دبلوماسية الملك آسرحدون في حياته الإدارية

​لقد اتبع آسرحدون خلال سني حكمه سياسة اللين والترضية (الدبلوماسية) إلى جانب سياسة القوة والسلاح. فالدبلوماسية ترتكز على التفاوض بغية التوصل إلى تسوية تضع حدًّا نهائيًّا لاستخدام العنف في حل النزاعات بين الدول لتحقيق أمنها الخارجي.

​إن الاستقرار السياسي الذي رافق حكم آسرحدون بعد قضائه على تمرد أخوته في بلاد آشور مهَّد له الطريق إلى أن ينصرف إلى الأمور الإدارية والعمرانية التي تخدم سياسة الدولة نحو تركيز دعائمها، وفعلًا فإن أول وأهم أعماله الإدارية بعد توليه العرش هو تغيير سياسة والده نحو بابل رأسًا على عقب. ويتضح من سجلات الملك آسرحدون ملامح سياسته تجاه بابل. ويمكن تلخيصها..

اقرأ أيضاً تنظيم العهد لأولاد آسرحدون الملك العظيم

القمع العاجل لحركة تمرد نابو – زير – كيتي – ليشر

الاعتقاد بأن خير طريقة يمكن اتباعها تجاه بابل بعد إخماد شرارة التمرد الذي جرى هو تبني سياسة المصالحة وإرضاء البابليين، فعمَّر آسرحدون المدينة ثانية وأصلح ما حل بها من خراب ودمار.

​ومن الواضح أنه أدرك عقم سياسات أبيه التدميرية، والأهم من هذا كله هو أن آسرحدون لم ير سببًا للاختلاف بين المنطقتين؛ إذ إن سكانهما يتكلمون اللغة ذاتها ويعبدون الآلهة ذاتها (مع تفضيل في كل منهما لآلهة معينة) ولهم الخلفية الحضارية ذاتها، ويسكنون بلدًا لا تفصله أي حواجز.

كما لا يوجد سبب معين يدعو إلى عدم تصديق آسرحدون عندما يقول إن أحد مشروعاته وأهدافه لإعادة بناء بابل كان (من أجل فتح طرقها لكي يفتح السكان المستوطنون هناك عقولهم للتجارة والاتصال مع الأرض ككل). وأن الاتفاق بين الملك آسرحدون وملك صور بعل يكشف عن الانغماس الآشوري في تنظيم وضبط استثمار التجارة.

​وهكذا فقد خدمت هذه السياسة الإدارية الجديدة بلاد آشور وجنَّبتها كثيرًا من الأمور شديدة الخطر التي هي في غنى عنها، ثم إنها وفي الوقت نفسه قد خدمت البابليين أنفسهم، وذلك لما كسبوه من منافع سياسية ومادية نتيجة هذه السياسة الإدارية الحكيمة. إذ يقول آسرحدون: 

(لقد دعوت كل الفنانين أتباعي وشعب بابل كاردونياش Karduniash بأكملهم وجعلتهم يحملون السلة ويضعون عصبة الرأس فوقهم). 

وفي نص آخر (لقد جمعت المعماريين الحكماء والبنائين الماهرين الذين وضعوا الخطط معًا). 

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على معرفة الملك آسرحدون ببواطن الأمور في بابل ومعرفته نفسية البابليين؛ وهذا ناتج عن خبرته التي اكتسبها عندما كان حاكمًا لبابل إبان عصر أبيه.

اقرأ أيضاً الملك الآشوري آسرحدون وعائلته الغريبة

عودة الحياة الطبيعية في بابل

​فكانت هذه الإدارة التي انتهجها ذات مردود إيجابي للدولة، على عكس السياسة القديمة التي اعتمدت على القوة العسكرية من قبل الملوك الآشوريين السابقين؛ فعادت الحياة الطبيعية والازدهار إلى إقليم بابل ووقفت هذه المدينة إلى جانب الملك آسرحدون بكل قوتها.

وقد بلغ التعاطف مع الملك آسرحدون حدًّا جعل البابليين يتصدون بأنفسهم للملك العيلامي لدى هجومه على بلدهم سنة 675 ق.م، ما يدل على نجاح سياسته تجاه بابل.

وقد أتت هذه السياسة أكلها أيضًا عندما أسند عرش بابل إلى ابنه شمش – شوم – أوكن، في اليوم نفسه الذي تسلم آشور بانيبال عرش آشور، ومما لا جدال فيه أن هذا الاتجاه في السياسة الداخلية كان بالأساس ترضية للبابليين الذين منحوا حكمًا ذاتيًا مع إعطاء سلطة كامله لشمش – شوم – أوكن داخل حدود بلاد بابل، ولكن في الوقت نفسه كانت الهيمنة للملك آشور بانيبال على كل بلاد الرافدين. 

أما على صعيد العلاقات مع المناطق الشمالية الشرقية وجَّه آسرحدون عنايته نحو الميديين هناك وساعدهم في القضاء على مثيري الشغب في بلادهم. والحقيقة أن الميديين في تلك الحقبة كانوا عبارة عن تنظيمات قبلية ولهم عدة مدن منتشرة في شمال إيران، وكانوا يتمتعون بقوة مؤثرة.

اقرأ أيضاً الملك الآشوري آسرحدون.. حياته ومعنى اسمه وألقابه

سياسة آسرحدون الإدارية

وعن طريق هذه السياسة الإدارية استطاع آسرحدون أن يكسب ودهم ومحالفتهم ليقفوا إلى جانبه ضد التحديات العيلامية وتحديات القبائل الهند – أوربية مثل الكمريين والسكيثيين (اشكوزاي بالآشورية) وبذلك أعطى أهمية لقوة الميديين المتزايدة وعقد معهم الاتفاقيات والمعاهدات.

وفي الوقت ذاته حاول أن يشمل بحمايته ثلاثة أمراء طلبوا العون ضد حكام المدن الذين هاجموهم، وفعلًا أصبحوا ضمن الحماية الآشورية وفرضت عليهم جزية ثابتة. إن هذا العمل الإداري قد عالج الموقف بصورة مؤقتة ويمثل سلامًا محفوفًا بالمخاطر.

ولاستمرار السيطرة الآشورية على المناطق الشمالية والشمالية الشرقية وجب على الإدارة الآشورية أن تنتهج سياسة جديدة أملتها عليهم المستجدات التي طرأت على الوضع العام في منطقة الشرق الأدنى القديم، وهي سياسة تجمع ما بين القوة العسكرية والنشاطات الدبلوماسية، فمكنته من إعادة هيبة الدولة إلى تلك المقاطعات التي استجدت فيها أحداث جسيمة نتيجة ظهور أقوام جديدة أدَّت دورًا رئيسًا على مسرح الأحداث السياسية.

لقد بدأت هذه الأقوام الجديدة بعد أن توحدت بالاندفاع من مناطق سكناها في جنوب روسيا وشمال البحر الأسود، وقد أدى هذا التدفق إلى خلق وضع غير طبيعي للمقاطعات الآشورية في تلك المناطق نتيجة التحالف بين الكمريين والسكيثيين والمانيين ضد آشور، فتطلب الأمر من آسرحدون هذه المرة وهو السياسي المرن أن يعمل باتجاهين أحدهما شن حملات عسكرية اعتراضية عام 679 ق.م ضد الكمريين بقيادة تيوشبا Teuspa ومعهم أهالي دائو Dua وأهالي خيلاكو.

فاندفعت قوات آشورية عبر الحدود في عملية مباغته في ضمن مقاطعة خوبوشنا Hubusna. ويذكر آسرحدون في النص أنه (قطعهم بالسيف) و(داس على أعناقهم) ما أدى إلى انسحابهم إلى ما وراء نهر قزل يرمق.

اقرأ أيضاً الحوليات الآشورية في عهد الملك آسرحدون

ما هو أسلوب المصاهرة الذي اتخذه آسرحدون؟

أما الاتجاه الثاني لآسرحدون في تعامله مع هذه القبائل فهو استخدامه أسلوب المصاهرة؛ وذلك للحصول على حليف قوي يستطيع أن يقف أمام العناد الكمري، فاختار السكيثيين لتزويج ابنته من أحد ملوكهم ويدعى بارتاتوا Bartatua؛ إذ إن من الفوائد التي تُجنى من الزواج السياسي إضافة للأمن والاستقرار هو إقامة نوع من العلاقات القائمة على أساس المودة والمحبة بين أطراف تلك الزيجات السياسية، وعقد معاهدة مع السكيثيين وأقام علاقات ودية مع ملك أورارتو روسا الثاني. 

إن هذه السياسة الحكيمة كانت بلا شك ذات مردود إيجابي على الدولة الآشورية التي جنَّبتها شرور هذه الأقوام الهمجية، وكذلك ضمنت سلامة الطرق التجارية لكي يستمر انسياب البضاعة الآتية من مناطق إيران وآسيا الصغرى وأرمينيا.

هذا فضلًا على أن الدولة الآشورية قد انتهجت سياسة جديدة تتمثل بعقد اتفاقيات منفردة مع بعض هذه الأقوام، ما فوَّت عليها فرصة الاتحاد ضد الدولة الآشورية. وهكذا جنَّب آسرحدون بلاد آشور عواقب وخيمة كانت يمكن أن تكون سببًا في عرقلة مسيرة الحضارة والتقدم والاستقرار للدولة الآشورية بوجه خاص والمنطقة بوجه عام. 

أما بالنسبة للمنطقة الغربية (المقاطعات السورية) فإن آسرحدون وجَّه عناية خاصة لهذه المنطقة الحيوية، وذلك بعدم فسح المجال لأية حركة انفصالية أو عصيان، وذلك بانتهاج سياسة عسكرية ودبلوماسية مرنة مكَّنته من إحكام السيطرة على بعض المراكز الحيوية الواقعة على ساحل البحر المتوسط مثل صيدا وصور التي كانت تدار بحكم ذاتي يخضع للسلطة الآشورية.

والحقيقة فإن سوريا وفلسطين إبان حكم هذا العاهل لم تثر المشكلات، وقد يكون ذلك لكونها مجزأة إلى ممالك صغيرة يديرها حكام محليون موالون للسلطة الآشورية. 

ولاء القبائل العربية لآسرحدون

أما فيما يخص القبائل العربية فقد حاول آسرحدون كسب ولاء القبائل العربية ومشايخها التي كانت موجودة في المنطقة، فأعاد أحد الحصون إلى حاكمه السابق (حزائيل) بعد أن كان سنحاريب قد ألحق ذلك الحصن بالدولة الآشورية، كما أعاد إليه تماثيل آلهته بعد أن نقش عليها قوة آشور واسمه الشخصي.

ونستنتج مما تقدم أن إعادة التماثيل اقترنت بكتابة أسماء الإله آشور والملك آسرحدون على تماثيل الآلهة المحلية، وهذا قمة في استخدام أساليب الهيمنة. فلا توجد قوة تضاهي قوة الآلهة عندما يركع المتعبدون أمام الآلهة للصلاة، فلا بد من أنهم سيلاحظون أسماء آشور وآسرحدون وهما أكثر قوة من شخصية الآلهة المحلية، وأنهما موجودون دائمًا مع إقامة الشعائر الدينية ومن ثم فكلاهما قادر على فرض سيطرته على الجميع.

ومن جهة أخرى أراد آسرحدون تنصيب تبوعه Tabua التي تربت تربية آشورية ملكة على أريبي ليضمن بذلك فرض سلطان آشور على الأعراب، وهو حلم تحقَّق، إذ ظلت على وفائها كونها حاكمة في أدوماتو.

وقد أدى ذلك إلى خلق صفحة جديدة من العلاقات بين الآشوريين والقبائل العربية، إذ انتهج آسرحدون سياسة تقوم على التسامح والوفاق، وذلك بإلغاء الأعمال العسكرية وفرض مبدأ الولاء ودفع الجزية من قبل هذه القبائل ليتمكن بذلك من مواجهة المعتدين في الجهات الأخرى؛ لأنه لا يمكن الوصول إلى مصر دون المرور بأرض العرب وضمان ولاء قبائلها، وهو ما أكدته النصوص التي تذكر دعم بعض القبائل العربية لحملة آسرحدون على مصر عن طريق تسخير جمالهم لخدمة الجيش الآشوري، وذلك بحمل المياه اللازمة للمرور في الصحراء. 

ومن الجدير بالذكر أنه لا يمكن الفصل بين القوة والدبلوماسية، وهذا ما لمسناه من التدخلات المصرية المستمرة في الشؤون الآشورية في بلاد الشام، ما أوجب على الآشوريين أن يتوصلوا إلى ما يحسم الأمور، لا سيما أن بلاد الشام ومناطق وجود القبائل العربية في بواديها أصبحت تدين بسياسة الدولة الآشورية؛ ما أعطى آسرحدون دعمًا لقاعدته في بلاد الشام وعدم فسح أي مجال لمثيري الشغب والعصيان.

مصر في عصر الدولة الآشورية

ولكن دولة مصر في عهد فراعنتها الكوشيين بقيت شوكة في جنب الدولة الآشورية تناوئها وتحرض الممالك في المقاطعة الغربية (بلاد سوريا وفلسطين والساحل اللبناني) الخاضعة لها على شق عصا الطاعة وإضرام نار الثورة كلما سنحت الفرصة، فارتأت آشور أن تضع حدًّا للتحرشات المصرية، فزحفت الجيوش الآشورية من قواعدها في بلاد الشام صوب مصر وتمكن آسرحدون من تحقيق النصر عام 671 ق.م بدخوله عاصمة مصر ممفس.

​ومن الأساليب الأخرى التي اتبعها آسرحدون في تصفية خصومه السياسيين بدون إثارة معارضتهم كانت عن طريق عملية البديل الملكي.

فباستعراض الوضع السياسي نجد أن العملية استُغلت لأغراض سياسية، إذ إن عملية اختيار البديل كانت مدروسة بدقة، وتهدف إلى إدخال الرعب في نفوس البابليين.

وهذا ما أشارت إليه رسالة مار – عشتار. فمن المعروف أن البابليين كانوا يضيقون ذرعًا بالتسلط الآشوري، وكون البديل واحدًا من أبناء كبار الكهنة في بابل وهو (دمقي) كان في سبيل التخلص منه وتوجيه صفعة قوية للمعارضة البابلية المستمرة للحكم الآشوري، وحتى لا يجرؤ أحد منهم على التمرد على سلطان الدولة الآشورية، وكان هذا باديًا في رسالة (مار-عشتار) الذي أدى دورًا واضحًا في إعطاء الأمر صيغة الاختيار الإلهي، فهو يعرف أن أوامر الآلهة لا ترد وقرارها لا بد منجز فهو يقول: 

(لقد أصاب الهلع البابليين بموت دمقي ولكننا أعدنا الطمأنينة إليهم). 

وكأنه يحاول الاعتذار عن فعلته هذه بقوله: 

(لكننا بيَّنا لهم أن مردوخ وجميع آلهتهم الآخرين هم الذين أرادوا بهذه الوسيلة أن يطيلوا حياة الملك سيدي).

آخر معاهدة لآسرحدون

​وقبل وفاة آسرحدون بثلاث سنوات قدَّم حلًّا لمشكلة ولاية العهد عن طريق معاهدة فحواها أن يتربع ولده آشور بانيبال عند وفاة آسرحدون على العرش الآشوري، وتُعطى البيعه له وحده، ويتوَّج ابنه الآخر شمش – شوم – أوكن ملكًا على بابل.

ويفهم من فقرات هذه المعاهدة أن هذا التعيين على عرش آشور وعرش بابل لا يعني تقسيم الدولة الآشورية إلى قسمين رئيسن، بل يُفهم باعتبار أن هذا التعيين لولديه قد أعطى كلًا من بلاد آشور وبابل مرتبة متساوية؛ لأن كلًّا من ملك آشور وملك بابل هما ابنا آسرحدون، وهذا ينسحب بطبيعة الحال على العلاقة بالأمور الدينية أي التساوي في السلطة الإلهية بين آشور ومردوخ، فكسب بذلك ود البابليين وجعلهم إلى جانبه ليتفرغ هو لأمور أخرى.

​وقد فرضت هذه المعاهدة على مجموعة من الأمراء الميديين المعروفين بتجاوزاتهم على حدود الدولة الآشورية، وأن عقد مثل هذه المعاهدات يعني ضمان ولائهم لآشور ضد قبائل الكمريين والسكيثيين والمانيين. وفي المعاهدة يذكر آسرحدون قائمة طويلة بأنواع العقوبات التي تمنَّى أن يراها تحل بالحاكم المحلي الميدي إن هو خالف بنود المعاهدة، وهذا يشير إلى عدم ثقة آسرحدون بالزعماء الميديين، لهذا فرض عليهم هذه المعاهدة. 

ثم إن لهذه المعاهدة طابعها الخاص كونها تستهدف تعيين وريث للدولة الآشورية، فضلًا عن استهدافها ضمان انتقال السلطة بصورة طبيعية خالية من أية اضطرابات قد تؤدي إلى الصراع الداخلي والخارجي، وبالوقت نفسه تضمن موافقة حكام الأقاليم الذين أقسموا اليمين أمام الملك آسرحدون؛ تنفيذًا لرغبته، واعترافهم ضمنيًّا بالسيادة الآشورية عليهم، وهذا نابع دون شك من قوة الدولة الآشورية.

​لذلك يمكن القول إن آسرحدون بهذه السياسة وإبداعاته يختلف عمَّن سبقه من الملوك الآشوريين، فكان له المقدرة على حسن التعامل ودقة التخطيط، وكان في سياسته العامة يجنح للسلم عندما لا يجد فائدة من القوة، فقد كان له نظرة واضحة لحدود قوته، وكثيرًا ما عقد المعاهدات مع الأمراء وحكام المقاطعات من أجل تسيير دفة الحكم وتحقيق الأمن.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة