أضرار دخان حرائق الغابات على الحامل والجنين خطر صامت يهدد صحة

يُعد دخان حرائق الغابات خطرًا بالغًا على صحة الحامل والجنين؛ لاحتوائه غازات سامة والجسيمات الدقيقة التي تتغلغل في الرئتين وتعبر المشيمة، يؤدي هذا التعرض إلى نقص وصول الأكسجين للجنين، ما يزيد من احتمالات الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المولود، وتأخر النمو العصبي؛ لذلك، يُنصح بالبقاء في الأمكنة المغلقة واستخدام أجهزة تنقية الهواء.

تشهد التغيرات المناخية تسارعًا مقلقًا يلقي بظلاله المباشرة على الصحة العامة، ولعل من أبرز تداعياتها تصاعد وتيرة حرائق الغابات الكبرى. وفي هذا السياق، تبرز قضية طبية وبيئية بالغة الخطورة تتمثل في تأثير دخان هذه الحرائق على النساء الحوامل والأجنة. إن التعرض للملوثات البيئية خلال مدة الحمل لا يهدد صحة الأم التنفسية فحسب، بل يمتد أثره ليعبر المشيمة ويمثل خطرًا داهمًا على التطور العصبي والجسدي للجنين.

في هذا التحليل العلمي الشامل، نسلط الضوء على أحدث الدراسات التي تكشف كيف تحولت الجسيمات الدقيقة السامة إلى تهديد صامت يخترق الحواجز البيولوجية، مع تقديم إرشادات وقائية حاسمة لضمان بيئة آمنة للأم وطفلها المنتظر.

دخان الحرائق يؤثر على الحوامل والأجنة

في صباح أحد الأيام، في ولاية كاليفورنيا حيث كانت النيران تلتهم الغابات لأسابيع، جلست امرأة حامل تنظر من نافذتها إلى سماءٍ برتقالية اللون، لا تشبه السماء التي عرفتها، لم تكن تعلم أن الجسيمات الصغيرة التي تتسرب إلى رئتيها مع كل نفس التي لا تراها عينها، قد تكون قادرة على عبور المشيمة والوصول إلى جنينها. لم تكن تعلم أن تلك الأيام التي ستبقى فيها في منزلها، مغلقة النوافذ، خوفًا من الدخان، قد تكون هي الأكثر تأثيرًا على صحة طفلها الذي لم يولد بعد.

هل الدخان خطر على الحامل؟

للإجابة العلمية عن هذا التساؤل العميق، يجب أن ندرك أن فترة الحمل تترافق مع تغيرات فسيولوجية هائلة تجعل جسد الأم أكثر حساسية للمخاطر البيئية. فخلال أشهر الحمل، يزداد معدل التنفس وتتسع سعة الرئتين لاستيعاب حاجة الجنين المتزايدة للأكسجين، كما يرتفع حجم الدم في جسم الحامل بنسبة تصل إلى 50%.

ذا يعني باختصار أن الحامل تستنشق كميات أكبر من الهواء في الدقيقة الواحدة مقارنة بغير الحامل، ومعها كميات أكبر من الملوثات والسموم إذا كان الهواء ملوثًا. هذا العبء الإضافي يجعل الدخان ليس مجرد مصدر إزعاج عابر، بل خطرًا يهدد الدورة الدموية والجهاز التنفسي للأم، وينتقل تأثيره السام مباشرة ليعبث بالبيئة الآمنة المحيطة بالجنين.

في أغسطس 2026، نشرت دورية Frontiers in Environmental Health دراسةً غيرت النظرة إلى تلوث الهواء والحمل. فريقٌ من الباحثين بقيادة مينغلو ليانغ Menglu Liang، الأستاذة المساعدة في جامعة ميريلاند، حلل بيانات 64.5 مليون حالة حمل في 2,842 مقاطعة عبر 48 ولاية أمريكية، على مدى 17 عامًا. 

ولتقييم مدى خطورة التعرض لدخان حرائق الغابات في أثناء الحمل، تتبَّع الباحثون مستويات الجسيمات الدقيقة السامة ومقاطعتها مع السجلات الطبية للأمهات ومخرجات الولادة بدقة متناهية.

وكانت النتائج صادمة: تعرض النساء الحوامل لدخان حرائق الغابات زاد بأكثر من الضعف بين عامي 2003 و2019. والأكثر إثارة للقلق، أن نحو 65% من الأيام التي تجاوز فيها تلوث الهواء الحدود الآمنة للحوامل ارتبطت بدخان هذه الحرائق.

حرائق الغابات تهدد صحة الحوامل

لعقود، كانت المعركة ضد تلوث الهواء تركز على مصادر بشرية المنشأ: عوادم السيارات، مداخن المصانع، انبعاثات محطات الطاقة. وقد حققت الولايات المتحدة، مثل العديد من الدول، تقدمًا ملموسًا في هذا المجال. فقد انخفض التعرض اليومي للجسيمات الدقيقة PM2.5 في أثناء الحمل من جميع المصادر بنسبة 34% خلال مدة الدراسة.

لكن هذا التقدم، كما كشفت الدراسة، كان يخفي تحت سطحه تهديدًا جديدًا ومتناميًا. فعندما استبعد الباحثون التلوث الناتج عن حرائق الغابات من حساباتهم، وجدوا أن الانخفاض كان أكبر – نحو 37%.

وهذا يعني أن حرائق الغابات كانت تقوض جزءًا من المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في جودة الهواء. فإسهام حرائق الغابات في تلوث PM2.5 في أثناء الحمل تضاعفت أكثر من مرتين، من نحو 3.7% إلى 8.2%. وبحلول عام 2019، أصبح دخان الحرائق هو المُسهم الأكبر في أيام التلوث العالية التي تعاني منها الحوامل في الولايات المتحدة.

وكما قالت مينغلو ليانغ: «ظهر أن التعرض للجسيمات الدقيقة في أثناء الحمل في الولايات المتحدة انخفض بشكل كبير بين عامي 2003 و2019، ما يعكس تحسينات كبيرة في جودة الهواء. لكن في الوقت نفسه، تضاعف إسهام دخان حرائق الغابات في التعرض للجسيمات الدقيقة في أثناء الحمل. وبحلول عام 2019، أصبح دخان الحرائق هو المسهم الأكبر في أيام التلوث العالي التي تعاني منها الحوامل في الولايات المتحدة».

هل دخان حرائق الغابات ضار بالنساء الحوامل؟

بما سبق فالإجابة العلمية القاطعة هي نعم، فضرر خرائق الغابات على النساء الحوامل يفوق التوقعات، تتضاعف الخطورة لأن الجهاز المناعي للمرأة الحامل يخضع لتعديلات وتثبيط طبيعي لمنع الجسم من رفض الجنين، ما يجعل الأم أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات التنفسية التي يفاقمها الدخان بشكل خطير.

إضافة إلى ذلك، يحتوي دخان حرائق الغابات على غاز أول أكسيد الكربون السام، والذي يتميز بقدرته على الارتباط بهيموجلوبين الدم بقوة تفوق الأكسجين بمائتي مرة.

هذا الارتباط يؤدي إلى تكوين مركب يُعرف باسم «كاربوكسي هيموجلوبين» الذي يعيق قدرة الدم على حمل الأكسجين. النتيجة المباشرة لذلك هي تقليل كمية الأكسجين التي تصل إلى أنسجة الأم الحيوية، والأخطر من ذلك، تقليل الأكسجين الذي يعبر المشيمة ليصل إلى الجنين، ما يعرضه لخطر نقص التروية الأكسجينية (Hypoxia)، وهي حالة طبية قد تؤخر نموه العصبي والجسدي وتلحق به أضرارًا دائمة.

دخان الحرائق يهدد صحة الحامل ويقلل أكسجين الجنين

PM2.5: الجسيمات التي تخترق كل الحواجز

ولفهم حجم الخطر، علينا أن ننظر إلى طبيعة هذه الجسيمات. PM2.5 هي جسيمات دقيقة يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر – أي أصغر بكثير من سُمك شعرة الإنسان الذي يتراوح بين 50 و70 ميكرومترًا. هذا الحجم المجهري يسمح لها بالتغلغل عميقًا داخل الرئتين، والوصول إلى مجرى الدم، بل وتجاوز المشيمة للوصول إلى الجنين.

لكن ما يجعل جسيمات حرائق الغابات أكثر خطورة هو تركيبتها الكيميائية المعقدة. فدخان الحرائق ليس جسيمات كربون فقط؛ إنه خليط سام من الغازات والمواد الكيميائية، بما في ذلك الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات PAHs التي تُعرف بسميتها وارتباطها بالسرطان وتشوهات النمو. وقد أشار الباحثون إلى أن هذه الجسيمات قد تكون أكثر سمية من التلوث الناتج عن حركة المرور أو المصادر الصناعية.

وقد ارتبط التعرض لهذه الجسيمات منذ زمن طويل بنتائج سلبية على الحمل، من بينها الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد. [وهنا يتجلى واقع علمي مؤلم وهو أن دخان الحرائق يتسبب بمخاطر الولادة المبكرة، لأنه يؤدي الالتهاب الجهازي الناتج عن استنشاق هذه الجسيمات السامة إلى إطلاق إشارات كيميائية (السيتوكينات المسببة للالتهاب) في دم الأم. هذه الإشارات الكيميائية تحاكي العملية الطبيعية التي تسبق الولادة، ما يؤدي إلى تحفيز انقباضات الرحم المبكرة وتمزق الأغشية الجنينية قبل الأوان.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 7% من حالات الولادة المبكرة قد تُعزى إلى التعرض المرتفع للجسيمات الدقيقة الناتجة عن حرائق الغابات في أثناء الحمل. ثم إن بعض الأدلة تشير إلى أن التعرض للدخان في الأشهر الأخيرة من الحمل قد يزيد احتمالات إصابة الأطفال بالتوحد.

ما هي أعراض التعرض لدخان حرائق الغابات؟

في ظل هذه المخاطر الجسيمة، من الضروري والمُلح أن تتعرف الأمهات الحوامل على العلامات التحذيرية التي يرسلها الجسد. تتنوع الأعراض وتتدرج خطورتها بين تنفسية، وجهازية، حتى جنينية. 

تبدأ الأعراض الأولية بتهيج وحرقة في العينين، سيلان أو احتقان شديد في الأنف، وألم أو جفاف في الحلق. ومع استمرار التعرض للدخان، تتطور هذه الأعراض لتشمل السعال المستمر والإنتاجي (المصحوب ببلغم)، وصعوبة ملحوظة في التنفس أو الشعور بضيق وثقل في الصدر. ونظرًا لزيادة الجهد الملقى على عضلة القلب طبيعيًّا خلال مدة الحمل، قد تشعر الحامل بتسارع غير طبيعي ومفاجئ في ضربات القلب (الخفقان)، إضافة إلى إرهاق شديد وضعف عام لا يتوافق مع المجهود البدني المبذول، مصحوبًا بنوبات من الصداع المستمر والدوار.

أما في الحالات الشديدة، فيمكن أن يؤدي استنشاق الدخان الكثيف إلى تحفيز نوبات ربو حادة لدى الحوامل اللواتي يعانين منه مسبقًا، والأخطر من ذلك؛ ملاحظة انخفاض ملحوظ أو توقف في حركة الجنين نتيجة لنقص التروية الأكسجينية التي تصل إليه، وهي حالة طارئة تستدعي التوجه الفوري لأقرب مستشفى أو مركز طوارئ لتلقي الرعاية الطبية.

تتدرج أعراض دخان الحرائق على الحامل من التهيج إلى الخطر

عندما يكون الفقراء أكثر عرضة: عبء غير متساوٍ

لكن الخطر لا يتوزع بالتساوي. فقد كشفت الدراسة أن المجتمعات ذات الدخل المنخفض، والمناطق الريفية، والمجتمعات الأصلية تتحمل العبء الأكبر من تلوث حرائق الغابات. ففي شمال غرب الولايات المتحدة، قفز إسهام الحرائق في تلوث PM2.5 من 5.1% إلى 13.3%، بينما في الولايات الغربية، ارتفعت من نحو 3.7% إلى 9.7%.

وهذا التفاوت ليس صدفة، فالمناطق الريفية ومنخفضة الدخل غالبًا ما تفتقر إلى البنية التحتية الصحية، وتكون أكثر عرضة للحرائق بسبب قربها من الغابات، ولديها قدرة أقل على شراء أجهزة تنقية الهواء الباهظة الثمن أو الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا وذات هواء نقي. وكما قالت ليانغ: «هذه النتائج مهمة تتجاوز غرفة الولادة، ويمكن للأضرار التي تحدث قبل الولادة أن يتردد صداها لعقود. وهذا يجعل التعرض قبل الولادة مصدر قلق خاص للصحة العامة».

من التحذير إلى العمل: ما الذي يمكن فعله؟

في مواجهة هذا التهديد المتنامي، لا يبقى سوى الأمل في العمل الجاد واتخاذ الإجراءات الاستباقية. فقد دعت الدراسة إلى تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين جودة الهواء داخل الأماكن المغلقة، خاصة للمجتمعات الأكثر عرضة للخطر.

وأوصت وكالة حماية البيئة الأمريكية EPA النساء الحوامل بضرورة مراقبة مؤشر جودة الهواء AQI يوميًا، والبقاء في المنزل وإحكام إغلاق النوافذ والأبواب عندما يكون الهواء غير آمن، واستخدام أجهزة تنقية الهواء المزودة بمرشحات HEPA عالية الكفاءة لتقليل التعرض للجسيمات الدقيقة داخل المنازل.

هل شم رائحة الدخان تؤثر على الحامل؟

كثيرًا ما تتساءل النساء الحوامل اللواتي يعشن بعيدًا نسبيًا عن مركز الحريق حول هذا الأمر، ظنًا منهن أن عدم رؤية سحب الدخان الكثيفة يعني الأمان. التفسير العلمي يؤكد أن مجرد اشتمام رائحة الدخان في الهواء يعد مؤشرًا خطرًا لا ينبغي تجاهله.

فرائحة الدخان المميزة التي نلتقطها بأنوفنا تنتج في الواقع عن المركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، مثل البنزين والفورمالديهايد، والغازات السامة التي ترافق الجسيمات المتناهية الصغر (Ultrafine particles). عندما تشم الحامل هذه الرائحة، فهذا يعني حرفيًا وتأكيدًا أن المواد الكيميائية السامة قد وصلت إلى محيطها التنفسي وبدأت بالفعل بالدخول إلى رئتيها ومجرى دمها، حتى وإن كانت السماء تبدو صافية نسبيًا ولا يوجد رماد متساقط. 

العصب الشمي مرتبط مباشرة بالدماغ، ودخول هذه المركبات يسبب خللًا في بطانة الأوعية الدموية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مجرد شم رائحة حريق الغابات يثير ردود فعل نفسية وجسدية لا إرادية تتمثل في القلق، التوتر، والخوف على سلامة الجنين، ما يؤدي إلى تحفيز الجهاز العصبي الودي وإفراز مستويات عالية من هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول.

الارتفاع المستمر لهرمون الكورتيزول لدى الحامل يمكن أن يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية المغذية للمشيمة، ما يقلل فعليًا من تدفق الدم والأكسجين والغذاء للجنين. لذلك، تعد رائحة الدخان بمنزلة جهاز إنذار بيولوجي مبكر يوجب على الحامل الانتقال فورًا إلى بيئة داخلية ذات هواء منقى.

وقد حذرت منظمة الصحة العالمية WHO أيضًا من أن النساء الحوامل والأطفال وكبار السن هم من الفئات الأكثر عرضة لخطر دخان حرائق الغابات. ودعت إلى اتخاذ تدابير وقائية صارمة، بما في ذلك تحسين التنبؤ بمسارات الدخان، وإصدار تحذيرات صحية مبكرة وفعالة، وضمان توافر هواء داخلي نقي خلال موجات الحرائق التي باتت تضرب بقوة.

في دخان الغابات، حيث يبدأ المستقبل قبل الولادة

في سماءٍ تتصاعد منها أدخنة الغضب، حيث تلتهم النيران الغابات وتخلف وراءها جسيماتٍ صغيرة لا تراها العين، هناك أرواحٌ لم تولد بعد، تتشكل مصائرها في رحم أمهاتها. فما كشفته دراسة Frontiers in Environmental Health ليس أرقامًا إحصائية جافة، بل هو تحذير صارخ بأن تغير المناخ الذي نراه في عناوين الأخبار اليومية، قد يكون أقرب إلينا مما نتصور. فهو لا يحرق أشجار الغابات فحسب، بل تؤثر في صحة الأجيال القادمة جسميًّا.

وقالت مينغلو ليانغ: «المكاسب التي تحققت قد حمَت حقًا الحوامل والأجنة، وبدونها ستكون حالات التعرض اليوم أسوأ بكثير. لكن ما تظهره نتائجنا هو أن دخان حرائق الغابات يعوض حصة متزايدة من هذه التحسينات التي تحققت بشق الأنفس».

في المرة القادمة التي ترى فيها عناوين عن حرائق الغابات، تذكَّر أنها ليست مجرد أضرار بيئية عابرة تتطلب زراعة أشجار جديدة. تذكر أن هناك، في تلك المناطق المتضررة والمحيطة بها، نساء حوامل يتنفسن دخانًا قد يعيد تشكيل مستقبل أطفالهن الصحي والذهني إلى الأبد. وتذكَّر أن القرار، في النهاية، ليس في يد النيران العشوائية، بل في أيدينا نحن: في سياساتنا البيئية، واستعدادنا للكوارث، ورغبتنا الصادقة في حماية الأكثر ضعفًا قبل أن يولدوا ويروا النور.

حين كان النار صديقًا وعدوًا في آن واحد

قبل أن يصبح دخان حرائق الغابات تهديدًا للحوامل في القرن الحادي والعشرين، كان الدخان رفيقًا يوميًا للإنسان منذ فجر التاريخ. فمنذ أن سيطر الإنسان على النار قبل 400 ألف عام، كما تشير الأدلة الأثرية المكتشفة في إنجلترا، أصبحت النار أداة محورية للحياة: للتدفئة في ليالي الشتاء القارسة، ولطهي الطعام، ولإبعاد الحيوانات المفترسة عن الكهوف. لكن هذه النعمة العظيمة حملت معها نقمة صامتة ومميتة: الدخان.

فقد أظهرت الدراسات الأثرية أن الاستخدام المعتاد للنار، رغم فوائده الهائلة في طهي الطعام وتسهيل هضمه وتطهيره وقتل مسببات الأمراض، حمل معه آثارًا صحية خطرة ناجمة عن التعرض المستمر للدخان الذي يؤثر على جودة الهواء ويسبب مضاعفات تنفسية مزمنة.

وقد كانت النساء والأطفال الأكثر تضررًا على الإطلاق، حيث كانوا تاريخيًا المسؤولين عن رعاية المواقد المنزلية والبقاء فترات طويلة في الأماكن المغلقة، ما جعلهم أكثر عرضة للأمراض التنفسية وسرطانات الرئة على المدى الطويل.

وفي مواقع ما قبل التاريخ، مثل مستوطنة تشاتالهويوك Çatalhöyük في تركيا، تجاوزت مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 الصادرة عن حرق الوقود الحيوي 150,000 ميكروغرام لكل متر مكعب، متجاوزة بآلاف المرات الحدود الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي في عصرنا الحالي. وكما يقول الباحثون، فإن آثار التعرض الطويل للدخان الكثيف على الجهاز التنفسي لصيادي وجامعي ثمار العصر الحجري القديم «كانت لتكون كارثية على بقاء المجتمعات وتطورها».

من العصور الوسطى إلى الثورة الصناعية - دخان يخنق المدن

مع تزايد أعداد السكان واتساع رقعة الزراعة، لم تعد حرائق الغابات مجرد ظاهرة طبيعية تندلع بصاعقة رعدية، بل أصبحت أداة بشرية متعمدة لتغيير ملامح الأرض. ففي شمال ألمانيا، منذ القرن السادس عشر، بدأ الفلاحون في حرق المستنقعات والأراضي البور بشكل ممنهج لتوسيع مساحات الزراعة.

وفي عام 1583، سُجلت أولى الشكاوى الرسمية من «الدخان المرتفع» - وهو الضباب الأسود الكثيف الذي يخنق المدن ويحجب أشعة الشمس. وفي 1657، امتد الدخان المنبعث من حرق الأراضي في شمال فريسلاند ليصل إلى أوترخت في هولندا، ثم إلى هانوفر ومونستر وكولونيا وبون وفرانكفورت، ثم إلى فيينا ودرسدن وبراغ، في واحدة من أولى الكوارث البيئية العابرة للحدود الجغرافية في التاريخ المسجل للإنسانية.

ومع انطلاق الثورة الصناعية، لم يعد الدخان يأتي من الغابات والمزارع فقط، بل تدفق بسوادٍ فاحش من مداخن المصانع العملاقة ومواقد الفحم الحجري التي غزت المنازل.

وقد وصف الباحثون هذا التحول الجذري بـ «الانتقال الحارق» Pyrohealth Transition، حيث أصبح تلوث الهواء الناتج عن حرائق الأراضي والمواقد المنزلية وحرق الوقود الأحفوري بجميع أنواعه أهم عامل خطر بيئي للوفيات البشرية، مع عبء عالمي من الأمراض والمضاعفات يقارب في ضراوته ذلك الناجم عن وباء تدخين التبغ.

حرائق القرن التاسع عشر: عندما كان الدخان يقتل بالآلاف

قبل أن تصبح حرائق الغابات عنوانًا مقلقًا للأخبار في القرن الحادي والعشرين، كانت تحصد أرواحًا بالآلاف في صمت رهيب. ففي عام 1871، اجتاح حريق بيشتيغو Peshtigo Fire ولاية ويسكونسن الأمريكية كوحش كاسر، ليلتهم أكثر من 2,000 شخص في ليلة واحدة، ويجعل السماء مظلمة بسحب الرماد أيامًا طويلة. وكان الدخان الخانق والهواء الحارق يحرقان رئات الفارين بحثًا عن النجاة، فيما كانت الشرر تتطاير وتحرق الشعر والملابس دون رحمة.

وفي عام 1910، اندلع الحريق الكبير Great Fire of 1910 في شمال غرب الولايات المتحدة، محرقًا أكثر من 1.2 مليون هكتار في يومين فقط. لكن الخطر القاتل لم يكن محصورًا في النيران المباشرة فقط، بل في الدخان الكثيف الذي انتشر لمسافات بعيدة جدًا حاملًا معه الموت البطيء.

فقد أظهرت دراسة اقتصادية وطبية حديثة رجعت لتلك السجلات، أن التعرض لدخان هذا الحريق التاريخي تسبب في زيادة بنسبة 119% في الوفيات الزائدة خلال أسبوع الحريق، مع انخفاض ملحوظ ومستمر في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والصحية بنسبة تتراوح بين 4 إلى 14% حتى بعد مرور 20 و30 عامًا على الكارثة. وكان الأطفال دون الخامسة هم الفئة الأكثر تضررًا ووفاة، مما يذكرنا بشكل قاسٍ بأن تأثير الدخان على الأجسام النامية والهشة ليس وليد العصر الحديث. 

من كاليفورنيا إلى العالم: الحرائق تتنفس مع تغير المناخ

في العصر الحديث، ومع تسارع وتيرة تغير المناخ والاحتباس الحراري، أصبحت حرائق الغابات أكثر تواترًا، أطول أمدًا، وأشد ضراوة. ففي عام 1987، أشعلت الصواعق الجافة أكثر من 1,500 حريق منفصل في كاليفورنيا، دمرت أكثر من 600,000 فدان من الغابات الطبيعية.

وشهدت أقسام الطوارئ في المستشفيات حينها زيادة هائلة في زيارات مرضى الربو ومرضى الانسداد الرئوي المزمن بنسبة 40% و30% على التوالي، متأثرين بانخفاض جودة الهواء.

وفي عام 2018، حصد حريق كامب Camp Fire المروع في كاليفورنيا أرواح 85 شخصًا في الأقل، ليصبح الحريق الأكثر دموية وتدميرًا في تاريخ الولاية الحديث. وفي كندا مؤخرًا، تسببت حرائق الغابات الضخمة في انخفاض حاد وغير مسبوق في جودة الهواء حتى في قلب مدينة نيويورك، على بعد آلاف الكيلومترات من بؤرة النيران.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن تغير المناخ يجعل حالات الجفاف القاسية وحرائق الغابات الكبرى أكثر احتمالًا وتكرارًا، وأن هذه الحرائق تسبب الوفاة والإصابة المباشرة من الاختناق والحروق واستنشاق الدخان السام، إضافة إلى إحداث مشكلات تنفسية وقلبية وعائية مزمنة، فضلًا على التأثيرات العميقة والسلبية على الصحة النفسية للمجتمعات المتضررة.

دخان الأمس ودخان اليوم - قصة لم تنتهِ

من مواقد العصر الحجري القديم التي تجاوزت تلوثها الحدود الآمنة بآلاف المرات وأضرت بصحة الإنسان الأول، إلى دخان حرائق الغابات الحديث الذي أصبح اليوم، وفقًا للإحصاءات العلمية، المُسهم الأكبر في تلوث الهواء الخطر الذي تتعرض له النساء الحوامل في أمريكا ومناطق واسعة من العالم، تظل قصة الدخان قصة مرعبة لم تنتهِ فصولها بعد. فما تغير بمرور الزمن ليس وجود الدخان بحد ذاته، بل حجمه، وسرعة انتشاره، وقدرته الفائقة على اختراق كل الحدود - الجغرافية حيث يعبر القارات، والبيولوجية حيث يعبر المشيمة، والزمنية حيث يمتد أثره لأجيال قادمة.

وتوثق البحوث العلمية الحديثة بدقة، فإن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن حرائق الغابات تحتوي على خليط سام ومعقد من المركبات الكيميائية، وقد تكون أكثر سمية وفتكًا بالخلايا البشرية من تلوث الهواء المعتاد الناتج عن حركة المرور اليومية أو الانبعاثات الصادرة من المصادر الصناعية.

وهي تستطيع التغلغل عميقًا في الحويصلات الهوائية في الرئتين، والوصول المباشر إلى مجرى الدم، بل وتجاوز أقوى خطوط الدفاع البيولوجية؛ وهي حاجز المشيمة، للوصول إلى الجنين وتغيير مسار نموه. وكما قالت الباحثة مينغلو ليانغ في ختام دراستها: «المكاسب التي تحققت في تحسين جودة الهواء خلال العقود الماضية قد حمَت حقًا الحوامل والأجنة، لكن دخان حرائق الغابات يعوض للأسف حصة متزايدة ومقلقة من هذه التحسينات البيئية التي تحققت بشق الأنفس».

في المرة القادمة التي ترى فيها عمودًا من الدخان يتصاعد في الأفق، أو تقرأ خبرًا عن احتراق غابة بعيدة، تذكَّر أنك تنظر إلى أكثر من حريق يستهلك الأخشاب.

أنت تنظر إلى قصة عمرها 400 ألف عام، قصة بدأت عندما أشعل الإنسان أول نار للاحتماء بها، واستمرت معه عبر العصور، وتصاعدت وتيرتها مع الثورات الصناعية والزراعية الجائرة، وأصبحت اليوم واحدة من أكبر وأخطر التحديات الصحية في عصر المناخ المتغير. إنها قصة الدخان التي لا تزال تُكتب وتترك بصماتها السوداء، نفسًا نفسًا، وجسيمًا جسيمًا، على رئات أمهات اليوم وأجساد أطفال الغد.

إن وعينا بالمخاطر البيئية، وفي مقدمتها تداعيات تلوث الهواء ودخان حرائق الغابات، يمثل خط الدفاع الأول لحماية صحة الأجيال القادمة. يجب على الحوامل اتخاذ تدابير وقائية صارمة، بدءًا من تتبع علامات جودة الهواء وصولًا إلى تأمين بيئة داخلية نقية. تقع مسؤولية الحد من هذه المخاطر على عاتق السياسات البيئية العالمية، لضمان مستقبل صحي وآمن للأمهات وأطفالهن قبل الولادة وبعدها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة