نحن ضعاف جدًا تحت ظلّ من نحبّ، نفقد اتزاننا حينًا دون أن نقصد..
نتفوه غفلة بما يجرح.. والويل كل الويل إن كان للجرح جذور.. ومدعاة لانفجار القديم في وجه الجديد..
نفسد بغير وعي ما بنيناه بعرق الإيثار والتضحية عبر السنين..
نؤلم من نحبّ، فنتصدع معهم كما أحدثنا تلك الصدوع فيهم..
أدرك تمامًا أن النقصان هو الكمال..
وأن العلاقات تعتمد على الخبرات الماضية..
وأننا ننحاز شئنا أم أبينا إلى تصوّراتنا المسبقة..
أيّ أننا ننحاز دون تردّد للخبرة الماضية، نحرم أنفسنا من تصورٍ جديدٍ مستحقٍ عن كل شخص مع مرور الزمن..
وبعد تربية الأيام، نحرم من نحبهم فرصة عادلة جديدة؛ لإثبات ذواتهم المطوّرة، ولمشاركتنا النسخة الأمثل والأكمل منهم!
والحقيقة أن تلك الخبرات المتراكمة التي لا نتذكّر تفاصيلها، بل نذكر نتائجها وقناعاتنا من بعدها قد تكون مجحفة ومظلمة..
في السياقات التي قيلت، ووقعت بها لم نعُد نذكرها! بقدر ما نذكر التصوّر أو القناعة النهائية التي ترسبت عن الآخرين بدواخلنا..
اقرأ أيضًا خواطر | هل عادت لي الحياة؟
إلّا أن الانفجار البركاني الذي يحصل فجأة مع موقف ذي رابط، عجيب التأثير والتغلغل..
فكل التصوّرات تقفز وتصرخ بشدّة لتزرع نفسها مثبتةً أن من أمامك سليل الهم والنكد، ابن النكاية والخديعة، وريث النفاق، المسمم الأول والأخير للعلاقة...!
تلك التصورات غير الرحيمة تدفعك بماضي البراهين التي تتذكرها كضباب، لتغرس نياب كلماتك الحادّة وبقوة، لتجرّد رفيق العمر من حسناته وتدججه بسيئاته..
ينسال الألم كماء على كل جارحة، فيرجف الاثنين، وترتعش الكلمات، ويقاوم العند، ويستبد بهما على التناوب..
فحين يلين أحدهما ويحاول التجاوز..
يردّه الآخر حتى إذا ثارت نفس الأول عليه أغلق باب رحمته، في الوقت الذي فتح فيه الثاني بابه ليجد باب رفيقه من بعد الفتح مغلقًا!
كبحر يمد ويجزر، كحبل يشد ويُرخى، كظلّ يخبو ويعود!
كل غياب هو جمّرة شيطان، كل تضييق هو حرمان من فرص الغد العادلة..
كل قديم يستحقّ الاندثار، كل ألم تذكره يستحقّ العلاج..
كل ليل بهيم خيّم طويلا مستبد يستحقّ التلاشي..
كل التفاصيل الجميلة تدفن، إن عزف لحن الوجع، التجاوز ليس مستحيلاً في حق من نحبهم..
وليس مستحيلاً في حق من أخطأنا وتجاوزنا بإيلامهم..
ضع فرح الشعوب في مقلتيك، وبهجة الطفل في صوتك، وفأل الجدات المسنات في عقلك.
دقّ طبول الصلح، وأطلق حمام العفو، وتب عن الزلة التي صدرت منك..
واغفر للأخرى التي صدرت في حقك..
اجعل حياتك متكاثرة كشجرة ولود..
دافئة كأحضان الأمهات..
قوية كعضد الآباء..
خذ ضوءاً من كل مكان وازرعه في طريقك..
إياك أن تترك شيئًا عالقًا بين الشهيق والزفير كصخرة! شيئًا يمنع الهواء عن مجرى النفس!
بل ليتك تبثّ الأمن لذاك المجرى، حتى يشبه الصوت النافذ منه صوت المدن الآمنة وهي تغني، وهي تحلم، وهي تبتسم..
ليتك ترشّ عليه من سحر الخيال، حتى يشبه الصوت النافذ منه صوت آلة القانون التي تسافر بخيالك لأبعد من المجرّة..
ليتك تبلّله بماء الورد فيتسع حتى يشبه الصوت النافذ منه سيمفونية سرب الطيور، وهي تشدّ الرّحال من الأرض إلى زُحل.
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.