هذه الحال ليست ما كنت أريده، ولا تعجبني، ليتني ما أخذت هذا القرار، لقد تكالبت عليَّ الدنيا بشقائها أثقالًا من الوجع في كل تجربة أخوضها، أوجعني فراق فلان، ويؤلمني رحيله، قد تأخر عليَّ رزقي كثيرًا، ونال اليأس من نفسي منالًا عظيمًا!
خواطر عن اليأس كثيرًا ما تبدأ بهذه الكلمات، حين يشعر الإنسان أن الطرق قد أُغلقت، وأن الصبر بات أثقل من الاحتمال.
مواقف وظروف شتى نعيشها في حياتنا نحتاج أن نتوقف قليلًا ونفكر بهدوء فيها، ونسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: ماذا نظن في قضاء الله؟ هذا السؤال هو جوهر الرضا بقضاء الله، وهو الفارق بين قلب مضطرب وقلب مطمئن.
سؤال تتجلى إجابته بوضوح في آية ذكرها المولى تعالى في كتابه: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} هذه الآية الكريمة من سورة البقرة (216) تعد أصلًا عظيمًا في فهم القضاء والقدر، وتشكّل قاعدة إيمانية للثبات في أوقات الشدة.
وبتدبرها يشق النور طريقه حيث صدورنا المعتمة بظلام اليأس، فتُثلج صدورنا، ويُربط على قلوبنا في دنيا شاقة متشبثين بالصبر حتى لا نغرق في غياهب الحزن، فسبحان من جعله شفاء لكل القلوب الواهنة، إن التدبر في القرآن ليس قراءة حروف، بل علاج للروح وانبعاث للسكينة.
الحال التي تسود حولك، وترشق سهام اليأس صدرك فتؤلمه، لِمَ لم تفكر بهدوء فيها وتترك لنور كلام الله أن يبدد ظلام يأسك، فتستريح نبضات قلبك لمَّا تكتفي بترك الأمور لله القادر، فعسى أن يكون فيما تكرهه خيرًا لك وأنتَ لا تراه؟ وحينئذ تتجلى قيمة التسليم لله، حين يعجز العقل عن الفهم ويقوى اليقين.

القرارات التي تظن أنها ضاعت هباءً، وخسرت مقابلها كثيرًا، عسى أن تكون خيرًا لك، وبين طياتها دروس تدفعك لتكون أكثر خبرة، وتتعلم منها كثيرًا في حياتك. فكم من خسارة كانت في حقيقتها بداية نجاة.
حزنت على فراق فلان ورحيله عن سبيل حياتك، لكنك لو علمت، وبهدوء رددت، عسى أن يكون ذلك خيرًا لك ولقلبك، ما كنت ستعاني كل هذا الوجع، فالله حكيم، يعلم ما ينفعنا وما يضرنا، فيدفع عنا كل شر بلطفه ويقربنا من سُبل الخير؛ لذا فيمكن أن يكون فلان الذي تحرق لُب فؤادك على فراقه، هو شرٌّ لك، فدفعه الله عنك، وأنت بيأسك لم تستشعر معنى أن {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...}. وهذه من أعمق خواطر عن الفراق التي لا يفهمها القلب إلا بعد زمن.
رزقك الذي تأخر كثيرًا، فمللت الجهاد كي تناله، واستسلمت لفكرة يائسة حالت بين قلبك وشعور الرضى، ربما ليس موعده قريبًا، قد يتأخر ويأتيك في لحظة هي الأنسب لك، وقد لا يأتي كما خططت ورسمت، ويخبئ لك العزيز أجمل الأرزاق وخيرها، فلا تبتئس، وأرح فؤادك بأن {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...}. وهنا يتجلّى معنى خواطر عن تأخر الرزق المرتبطة باليقين لا بالانتظار القلق.
عسى أن يكون في أعتى المكاره، أجلُّ الخيرات ووافرها ونحن لا نعلم، وربما تحمل لنا المحبوبات أعتى شرور الدنيا. فسلِّم أمرك لله، وقل رضيت بما كُتب لي من قدر، وكفى بيقيننا أن الخير هو ما يختاره الله لنا، إن كنا نحب أو نكره. فالرضا ليس استسلامًا، بل قوة إيمانية تمنح القلب سلامه.
في عالم تتقلب فيه الأحوال، تبقى الرضا بقضاء الله أعظم ما يملكه الإنسان ليحيا مطمئنًا. وحين نوقن أن الخير فيما اختاره الله لنا، تزول الحيرة ويهدأ القلب، ويصبح الألم طريقًا للنضج لا لليأس.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.