في عصرنا الحالي، أصبح السفر بالطائرات من أكثر وسائل المواصلات شيوعًا، حيث يمنح الطيران المسافرين بُعدًا جديدًا للمتعة بمشاهدة معالم الأرض من الجو. ومن بين أكثر المفاجآت المذهلة التي كشفتها لنا السماء هي خطوط نازكا الغامضة في بيرو؛ تلك النقوش العملاقة التي حيرت العلماء عقودًا.
فإذا كنت تتساءل أين تقع خطوط نازكا تحديدًا، وما هو سر خطوط نازكا؟ ولماذا لا تختفي على الرغم من مرور آلاف السنين؟ فإن هذا المقال يأخذك في رحلة استكشافية مثيرة للتعرف على أشكال خطوط نازكا العملاقة، وتاريخ شعب نازكا الذي خطَّ هذا اللغز الفلكي على الرمال، إضافة إلى العلاقة المشتركة مع المواقع الأثرية الأخرى مثل خطوط نازكا في السعودية.
تاريخ الطيران التجاري: كيف منحتنا السماء بُعدًا جديدًا للمتعة؟
أصبح السفر بالطائرات من أكثر وسائل المواصلات شيوعًا، وتنمو كثافة الرحلات الجوية عامًا بعد عام، ويزداد عدد المسافرين بنسب كبيرة.
وحسب منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) بلغ عدد المسافرين بالطائرات في عام 2018 أكثر من أربعة مليارات مسافر، في حين لم يكن الأمر كذلك في الماضي؛ فأول رحلة طيران تجارية تنقل ركابًا بمقابل كانت في الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1914 بولاية (فلوريدا) الأمريكية، حيث انطلقت الرحلة لمسافة 34 كيلومترًا قطعتها الطائرة في 23 دقيقة وعلى متنها راكب واحد من مدينة (سانت بطرسبرج) إلى مدينة (تامبا)، وكان أول مسافر يشتري تذكرة طيران في التاريخ هو (أبرام فيل) عمدة سانت بطرسبرج السابق.
في بداية عصر الطيران التجاري كانت الرحلات الجوية قليلة وإلى وجهات محدودة، لكنها إضافة إلى اختصار الوقت والجهد منحت المسافرين بُعدًا جديدًا للمتعة بمشاهدة المعالم الشهيرة، سواء الطبيعية منها أو التي شيدها الإنسان من الجو، وقطعًا تختلف إلى اختلافًا كبيرًا مشاهدة تلك المعالم من السماء عنها من على سطح الأرض.
اكتشاف خطوط صحراء نازكا
في ثلاثينيات القرن العشرين، حينما أصبح السفر بالطائرات أسهل طريقة لعبور سلاسل جبال (الأنديز) العالية الممتدة على طول الساحل الغربي لأمريكا اللاتينية، إضافة إلى الهضاب العالية المنتشرة حولها، بدأ الركاب الذين يطيرون عبر دولة (بيرو) -وعلى بعد نحو أربعمائة كيلومتر جنوب شرق العاصمة (ليما) فوق خطوط صحراء نازكا- يلاحظون أن الصحراء القاحلة الممتدة على مدى البصر تضم العشرات من الرسوم هائلة المساحة، إضافة إلى مئات من الخطوط والأشكال الهندسية.
ومنذ زمن بعيد والسكان المحليون يعرفون بوجود تلك الخطوط التي يطلقون عليها اسم (خطوط نازكا)، ولكن لم يعرف أحد أنها رسوم لطيور وحيوانات إلا عندما شوهدت من الجو، لتبدأ التساؤلات العالمية حول: ما هي خطوط نازكا؟ وكيف تشكَّلت.

من رسم خطوط نازكا؟
قبل نحو ثلاثة آلاف عام، كان يسكن المنطقة شعب نازكا، وكانوا يمثلون حضارة مزدهرة قدمت تقنيات متطورة في كثير من المجالات مثل صناعة الفخار والنسيج والعمارة، كما أنشئوا أنظمة إرواء فعالة واستطاعوا زراعة المحاصيل في بيئة قاسية.
ويُعتقد على نطاق واسع أن هذا الشعب هو من رسم خطوط نازكا، وإن كان تحديد التاريخ الذي تم فيه نقش هذه الرسوم بدقة يعد أمرًا صعبًا للغاية، لكن يُقدَّر أن ذلك حدث في الفترة ما بين عام 500 قبل الميلاد و500 ميلادية.
أين تقع خطوط نازكا تحديدًا؟
تقع خطوط نازكا في جمهورية بيرو في أمريكا الجنوبية، وتعد مدينة (كواشي) ذات العمارة المذهلة التي تقع جنوب الخطوط مباشرة -التي اكتشفت حديثًا- موطن رسامي خطوط نازكا حسبما يرى العلماء.
ويعتقد الخبراء أن معظم أفراد شعب نازكا قد هجروا المنطقة بعد سلسلة من الكوارث الطبيعية، والقلة الباقية تعرضت للقتل أو النفي في أثناء الاستعمار الإسباني.
أشعلت مشاهدات الطيارين لخطوط نازكا في بيرو (Nazca Lines - بيرو) شرارة الشغف الشديد بهذا المكان؛ ما دفع المؤرخ الأمريكي (بول كوسوك) إلى تنظيم رحلة علمية لاستكشاف الخطوط عام 1941.
طار كوسوك فوق الخطوط واستطاع تمييز بعض النقوش، واستمر في دراسته للموقع لمدة عام، ثم تبعه كثير من الأثريين والعلماء، ولا تزال إلى يومنا هذا الدراسات جارية لحل لغز خطوط نازكا ومعرفة السبب في وجود تلك الرسوم هناك، وما الذي تعنيه.
سر استمرارها وأشكال خطوط نازكا العملاقة
يتساءل كثيرون: ما هو سر خطوط نازكا؟ ولماذا لا تختفي خطوط نازكا رغم مرور آلاف السنين؟
والإجابة تكمن في طبيعة المناخ؛ فالرسوم تم نقشها بالحفر في التربة، ولأن هذه المنطقة شديدة الجفاف ونادرًا ما يسقط عليها المطر وحركة الرياح فيها محدودة للغاية، حُفظت النقوش مئات السنين دون أن تندثر.
تُظهر صور خطوط نازكا الملتقطة من الطائرات دقة هندسية لا تصدق؛ حيث تحتضن هذه الصحراء التي تبلغ مساحتها نحو 320 كيلومترًا مربعًا أكثر من سبعين نقشًا لحيوانات وحشرات ونباتات، منها القرد، والكلب، والعنكبوت، والطائر الطنان، والنسر، ورسم عملاق يبدو وكأنه لرجل يلبس ملابس رواد الفضاء.
بعض تلك الرسوم يصل طوله إلى 365 مترًا، أي ما يوازي ارتفاع ناطحة سحاب؛ لذلك عُرفت باسم خطوط نازكا العملاقة، هذا إضافة إلى ثلاثمائة شكل هندسي، وأكثر من ثمانمائة خط من الخطوط المستقيمة الممتدة بدقة في مختلف الاتجاهات وبأطوال متباينة حتى إن بعضها يصل إلى خمسين كيلومترًا.
وفي عام 2019 أعلن عالم الآثار الياباني (ماساتو ساكاي)، أنه وفريقه من جامعة (ياماغاتا) اليابانية الذي يعكف على دراسة خطوط نازكا منذ عام 2004، استطاعوا اكتشاف 143 نقشًا جديدًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث قامت أجهزة الكمبيوتر المتطورة بتحليل صور الأقمار الصناعية.

خطوط نازكا والعلاقة مع الآثار العالمية (خطوط نازكا في السعودية)
حين نبحث في موقع خطوط نازكا الجغرافي، فإننا نشير مباشرة إلى بيرو، ولكن تظهر خطوط نازكا العلاقة الوثيقة مع مواقع أثرية أخرى في العالم حسب المفهوم الهندي القديم؛ فمن المثير للاهتمام وجود منشآت حجرية عملاقة تشبهها تُعرف مجازًا باسم خطوط نازكا في السعودية.
هذه الهياكل الحجرية المكتشفة في بادية الشام وشمال غرب المملكة العربية السعودية (مثل منطقة العلا وخيبر) تشبه كثيرًا أشكال نازكا الهندسية ولا تُرى بوضوح إلا من الجو، ويُطلق عليها العلماء اسم «القمصان» أو «العجلات الحجرية»، وتعود لآلاف السنين أيضًا؛ ما يثبت أن الرغبة في الرسم على الأرض لغايات طقسية أو فلكية كانت ثقافة إنسانية مشتركة عابرة للقارات.
نظريات مفسرة وتحليل التوجهات الفلكية
ولكن ما الذي دفع شعب نازكا إلى نقش رسوم لا يمكن رؤيتها إلا من السماء؟
توجد كثير من النظريات لتفسير هذه المسألة، منها نظرية الدكتورة (ماريا ريتشي)، حيث حاولت إثبات أن الخطوط لها علاقة بمواقع النجوم المهمة في السماء، وأن رسوم الحيوانات والطيور هي في الواقع تمثيل للمجموعات النجمية.
لكن وجهة نظرها لم تلقَ دعمًا من الخبراء لسبب بسيط هو عدم القدرة على معرفة التاريخ المحدد الذي تم فيه نقش الرسوم.
ثم إنه بسبب الحركة المستمرة للأرض وجميع الأجرام السماوية فإن أي خط في أي اتجاه سيُشير في وقت ما إلى ظاهرة فلكية، أو كوكب، أو مجموعة نجمية.
وبعد أن قضت عمرها في دراسة خطوط نازكا والافتتان بها، تُوفِّيت ماريا ريتشي التي كانت تلقب بـ (سيدة الخطوط) عام 1988 دون أن تكشف تمامًا عن هذا السر الفاتن.
في الختام، تظل خطوط نازكا الغامضة شاهداً حيًا على عبقرية شعب نازكا وحضارته التي استطاعت تطويع الطبيعة القاسية لترك بصمة تاريخية عابرة للزمن.
وعلى الرغم من النظريات المتعددة التي حاولت تفسير خطوط نازكا العملاقة وتوجهاتها الفلكية؛ فإن هذا الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو لا يزال يحتفظ بكثير من أسراره في جوف الصحراء، ليثبت لنا أن التاريخ الإنساني مليء بالألغاز التي لم تُفك شفرتها بالكامل بعد.
هل تعتقد أن خطوط نازكا كانت شعائر دينية للحضارات القديمة أم أنها كانت خريطة فلكية متطورة؟ شاركنا برأيك في التعليقات أدناه، ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من محبي التاريخ والغموض!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.