خيبة ظن

نظر إلى ساعته و تمعن عقاربها حتى تبين أنها قاربت الثامنة من مساء ليلة بلغ الصقيع ذروته في الاسكندرية . أكتظت محطة القطار بالمسافرين من مختلف ألوان البشر و ارتفعت ثرثرتهم حتى كادت تطغى على صوت الإذاعة الداخلية للمحطة و لكن استطاع كريم أن يظفر ببعض كلمات المذيع الذي أخبر المسافرين عن وصول القطار و كأنه يطالبهم بأن يصبحوا على أُهبة الإستعداد .

 و بالفعل ، حمل كريم حقائبه  وهو يجر حقيبته الكبرى التي عجزت يداه عن حملها ... وصل القطار و نور ساطع في عيني كريم كادت تصيبه بالعمى و أسرع كريم في خطواته حتى وصل لرقم العربة المنشودة بعد أن تأكد مرارا و تكرارا من صحة تذكرته ، و هو على وشك الصعود توقف.... إنها سيدة بلغ عمرها الإفتراضي مداه و جاوزه رأها الجميع و لم يُعرها إنتباهًا سوى كريم فتراجع و أفسح لها المجال لكي تصعد العربة و بالفعل صعدت  و وجهها المتجعد قد تحول في لحظة لسيدة في الثلاثين من العمر . حينها جاء دور حقائب كريم عندما ادخل الأولى اصطدم نظره بالساعي الذي بدى من خلال ابتسامته المخادعة التي فهمها الشاب بكل سهولة... و على الفور انتزع منه الحقيبة زاعما بذلك مساعدة أحد الراكب دون انتظار مقابل و في غضون ثواني كان الوضع على ما يرام، فاستند كريم على مقعده و ظفر بكتاب حمله و قرأ من فصوله الكثير و اتضح ذلك من إهتراء صفحاته التي شابهت أوراق البردي .

على نغمات فيروز يستمتع بقراءة كتاب يحمل اسم "مصر القديمة " ، و مع اول كلمة وقعت عيناه عليها كان احتكاك العجلات بالقضيب... و فجأة و بدون أي مقدمات ظهر ملاك تبينه كريم . فتاة أطفى الظلام على ملامحها الغموض حتى تمعنها جيدا فتراءت له و استوضح من تلويحها له أنها وتستنجد به فقام و فكر في ثوان فيما سيفعله.  حتى اتخذ قراره و عاد لمقعده معلنا في قرارة نفسه أن يعتبر ما رأه مجرد هلوسة أو خرافة ليس أكثر داعيا الله بأن تجد من يعاونها و تلحق بالقطار.  و سمع بعد أن استعاد وضعية الجلوس بعض الضوضاء التي صدرت من مقدمة العربة  ولكن تلك المرة قيدت نغمات فيروز أذنيه.... و سرعان ما انخفض الصوت المرتفع و امتلأت العربة بالمسافرين لا يوجد غير مقعدين شاغرين أحدهما هو المجاور لكريم و الذي شغلته السيدة العجوز .

طالته يدان ناعمتان و في منتهى التأدب اشهرت اميرة لسيدة الطاعن في السن  تذكرتها لتخبرها أنها أخطأت المقعد و هذا مقعدها في الأصل و حينها كان كريم يحدث الملائكة في أحلامه، لم ترد أميرة أن توقظه و بالرغم من ذلك فالحركة و اهتزاز المقعدة ايقظه ليرى الملاك الذي لم يعرفه سوى في أحلامه.... عيناها الواسعتان بدرًا وسط ظلمة الليل الدامس ،  وجنتين شابهوا النبيذ الأحمر الطازج فمن يقبلهما ينتشي و يصبح في حبهما كالسكير، شعرها الناعم الهادئ المنسدل من قبعتها البيضاء و الذي اتضح عندما افصحت عنه معلنة بذلك عن بزوغ شمسا جديدة في كون كريم . لم يعرها أي انتباه و راح ليستكمل غفوته و يقابلها في حلمه فعاود تشغيل نغمات فيروز و غفلها . أ

أنتزعتْ منه سماعات الأذن، و داهمته  قائلة :

_يعني مش من الجنتلة أن حضرتك تسيبني أجري و أشاور لك و متعبرنيش و لا حتى تقول لأي حد يساعد.

أُستنرف كريم مما فعلته لتوها و حشد كل قواها لكي يوقفها عند حدها و قال بكل برود أعصاب و جمود إحساس :

_مش سيادتك وصلتي أهو... نقول الحمد الله بقى و لو محتاجة مساعدة ...الساعي موجود .. خدوم جدا على فكرة .

و بمجرد أن أخبرها بذلك لم تفهم كيف يجرؤ أن يحدثها هكذا،  و حينها تحولت إلى تمثال من الشمع . حينها لم ينظر إليها الشاب البالغ من العمر الثلاثون بل رمى بسهام كلماته  و هرول إلى واقعه الافتراضي .

كانت أميرة قد استحالت إلى مجنونة بسبب هذا السخيف ، الرتيب ، هادئ الملامح بحيث لم تستطع بذكائها غير المحدود أن تستشف ما وراء هذا القناع .

بعد مرور قرابة الساعتين منذ تحرك القطار ذي الوجهة إلى الأقصر،  استفاق من غفلته عابس الوجه كمن كان في غيبوبة... تأمل العربة  و نظر بجواره رأها ما زالت مندهشة لما قال... نظر لساعته فوجدها العاشرة إلا خمسة دقائق و داهمها هو تلك المرة متسائلا بكلمات في منتهى السخف :

_هو سيادتك فضلتي متنحة  فيا بقالك ساعتين . 

تلك المرة لم تتحمله فردت و هي في غاية الاستنفار :

_ على فكرة انت قليل الذوق و في منتهي البرود .... عملة نادرة كده مش موجود في غلاستك اتنين.

سمع الكلمات فلم يعبث و لكنه اشار بيده إليها لتفسح له المجال حتى يذهب لدورة المياه... حينها سكوته قتلها بل أغتالها.

أدار ظهره لها و على وجهه ابتسامة لو رأتها أميرة لعرفت أنه يعشقها قبل أن يعرفها، و حينها ضربت كفا على كف و أخذت رأسها في الذهاب و الإياب يمينًا و يسارًا حتى أنها استعرت إنتباه رجلا صعيديًا أخذ هو يراقبها ظنًا انها ممسوسة و حين لحظته و بدون مقدمات صدمته بكلماتها الجارجة :

_في حاجة..؟؟  شايفاك مركز معايا... اتوكس على خيبتك و اتفضل بوص قدام حضرتك.

الذهول اعترى الرجل ، لم ينطق بكلمة  وكأن أصيب بفقدان النطق و أصبح من البكم ...

عندما ألتفت أميرة إلى مقعده لاحظت الكتاب التاريخي للمؤرخ "  سليم حسن " معنون باسم " مصر القديمة " فخطف انتباهها خاصةً أن هذا في قلب دراستها و كونها طالبة في الفرقة الرابعة آثار جامعة اسكندرية. فنالت الكتاب قبل أن يأتي كريم بدأت تتصفحه  و هي على وشك إغلاقه سمعت صوته :

_بتحبي تقري تاريخ... و لا ده مجرد فضول مش أكتر؟

_اه جدا.... انا رابعة آثار بس مش تاريخ بس بحب اقرى أي نوع أدبي .

_طب ديه حاجة عظيمة حتشتغلي في السياحة..... مرشدة سياحية مثلا... شغلانة كانت بتكسب لكن دلوقتي مفتكرتش.

_أخلص كلية و بعدين أفكر في الشغل و سيادتك شكلك مرشد سياحي... خريج آثار بردو؟

_لا ،بس شوية مجهود كده و ربنا بيكرمنا، أنا خريج آداب قسم انجليزي .

تبسمت أميرة بعد عبوس سيطر عليها منذ وطأت قدماها القطار و قابلت هذا الكائن الذي بدا عكس ما هو عليه الآن و بدأت في جذبه للتحاور معها فيما يخص أي شئ ... فقط لتتأمل عقله الذي يتضح من خلال نافذة أفكاره المتسلسلة  المنسابة من لسانه .

فلقد رأت فيه شابًا ، واسع الأفق , علمه غزير خصوصًا في التاريخ الذي يمثل تخصصها ،  فجمعت بذلك بين هيام عيونها في جذابيته العجيبة و ذاب عقلها في عصير أفكاره المنظمة .

واثق من نفسه وثوق أولي العزم في رحمة ربهم  ، متحدث لبق ، أخفى بهاء حتى لا تفتن به أميرة و لكن إلحاحها الشديد على خلع رداء الغموض الذي يرتديه كريم أجبره أن يفتن هو بها قبل أن تفتن هي ...

الحديث يغدو و يعود بينهما،  لا يتوقف أحدهما عن إنصات للأخر... لم يكن تبادل لأفكارهما بل تأمل جمال و نشوة لا تنضب منابعها , حينها انتقل الحوار للعديد من المجالات من التاريخ إلى الاجتماع إلى علم النفس و الفلسفة إلى السياسة جلابة الخلافات وصولا إلى التعارف على الجانب الشخصي لكل منهما...

نام الراكب و أعتلى منصة الحال حينها الشخير و صوت المقاعد التي تبعث تقلب أجساد الراكب من اليمين لليسار، لقد دخل الجميع في نوم عميق ، انطفأت أنوار العربات و استمروا ثلاثة فقط في سبيلهم لوجهتهم : القطار المتجه للأقصر، المحتاجة الساعية لقلب كريم ، العبد السالب لروح أميرته و عقلها...

و في النهاية توقف القطار و نام أما هما فاستمرا الاثنان عبر إشعال كشاف خافت الضوء يسمح لكليهما بمتابعة الطريق إلى كيان بعضهما.

بعد مرور بضع ساعات و مع شروق الشمس لتزعج عيني أميرة لترفع رأسها التي أُستندت على كتف كريم و كأن كتفته بات أكثر نعومة من ظهر الكرسي، و بسرعة تداركت الموقف و ربطت شعرها الناعم و عادت لتغطيه بالقبعة حتى لا يستفيق من النوم و يستنتج أنها استعارت كتفته ليكون وسادة لها . عندما استيقظ كريم لمح بائع " الحاجة الساقعة و البيبس " و سأله بوجهًا لم يدرك العبس فهذه أحلى ليلة غفى فيها، ليلة غاب القمر فيها عن الكون و جلس بجواره ليظلم العالم و يضيئ له متفردا به ، عن الوقت المتبقي لوصولهم فكانت "نص ساعة بالكتير " اجابة شافية كافية.

حين سمع ذلك، طلب بتوسل رقم هاتف أميرة معلنًا أنه في خدمتها في الأقصر إذا ما أرادت أي مساعدة سياحية و بكل سرور منحته إياه دون تردد و سألها :

_في حد مستنيكي في المحطة و لا تحبي أوصلك لمكان معين.

في تغير 180  درجة و كأنه استعاد وعيه بعد تلك الغفوة الليلية التي حولته إلي شخص غيره ، فأشرقت شمسها و أجابته بصوت عذب مغردة :

_أحب توصلني طبعا ،بس مع الاسف بابا مستنيني بس ممكن أكلمه و اقوله متجيش عادي .

_لا مفيش داعي ما دام في حد موجود خلاص .

نزلا الاثنين،  جسدها في حضن أبيها و روحها بحوزة كريم و يداه تحملان الحقيبة الثقيلة  و عقله يحمل ما هو أثقل.. جلالة الأميرة التي على وشك أن ينصبها ملكته.... أفترقا و لكن عيناهما لم تفارق بعضهما الاخر...

 توجه إلى منزل يقطن به مع بعض أصدقاء في نفس ظروفه ،  شباب يسعى جاهدًا ليُحرز رزقًا من تلك الدنيا ، كانت ال"البيجو " تنتظر الركاب حتى يظفر سائقوها بأي شئ يسد جوعهم و رمق أطفالهم و بالفعل اتجه نحو السائق متسائلًا ما إذا كان طريقه هو الذي ينشده كريم...

أما صاحبة الجلالة فلقد استقبلها أبوها الذي يمثل لها الأمان و الحنان و حينها كانت شغوفة لمقابلته خصوصًا أنه مضى الكثير من الوقت و لم تره فيه... إنه مدير أحد الفنادق الشهيرة في الأقصر و بحكم مهنته  فقد ترك الاسكندرية لمدة زادت عن الشهر افتقدت خلالها احتضانه و مداعبته لها.  و قد أستغلت الفرصة و بعد أن أدت امتحانات منتصف العام هرولت لتقضي معه الاجازة و تستدفئ برأفته.

دخلت العربية  و أبوها يقود فأسندت رأسها إلى النافذة و أخذت تتأمل الشمس التي شقت طريق الشروق لتوها و من قسوة الشمس لم تتمكن من الاسترسال و المضي قدما نحو تأملها... فاستدارت بنظرها و لم ترد حينها أن تزعج نظرها... بينما كان كريم مغلق العينين، و لم يكن المشهد البديع للشروق يمثل له أي اندهاش بل آثر أن يكتفي بشمسه و قمره فلا يمكن أن ينازع سمو الأميرة كرسي الجمال.

تبادلت هي و والدها الحديث... كان من المستغرب أن تظل صامتة فشرع الأب قائلا :

_أخبار الرحلة ايه... كانت متعبة طبعا ؟

_مش أوي يا "باباي" لقيت اللي يسليني .

_كان معاكي كتاب بتقريه  و لا شغلتي اللاب توب و لا نمتي؟

_كان أحلى كتاب قريته في حياتي... العنوان كان وحش أوي بس لما فتحته عجبني جدا.

_شوقتيني أقراه.. طب اسمه ايه الكتاب على كده ؟

_و لا يا " باباي" مش فاكرة... أنا لسه ببدأ فيه... أديني فرصة كمان يومين.

_أنا عاوزك تتبسطي في الاجازة ديه.. أنا حجز لك في الفندق غرفة لمدة خمس ليالي عشان متقوليش حرمك من حاجة .

_ماشي . قالتها و أخذت نفسا عميقًا لتنتشي به متذكرة أفضل رحلة أمضتها ، لم تأخذ الغفلة المدة الطويلة و سرعان ما وصلت الفندق و تركها أبوها لتسلقي علي سريرها و تستريح ... و لكن كريم وصل ليرتب ملابسه و يبتعد ليأخذ أول فوج سياحي لجولة قصيرة.

****

بعد مرور يومين منذ وصولهما إلى الأقصر......

كانت تلك المرة الثانية التي تخرج منها أميرة من الفندق لتزور معالم تلك البلدة  لرؤية عظمة الحضارة المصرية القديمة ليس من خلال المسلات أو المعابد بل من خلال وجوه أبناء النوبة  و أهالي الصعيد الأشداء.. و لكن تلك المرة الأولى التي ترك فيها الملك ابنته لتتجول وسط العامة  و ذلك لظروف العمل فضلا عن طلب تقدمت به من جانبها.

سياح في جنبات المكان الفرعوني وسط ذهول أعترى عقولهم ، و كان حلم  لدى أميرة أن تزورهذا المكان الآثري و لكن على عكس المتوقع كان الملل يتغلل إليها من خلال جدران المكان و ما إن تمعنت رسم جدارية تراءى لها و جعلت تسأل نفسها ماذا حل بها ؟ أصابها بالجنون وهو الأوحد الذي يعرف العلاج .

و في وسط هذا الجمع الغفير من السياح ، و على غير المتوقع هناك يد انتزعتها من خضم هذه الضجة و من بين ثرثرة المرشدين و كاميرات... يد أخطفتها  و هرولت بها  و من كثرة تلك الهرولة كانت على وشك الصعود لسابع سماء, لم تنطق بكلمة ، و باتت الأميرة عبدة في يده ....

مر الوقت سريعًا و وجدت نفسها أمام منظر بديع ، على ضفاف نهر النيل... حيث الحشائش الخضراء على جانبيه و الرمال الناعم مثلت لهما بساط سحري يحملها إلى جنة الشغف و التكامل و كمال النظرة العاشقة.

و بكل دافع و دون أن يفكر قبل أن ينطق :

_واحشتيني... كنت حعمل ايه طيب ؟!

_مش أكتر مني يا غلس أنت....أنت اي نعم وقعت قلبي . بس عارف لو كنت مت من الخضة كنت حموت شهيدة لحبك ليا .

_أنتي مين بقا ؟

_ايه دخلة الافلام ديه ...أنت عجبني آه بس السؤال ده حيخليني أعيد تفكير فيك.

_لا بجد انتي جتي لي منين ؟  يمكن مجتيش في وقتك بس الأهم انك جيتي .

_من أول ما شوفتك و الشخصية السذاجة اللي جوايا بتظهر.. بتصرفات غبية بس يمكن عشان نفسي أعرفك أكتر ، بس بعد ما خطفتيني طلعت مش عارفاك خالص.

_كل ده كوم اللي خلاني أعمل ده كوم... أشدك من إيديكي في وسط الناس و أسيب الفوج و أجي ليك .

_هو ده الحب يا حبيبي... داء ملوش لا دواء و لا سبب و لا طبيب... بيطلع شيطاني، مجرد نظرة تخليك فوق على باب الجنة تحت كلون الباب مستني القيامة تقوم بس.

وأستمرا في حديثهما و هذا اليوم أنفصلا عن العالم... عن الجن قبل الانس و منذ الظهيرة  و حتى توديع الشمس لهما جلسوا و رأسهما منكسة على بعضهما و ذلك عندما لم تقدر الكلمات عن التعبير عما يحويه عقلهما... قالت له أنا قد تأخرت و لابد من الرجوع إلى الفندق، فوثب من مكانه  و مد يداه ليساعدها على الوقوف بكل كرم و حنو و داهمها بقبلة فذاق هذا النبيذ الأحمر المغطي لخديها و حينئذ احمرت وجنتيها و زادت كمية النبيذ ثم أصطحبها السكير لبوابة الفندق...

عنئما وصلت كانت متسخة، أزدادت خصلات شعرها اصفرارًا من آثار الرمال الناعمة ، دخلت من بهو الفندق و ما إن رأها والدها صدمته و أسرع من خطواته لعل أصابها مكروه فتسارعت خطواته و ضمها إليه كالعادة ليطمئنها و الغريب في تلك المرة أنها لم تطل العناق بل فضلت ان تنطلق للغرفة فهي لا تريد غير أن تخلو لنفسها لبعض الوقت لتستوعب ما حدث لتوه...

عطرها علق في أنفه لا يُمحى و كأن أنفه قد أقسمت على ألا تشم غيره... تابع مع السائحات الفاتنات رشيقات القوام اللاتي تجاوزن حد الاناقة و الجاذبية ، لم يهتز له ساكنًا و تحول العالم لأصنام متحركة و باتت هي فقط من يجب عبادتها...

قد تبقى يومين على السفر لأميرة كما هو الحال لكريم... و لكن لم يتمكنا من الوصول للقاء مرة جديدة بعدما رأى الملك صغيرته و ما اصابها عندما تركها بمفردها،و على الرغم من هذا كله إلا ان الأمل في التلاقي ما زال راسخ في ذهنيهما فقط صبرا قليلا.

لقد جمعت الصدفة المتفق عليها بينهما ، فلقد علم منها خفية رقم العربة و المقعد المرجو و بذلك أستطاع أن يقنع موظف المسؤول عن بيع تذاكر القطار بان يجلب له تذكرة قريبة كل القرب منها ليبهج قلبه اليائس و يكافأه تعويضًا للسنوات التي عانى خلالها من مرارة الوحدة وسط جموع جاهلة لمواطن حُسنه و التي عرفتها اميرة كل المعرفة.

تبقى عائق كبير و هو ال"الوحش " ، ملك لفضلى الممالك و حسنى السيدات... لا مفر و لا يوجد أي فائدة .

جلس بجوار كريم رجلًا بدين مترهل البدن ، شخيره يزعج عجلات القطار الصاخبة، رائحته نتنة كأنه لم يعرف جسده الماء من أربعنيات القرن الماضي، أجبر كريم أن يستأذن منه كل خمس دقائق ليخرج يستنشق الهواء فلا يموت مختنقا بالغاز السام المنبعث من تلك الجثة المتعفنة.. و مع كل تارة يخرج يلقي نظرة خلسة و يلقى منها ابتسامة و حركة شفتاها التي تبينها كريم مبرزا اسنانا مبتسمة.. انها تخبره " بحبك " فيملئ صدره بالهواء العليل و يشغل روحه ببهاء تلك الفتاة و جمال ما تلفظ به حتى يرجع فيلقى حتفه حينما يرى الرجل البدين الذي بدى و كأنه لم يعرف النوم منذ آلاف الاعوام .

توقف القطار وحان وقت نزول الركاب جميعًا، و قد يظفر كريم برقم الهاتف ليكملا ما بدأها سويًا . و ما إذا وصل القطار الرصيف و كان في استقبال أميرة شابا وسيما يبدو أنه في منتصف العشرينات يرتدي بزة شرطة و يبدو من خلال الرتبة المعلقة على كتفه انه ملازم ثاني جذب إنتباه كريم المشهد...

لقد جرت و أوقعت الحقائب و لم تكترث بالزحام و كان عناق حار أضمرت النار بقلب العاشق الساذج . اقترب كريم على استحياء و استمع من مسافة كي لا تتضح ملامحه لها سمعها تقول له :

_وحشتني جدا يا حبيبي.... متسبنيش تاني أنت فاهم .

كانت تنطقها و كلها إرتياح و طمأنينة كمن لقى مخبأ في هيجاء ضارية... أتخذ طريقه راجعًا لمنزله و قد نضب المنبع و غلقت كل ابواب الرحمة و المودة حتى اشعار آخر.

بعدما جاء الاب حاملًا الحقائب عانقه الشاب اليافع ، ذو القامة الطويلة و الجسد المعافى ، و أصطحبهما إلي سيارته و هم في الطريق تسامر الأب مع الفتى متسائلا :

_مجيتش مع أختك ليه يا سعادة الضابط ؟

_و لا الله يا بابا الشغل كتير و مفيش أجازات خالص... ما أنت أدرى مني .

ثم نظر الشاب لأخته من خلال المرآة و رأها ممسكة بالهاتف تحاول بكل ما أوتيت من قوة ان تتصل بأحد بل بالأوحد و لكن الهاتف مغلق فسألها الأب مقاطعًا لتلك المحاولات :

_ أنا نسيت اخد منك الكتاب اللي قولتيلي عليه صحيح.. ليه معاكي... خلصتيه؟

_لا يا "باباي" شكله كده ضاع... قالتها و أفتتحت منابع الدمع و الآسى .

وصل كريم عند مقدمة الشارع يبحث عن هاتفه المحمول، لا يجد له أثرًا ففتح حقيبته و لم يجد له آثرا... لم يغضب و قال ساخرًا من حالته :

_ الموبايل أتسرق.... أهي كملت... الحمد لله .

صبيحة ثاني يوم،  في وسط منطقة محطة الرمل بالاسكندرية ، يترجل الرجل النتن البدين و قد زال بعض قذوراته و عرف مكان ليستحم و كان يساوم البائعون على ثمن " الموبايل " ليحصل على أكبر عائد مادي...  ظن و ظنت فخاب ظنهما !!

 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب