لم أكن أعلم أنني حين دخلت تلك الدار لألقي محاضرة عن «التربية الواعية»، سأعود حاملًا في صدري شيئًا أثقل من المحاضرة نفسها.
كان الجو حارًّا، والغرفة مليئة بأرواح شاحبة، وجوه تشبه بعضها، كأنها خرجت من قالب واحد: قسوة في الملامح، نظرات مرتابة، وضحكات جوفاء تُطلق فقط لتكسر الصمت.
أحدهم -شاب في أوائل العشرينيات- كان يطالعني بنظرة غريبة، ليست حادة ولا مهتمة، بل كأنها تسأل: «ليش كل هذا التعب؟ ما عاد فينا شيء يُصلح».
كان اسمه مهند، هكذا عرَّف نفسه حين سلَّمت عليه بعد المحاضرة. يدُه كانت ضعيفة، باردة… كأنها يد شخص فقد شغفه بالعالم منذ وقت طويل.
قال لي أحد العاملين هناك -بصوت منخفض- إن مهند دخل الدار بتهمة تعاطي، بعد سنوات من التخبط. «أبوه كان يظن أن الرجولة تُزرع بالضرب والشتائم… وكان يعتقد أن القسوة تصنع رجالًا».
في البداية، لم أفهم كيف يُمكن للضرب أن يُخرج منحرفًا بدلًا من رجل. لكن حين جلست معهم أكثر، فهمت.
كانت منى -إحدى الحالات التي أُحيلت إليَّ لاحقًا في استشارة خاصة- قد فقدت القدرة على الضحك. لا تبكي، لا تشكو، لا تعترض، فقط تنظر إليك ثم تغلق عينيها.
قالت لي في جملة مقتضبة: «كنت ألبس الحجاب قبل السن المفروضة، لا لأنني نضجت… بل لأن والدي لا يحب أن يرى شعرًا في بيته. كنت أطبخ وأنا في العاشرة، لا لأنني أُتقن، بل لأن أمي كانت تقول لي: تعوَّدي، الرجال ما يرحموش».
لم يقل لها أحد يومًا: «أحسنتِ يا منى».
لم تسمع في بيتها كلمة «أحبكِ» من والد أو أخ.
فحين جاءها أول شاب برسالة من سطرين: «صوتك حلو، ودلعك أجمل»، سلَّمت نفسها لهدف وهمي كانت تبحث عنه منذ سنوات… أن تكون مرئية.
وتكررت القصص...
كل واحدة منها تحمل بصمة صراخ قديم، ويدًا امتدت لتصفع بدل أن تمسح دمعة، وأعينًا لم تُدرَّب على أن تلمح الانكسار في نظرات أطفالها.
قبل أن ينصرفوا، نظر إليَّ مهند وقال: كل بنت تحتاج كلمة حب من أبيها، لكي لا يضحك عليها أول تافه يقول لها «أحلى واحدة بالدنيا».
وكل ولد يحتاج حضنًا وأمانًا.. لكي ما يجري لأول قطيع يقول له: «إحنا جماعتك».
قلت له: لو رجع بك الزمن؟
قال: أتمنى لو مرة واحدة كان أبوي جلس جنبي وقال لي: «أنا فخور فيك، بس زعَّلتني».
أو أمي قالت لي: «أنا أحبك، بس غلطك وجعني».
مو صراخ، مو صمت، مو هجر.
كان ممكن أكون إنسان طبيعي… بس أنا الآن لسه أتعافى منِّي.
قام، وشكرني، ومشي.
وبقيتُ وحدي أتأمل العبارة اللي قالها قبل ما يختفي في الزحام: «أغلب المنحرفين ليسوا أولاد شوارع... بل أولاد بيوت صارت هي الشارع».
لم يكن أولئك الشباب فاسدين بالفطرة. كانوا ببساطة أبناء بيوتٍ لم تعرف كيف تحب، بيوت تفنَّنت في الزجر والتأديب، لكنها عجزت عن الاحتضان.
كانوا أبناء آباء لم يسمعوا في صغرهم كلمة طيبة، فأعادوا إنتاج الجفاف نفسه على من بعدهم. التربية ليست حبالًا تُشدُّ، بل جسور تُبنى.
وكل أب وأم يظنان أن الغلظة تربية، لا يعرفان أن الطفل حين يُحرَم من الحنان، يبحث عنه في أي حضن آخر.. حتى لو كان ملوثًا.
ولو أن كل فتاة شعرت بجمالها في عيون أبيها، لما احتاجت أن تسمع من رجل غريب أنها تستحق الحب.
ولو أن كل شاب عرف أنه محبوب حتى في زلاته، لما هرَب إلى جماعة أو صديق يُشعره أنه «مقبول كما هو».
حين خرجت من الدار، لم أكن أحمل أوراقي فقط، بل وجوهًا...
كأنني كنت في زيارة لمزرعة ورد أُهملت، فنمت فيها الأشواك بدل الزهور.
وكل شوكة فيها كانت تسأل: «أين كان أبي؟ أين كانت أمي؟ ولماذا أحبونا متأخرين… أو لم يحبونا أبدًا؟».
أولان عودا حميدا يا صديقى المنصة
كان ينقصها الكثير بدون ابداعك الادبى
ثانيا لاجد مااقول عن هذة الكلمات
الجميلة التى عبرت عن كل فتاة تعانى
وعانت من هذا الصراع والألم وكأنك
بهذة القصة تجسد واقعا انا شاهد عيان
على احداثه. سلمت يداك 🙏👍
سلمتِ أستاذة سعاد، وفقنا الله لننقل الواقع ونوصل رسالة..♡
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.