمواقف، فارغ من الروح، أقضي وقتي بالمنزل مفكرًا في الناس المارة في الشارع أمامي، وحين أذهب للمحل أنسى وجودهم، يلقبونني بعم محمـد منذ بداية الثلاثينيات، وقت وفاة أبي، حتى وقتنا هذا، بدأ الأطفال والمراهقون بمناداتي بذلك، ثم أصبح الجميع ينادونني بذلك اللقب، عم محمـد، فأصبحت بهذا الاسم حتى يومي الأخير.

حتى من هم أكبر مني سنًا كانوا يلقبونني بذلك، فلم يكن بد من التطور سريعًا لأطابق اللقب، فتحول شعري إلى أبيض بسرعة مذهلة أضفت إلى شكلي مبررًا لتسميتي بعم محمـد، ثم ظهرت التجاعيد بمرور السنين، أم كانوا شهورًا؟ لا أعلم بالتحديد، كان الأمر سريعًا، ثم بدأت النهاية حين بدأت أن أعاني من رئتي، وأصبحت فردًا أصيلًا في عائلتي ومت كما ماتوا، وكان آخر ما أفكر به هو ذلك الطفل الذي ينظر إلى طول الوقت من الشرفة المقابلة.

***

في كل مكسب يوجد خسارة، ولا أحد يكسب على الدوام، وفي كل فرحة يوجد حزن يرقبها من بعيد منتظرًا اللحظة المناسبة للانقضاض، ولا سبيل من الفرار، فقد تختبئ طويلًا ولكنك ستنكشف يومًا ما، ويبدو أنني سعيد الحظ اليوم بما أنني لم أُهزم حتى الآن في لعبة الطاولة، أجلس مع أصدقائي القدامى نلعب كعادتنا بعد انتهاء ساعات العمل، كانت الطاولة الهواية المشتركة للمكتب، وكنا نعدها جزءًا من أعباء الوظيفة.

وبمرور الوقت تزوج من تزوج، وأنجب من أنجب، ولم تنقطع عادتنا في اللعب والسمر على المقهى كل ليلة، وليست عادتي أن أصطحب محمـدًا ابني إلى المقهى، ولكنه أتم السنوات الست اليوم، وقد حان الوقت للموافقة على مطلبه المستمر أن يأتي معي حين أخرج ليلًا.

وقد كان فأل حسن علي، فلم أخسر اليوم أمام المتنافسين المعتادين، وبدأت أن أفكر في اصطحابه معي كل يوم، ولكنه شعر بملل شديد بعد ساعتين من مشاهدة اللعب وقرر أن يجري حولنا ويتحرك ويشاهد الناس، دائمًا ما يسألني عن الناس، ماذا يفعل ذلك الرجل؟ لماذا يدخن ذلك الرجل؟ لماذا يدخن الناس جميعًا؟ لماذا يقتل الناس أنفسهم؟ يسأل الأطفال أسئلة صعبة للغاية، لن يفهم أنها عادة، الناس تعتاد فعل الأشياء ويستمرون في تكرار عاداتهم حتى الموت، لماذا خُلقنا؟ لماذا نقطع الأشجار؟ لماذا نقرأ الكتب؟ لماذا ندخن السجائر؟ لماذا نسجل كل شيء؟ لماذا نموت؟ أسئلة يصعب على عقلي البسيط الرد عليها.

قد تبدو أسئلة سهلة معتادة ولكن حين يسأل طفلك عنها فلا تعلم بم تجيب، هل أجيب برأيي المباشر؟ أم أجيب بما لا يفسد مزاج الطفل؟ أم أجيب بما لا يستدعي مزيدًا من الأسئلة؟ لا أعلم، نحن هنا ونفعل ما نفعل ولا نفعل ما لا نفعل، ولا داعي لمزيد من الأسئلة، نستيقظ حتى نعمل، وننام حتى نستيقظ، ونعمل حتى ننام، ونلعب حتى نكسب، ولا أحد يكسب على الدوام، فلا بد من الخسارة حتى يتناوب الجميع.

ولا أحد يحزن على الدوام، فتأتي الفرحة بعض الوقت قبل أن تذهب مجددًا، وبدأنا أنا وزملائي بالعمل في مشروعنا الصغير بتأجير محل لبيع الكتب، كان الزخم الثقافي في بداية الستينيات أدى إلى انتشار القراء والكتب، وانتهزنا الفرصة لما في المشروع من بساطة وبديهية، وبعنا الجرائد أيضًا، ولم يجد محمـد متعة في الوقوف معي في المحل، كان يفضل أشياء أخرى، لم يثر فضوله عالم الكتب، كان يفضل اللعب مع الجيران، وكنت أحضر له بعض كتب الأطفال، كان يحب قراءتها ثم يشعر بالملل، وهو في ذلك الأمر محق.

القراءة تأتي تدريجيًا، وتأثرنا جميعًا بمقالات نجيب محفوظ وقصص يوسف إدريس وتوفيق الحكيم، ونبوغ طه حسين، وتمرد يوسف السباعي، وطيش أنيس منصور، وتحولت الطاولة إلى مناقشة الظروف السياسية والاقتصادية والأدبية، وتطور الأمر إلى نقد أدبي للكتب والأدباء، وطبعي التنافسي جعلني أتحمس للقراءة أكثر، وأصبحت أقرأ بنهم شديد كل ما أجد، حتى أصبحت أقضي كثيرًا من الوقت في المحل، فبعد كل شيء كانت الماهية صغيرة لا تكفي شيئًا، ما أدى إلى استقالتي والتفرغ للمحل الذي بدأ أن يصبح هوسي الأول.

وبدأت أقرأ كل شيء، حتى تطور الأمر إلى شراء نصيب شركائي في المحل حتى أصبح لي وحدي، فينظر محمـد لي نظرة حيرة، ماذا يفعل هذا الرجل العجيب والدي؟ لماذا يقرأ طول الوقت؟ لماذا يتغير هكذا؟ وكنت أشعر بحيرته فأقول بداخلي ستفهم كل شيء حين تكبر يا محمـد، ستفهم كل شيء، ولكن الآن دعني في حيرتي الخاصة، دعني أتعلم عن الحياة، دعني أعرف من أول من قرر لف السيجارة وإشعالها وتنفسها، دعني أعلم لماذا نحن هنا على هذا الكوكب، دعني أعلم لماذا تقطع الأشجار، ولماذا نصنع الورق، ولماذا نأكل ونولد ونموت، دعني يا محمـد في حيرتي الخاصة حتى أعلم لماذا أدخن السجائر، ولماذا لا أستطيع التوقف عن التدخين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة