خواطر"أيها الإنسان.. أين المفر؟".. خواطر وجدانية

أعلم جيدًا أنك تشعر بضيق شديد، تمشي وتركض وتزحف وتحبو، لكن كل ذلك دون جدوى، فالنفق ما زال مظلمًا... لا أثر لأي شيء يوحي أن نهاية ما تعيشه سوف تأتي، فلا ضوء خافت في الأفق.

ترتطم في الأرض بكل قوتك، وأدهى من ذلك أنك متلبد المشاعر، لا تشعر بأي شيء، كأن هذه السقطة لم تكن. ماذا جرى لك؟ ما كل هذا البرود؟!

عيناك تشاهد فقط الظلام، تتكور في مكانك، وتصرخ وتصرخ، وتسمع صدى صوتك... لحظة.. يبدو أنك وحيد غارق هناك، لا يوجد أحد سواك.

تستسلم ويعتريك شعور الخوف، تتساءل: كيف ستكون نهايتي؟ تتنهد وتمدد جسدك بلطف، يداك ورجلاك مفتوحتان، شيئًا فشيئًا تغيب عمَّا أنت فيه، تسافر في لا شيء، لا شيء يغريك، منغمس في عدم المبالاة، كمٌّ هائل من الأسئلة تهطل كالمطر الغزير عليك: من أنا؟ أين أنا؟ ما الذي يجري؟ ما هذا الظلام؟ بأي عالم أنا؟ أين المفر؟

فجأة تسمع صوت خطوات قادم من مكان قريب، تستفيق بعد غياب طويل، تفتح عينيك، لا أحد هنا سواك، هل جننت؟ ماذا يجري؟ تضع يديك على رأسك، تسمع أصواتًا متداخلة، تتساءل: من أين تأتي هذه الأصوات؟ تنهض من مكانك، تتحرك كالمصعوق، تركض، على أول جدار تصادفه تضرب رأسك فيه، فلتصمتوا، لا يمكنني التركيز، يا إلهي إنني في ورطة.

تجلس متكئًا وتحتضن نفسك، تجهش باكيًا ومتعبًا مما أنت فيه، صمتت الأصوات برهة من الزمن وعادت، ولكن هذه المرة بحدة، تصرخ بأعلى صوتك: كفى، تبحث عن آثار لترى أين مكان الأصوات، لكن تُصدم عندما تجد نفسك داخل نفق لوحدك، لا رفيق طريق حتى، وتكتشف أن تلك الأصوات نابعة منك، عقلك يرفض فكرة أنك منبوذ، وقلبك يرفض فكرة أنك متروك، جسدك النحيل يرفض المقاومة.

تلتفت يمنة ويسرة أين سأهرب، أين سأجد نفسي من جديد، فجأة تشتعل الأضواء وترفع الستارة، جدارية من الأقنعة متنوعة، هناك قناع المبتسم والغاضب، وكذلك الباكي والمتحمس والخجول والخائف والمبتهج والمتوتر والمذعور والخائف والمتوتر، تشاهدها وأنت تلهث، مصدوم من هول ما رأيته، هذا القناع نسخة طبق الأصل مني، لكن أين الآخرون؟ لمَ أنا وحيد؟

صوت يقول لك: أنت هنا وحيد؛ لأن دورك قد حان.

أي دور؟ ما هذا الهراء؟

نعم نعم، حان دورك لتستيقظ من سباتك وتغير انطباعاتك واهتماماتك، أن تحيا من جديد، أنت الآن نسخة مشوهة لا تصلح إلا للخردة.

وكيف ذلك؟

عش نصيبك من الليلة المظلمة للنفس، كن كالشجرة، تخلص من تلك الغصون الذابلة، اترك مجالًا لنمو من جديد.

لم أفهم؟

أنت منذ مدة تعيش وحيدًا، أليس كذلك؟

نعم كلامك صحيح.

إذًا أنت وصلت للمرحلة الفخمة، هذه المرحلة -مرحلة الانعزال- سوف تصيبك في بادئ الأمر بالفتنة، وبعدها ستزورك وساوس لا حصر لها، لكن في النهاية ستستنبط مَن أنت، وستجد المفر.

وما سبب تلك الأصوات التي بداخلي؟

لا عليك منها أنت تمر بعملية التطهير.

من ماذا؟

عندما تكون في احتكاك دائم مع الآخر تذوب فيه، ولا يوجد لوجودك معنى، أنت تحتاج للعزلة ومدة نقاهة لتمر بمرحلة التصفية، أن تصفي تلك الأفكار البالية عنك، فأنت نتاج ما لوثته تلك الأيادي، أنت والآخر لا يعني أبدًا أنك "أنت"، بل يعني أنكم "نحن"، وشتان بين هذا وذاك.

وما كل هذا الظلام؟ لمَ لا ينقشع لي ضوء؟

عزيزي أنت من رميت بنفسك في أحضان هذا النفق، لقد سلكت طريقًا لا يشبهك فقط لكي ترضي الآخر، حاول أن تترك وأن تتوقف عن التشبث، دع الأمور تأخد نصابها، لا تكترث من بعد الآن، الخوف هو الحاجز بينك وبين الضوء الذي تبحث عنه.

وكيف أهزم خوفي؟ 

بالمجازفة وحدها، المجازفة تهزم الخوف، أن تكون شجاعًا ليس بالأمر الهين، فأنت تحتاج للمقاومة، أن تقاوم منطقة راحتك وعاداتك، أن تتخلص من نسختك المكبوتة، سوف يهاجمونك وينعتونك بالجبان، لكن لا عليك منهم، استمر على الرغم من الضغوطات والتشهيرات، لا تكن أبدًا متلهفًا للقطيع، كن وحيدًا منعزلًا أفضل من أن تكون في جماعة وأنت تائه عن نفسك. 

كلام عظيم لكن التطبيق صعب.

لا شيء صعب، هي فقط خطوة واحدة وسيتلوها خطوات أخرى، القرار بيدك أنت وليس لأحد سواك، وأنت أدرى.

شهيق وزفير، أغمضت عينيك، تقدمت ومشيت واثق الخُطا، انهدمت الجدارية، وعلى حين غرة انقشع لك بصيص الأمل، بقعة ضوء ركضت إليها، لكن كلما ركضت ابتعدت أكثر، كنت على وشك أن تستسلم، وتذكرت أن القرار بيدك وواصلت التقدم. 

عزيزي الإنسان.. لا شيء أسوأ من القيود، وأخطر القيود ليست تلك التي بين أيدينا، بل هي التي تكمن بداخلنا، وأخطرها هو الخوف. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

روعة استمري نجوى
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا من القلب عزيزتي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة