الملاعق تعزف ألحان الحرية


تحكي أخبار اليهود الأوائل أنّه في عصر (انتيوخس الرابع) الحاكم السلوقي اضطُهد اليهود اضطهاداً شديداً، فأُمروا بتقديم القرابين لـ(زيوس) واستبدال قرابينهم القديمة بالخنازير، والكفّ عن تقديس يوم السبت، ووصل هذا الاضطهاد إلى حدّ إحراق القدس، وهدم أسوارها، وبيْع اليهود في سوق الرقيق، واستبدال الأجانب بهم، واضطر مع زيادة الاضطهاد هذا البعض إلى الفِرار من القدس إلى المدن والقرى الأخرى، لكن جيوش (انتيوخس) لحقت بهم أينما حلّوا وأجبروهم - كما قلنا - على مخالفة الدّين اليهودي وتقديس الآلهة اليونانيّة، وكان من بين الفارين إلى مدين أبٌ من سبط (هارون) يدعى (متائياس) وأبناؤه الخمسة فكانوا ستةً، كان بعض اليهود يقدّم القرابين لـ (زيوس) لكن الأغلب كان يُؤْثر أن يكون شهيد دينه، ومنهم من فرّ إلى الجبال، لكن لم يفكر أحدٌ أبداً في مقاومة السلوقيّين، بل كانوا يعتبرون أنّ التفكير في المقاومة خبلٌ، وأنّ أقصى ما يرجونه مجرّد إقناع الملك بالكفّ عن اضطّهادهم حتى جاء اليوم الذي قَدُم فيه (أبليز) عامل (أنتيوخس) إلى مدين طالباً من اليهود المعتاد "أن يجحدوا بدين آبائهم ويقرّبوا قرباناً لزيوس" فصرخ (متائياس): لو أنّ جميع سكان المملكة أطاعوا أمركم بالمروق من دين آبائهم لبقيْتُ أنا وأولادي متمسكين بعهد آبائنا الأوّلين، وذُبح أبليز، ويهوديٌّ قد هَمّ بتقديم القربان وقال: "من كان يغار على الشّريعة وأراد أن يؤيد العهد فليتّبعني"، ومن هذه الكلمات بدأ (متائياس) كفاحه، وتبعه ابنه الأكبر (مكابي) حتى انتهت الحرب بظفر اليهود بالحرّيّة، وأقاموا دولةً لهم بعد ما كان مجرّد التسامح مع عقائدهم أمراً بعيد المنال.

كانوا ستّةً لكنهم كانوا أُمّةً، قبل أن أشرع بكتابة مقالي هذا بقليلٍ، كنت أتابع ردود الفعل على خبر تحرّر أسرى فلسطين الستّة، وقد حققوا الهروب الكبير الذي ظنّه كُتّاب هوليوود ومخرجيها مستحيلاً لا يجوز إلّا بكاميراتهم وخِدعهم البصريّة، وقد قرأت من بين تلك الردود أنّ القاضي قال لأحد المحرّرين: إنّه لن يخرج من السجن أبداً، فردّ عليه وقال: "هخرج غصباً عنك" وقد صدق ما عهد، وسجن (جلبوع) - الذي فرّ منه الستّة الأبطال - لَهُوَ من أشدّ السجون حِراسةً في أراضينا المحتلّة، ولكن هو الأمل الذي ينصر من معه حتى لو كان سلاحهم الوحيد الأظافر والملاعق، كأنّ الله أراد للصّورة أن تُكتمل، كان اليهود في أيّام (أنتخيوس) مظلومين، لكنّ الله اصطفى ستةً منهم ليحملوا الأمل مشاعل في أيديهم، ويسيروا واليهود معهم إلى الحريّة، واليوم تَبدّل الحال وأصبح المظلومون في أيّامنا ظالمين، لكنّ الله اصطفى ستةً منّا ليُحرّروا أنفسهم ويستحيلوا مثالاً للحريّة وسبيلاً إن سلكناه وصلنا لتحرير فلسطين.

قالوا لهم: "سلّموا بالأمر الواقع وارضوا من الحلول أقلّها ذلاً، وتنازلوا عن المعظم، حتى لا تسلبوا الكل"، فقلنا لهم ناصحين عاجزين: "وليسوا بغير صليل السيوف يجيبون صوتاً لنا أو صدى"، اُتُّهمنا وما زلنا نُتهم - نحن المستمسكون بالقضية - بالإفراط في الأمل حتى صار هذا الأمل وَهْماً يُثقل كتف حامله، فيدافع عنّا محرّرونا الستّة بأنّ الأمل الذي ظنّوه وَهْماً يُثقل الأكتاف، كان يرقص على صليل ملاعقهم وهي تحفر أنفاق الحريّة، يدافع أسْرانا ومحاصَرونا عنّا ويمنحوننا قبساً من نور أملهم، ونحن نشاهد مشاهدة العاجزين، يخبروننا أنّها فلسطين، والمستحيل فيها والممكن يسجدان لإرادة أهلها، عزَفت الملاعق سمفونيّات الحريّة، والحريّة في فلسطين أقرب إلى أهلها من حبل الوريد.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب