ككل صباحٍ معتاد، تمتد يدي بآليةٍ نحو الهاتف المحمول قبل أن تفتح عيناي تمامًا. بضغطة زر، أدلفُ إلى عالم «إنستغرام»؛ حيث الحكايات والقصص التي لا تنتهي، وأخبار الصديقات والغريبات التي تتدفق بملل. أنتقلُ بكسلٍ بين الرسائل و«الريلز» (الفيديوهات القصيرة)، لأجد نفسي غارقة في محتوىً لم أختره، بل اختارته لي «لايكات» الآخرين وتفضيلاتهم التي تفرضها الخوارزمية فرضًا. لم يعد الأمر مجرد تصفح عابر، بل تحول إلى طقسٍ يومي من الاستلاب الفكري.
مرآة المجتمع المحطمة
لقد أصبحنا نعيش في مرآةٍ كبرى تعكس وجوهًا لا تشبهنا. ففي تجمعاتنا العائلية وجلساتنا الحميمية، نكتشف بصدمةٍ أن أحاديثنا «العابرة» ليست إلا صدىً لمقاطع «ترند» شاهدناها جميعًا في الوقت ذاته. لقد نجحت خوارزمية «إنستغرام» في تحويلنا إلى كائنات مستنسخة؛ جردتنا من فردانيتنا لتهجّرنا إلى «قطيع رقمي» يتبع بعضه بعضًا، ويفكر بعقلٍ جمعيٍ واحد.
عندما أحاول البحث عن ذوقي الخاص، أو اختلافي الفكري البعيد عن ضجيج «الترند»، لا أجد إلا وجوهًا متشابهة تعيش داخل مرايا رقمية محطمة، تردد الكلمات ذاتها وتلبس الأثواب ذاتها، وتضحك على النكات ذاتها.
دكتاتورية «الإعجاب» ووهم المعرفة
إن ذلك «الإعجاب» العابر ليس مجرد ضغطة زر بريئة، بل هو طُعمٌ سيكولوجي يجبرنا على الغوص في خصوصيات الآخرين دون استئذان. إنه يحوّلنا جميعًا إلى «محللي شخصيات» مزيفين؛ حيث نغرق في وهم المعرفة، فنظن أننا نفهم أدق تفاصيل حياة أشخاص لا يجمعنا بهم إلا شاشة زجاجية باردة.
نحن نبني تصوراتنا عن السعادة والنجاح والجمال بناءً على «فلاتر» الآخرين، متناسين أن ما يظهر لنا هو مجرد «منتج» تم إعداده بعناية ليناسب الخوارزمية، وليس الحقيقة.
إنها دكتاتورية الخوارزمية التي تفرض سطوتها بقسوة، فتجبر أعيننا على مشاهدة آلاف الإعجابات التي لا تعبر عنا، وتضطرنا لتبنّي أذواقٍ غريبة عن جذورنا، حتى تآكلت هويتنا تحت وطأة ما يريده «المتابعون» لا ما نريده نحن. لقد أصبح «الإعجاب» هو المعيار الجديد للحقيقة؛ فالفكرة التي لا تحصد إعجابًا هي فكرة منبوذة، والوجه الذي لا يوافق معايير «الجمال الإنستغرامي» هو وجه خارج السرب.

استلاب الذوق وضياع الفردانية
في الماضي، كان الاختلاف الفكري ميزة، وكان الذوق الخاص هو بصمة الإنسان التي تميزه عن غيره. أما اليوم، فقد خلقت منصات التواصل الاجتماعي ما يمكن تسميته بـ «الذوق المعلب». نحن نأكل في المطاعم التي تمليها علينا «الخوارزمية»، ونقرأ الكتب التي يتحدث عنها «البلوغرز»، حتى أحزاننا وأفراحنا صرنا نُعبّر عنها بقوالب جاهزة وموسيقى تصويرية موحدة.
هذا التشابه ليس مجرد صدفة تقنية، بل هو نتيجة هندسة اجتماعية دقيقة تهدف إلى جعل الإنسان «قابلاً للتوقع». فالخوارزمية لا تحب المفاجآت، هي تريدك أن تظل داخل «فقاعة الترشيح» الخاصة بك، ترى ما يشبهك وتكرر ما تراه، مما يؤدي في النهاية إلى «موت الإبداع». فكيف للمبدع أن يبتكر وهو محاصر بآلاف النسخ التي تصرخ في وجهه كل ثانية بضرورة التشابه؟
الفضول البشري: السجن الذي نختاره
وعلى الجانب الآخر، قد يمنحنا «إنستغرام» خياراتٍ تقنية لتقييد المحتوى، أو إخفاء عدد الإعجابات، أو حتى حماية خصوصيتنا من المتلصصين. يمنحنا نظريًا القدرة على أن «نغلق أعيننا» ونفرض سياجًا حول أنفسنا؛ لكن السؤال الفلسفي الأهم يبقى معلقًا في فضاء الحيرة: هل نحن قادرون حقًا على كبح فضولنا الاجتماعي؟
إن المشكلة ليست في «التطبيق» وحده، بل في «هوس التلصص» الكامن في أعماق النفس البشرية. نحن نختبئ خلف ستار «المتابعة» لنعرف ما يفعله الآخرون، ونقارن حياتنا بحياتهم، في سعيٍ محمومٍ لانتزاع اعترافٍ بالوجود عبر شاشات صماء. لقد أصبحت الرغبة في «اتباع القطيع» والاعتراف الاجتماعي أقوى من إرادتنا في التمرد والاستقلال الفكري.
هل من سبيل للنجاة؟
إن النجاة من «خوارزمية القطيع» تتطلب شجاعة فائقة؛ شجاعة أن نكون «غير مرئيين» أحيانًا، وشجاعة أن نطرح آراءً لا تحصد آلاف القلوب الحمراء. إن العودة إلى الفردانية تبدأ من اللحظة التي نقرر فيها إغلاق الهاتف، والبحث عن ذواتنا في الكتب الحقيقية، في الصمت، وفي الحوارات التي لا تُسجل لتُنشر كـ «ريلز».
يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: من نحن حين تنطفئ الشاشة؟ هل نزال نملك فكرًا خاصًا، أم أننا مجرد صدىً لخوارزمية قررت عنا كل شيء؟ إن التمرد اليوم ليس بالصراخ، بل بالحفاظ على «بصمتنا الروحية» بعيدًا عن استنساخ «إنستغرام» المشوه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.