خريف العمر بين الاستسلام واستمرار الحياة

كلما تقدم العمر بالإنسان، يشعر بالضعف والعجز وقلة الحيلة، وبعد أن كانت له بدائل يختار منها تختفي هذه البدائل؛ لعوامل كثيرة، بعضها منه وبعضها من غيره، ويبدأ الطموح في التضاؤل، ويتلاشى الشغف، وتصبح الأيام بالنسبة إليه مكررة، ويعيشها روتينًا مفروضًا عليه، اختياره -في أثنائها- قليل، ويبدأ في الاستسلام رويدا رويدًا، ويقنع نفسه أو يقنعه غيره أن النهاية تقترب، وأن هذه سنة الحياة.

بالطبع ليس كل البشر هكذا، ولا كل الأمكنة، ولا كل البلاد تحمل هذه الثقافة، بل ينادي بعض المفكرين بأن الحياة تبدأ بعد المعاش ولا تنتهي، وأن صاحب المعاش قد استقبل ربيع العمر -وطبعًا هذه مبالغة- فأي ربيع يستقبله بجسد واهن، وقلب ضعيف، وأطراف مرتعشه، وجسد يهتز ولا يعرف الثبات ماشيًا أو في أثناء الوقوف؟ إذا كان هذا هو الربيع، فماذا عن الخريف؟ الأوقع والصريح أنه خريف العمر.

هل معنى ذلك أن ييأس الكبير، ويحفر قبره بيده؟ بالطبع لا. هل يعاند الطبيعة وسنن الله في خلقه، ويسعى إلى خلق فرص جديدة (فيتزوج، ويتعرف على أناس جدد، ويصحب الشباب حتى تنتقل إليه حيويتهم وآمالهم؟!) بلا شك، لا، لا بد أن يعيش سِنَّهُ، ويتوافق مع نفسه، ويرضى بحاله، لكن ذلك في إطار أنه حي، لا في إطار احتضاره، وأنه أوشك أن يرحل.

وعلى الطبيعة والأحياء فيها الذين يعيشون حوله أن يتلطفوا في تعاملهم معه؛ لأنه يلاحظ -وهو في كبره هذا- أنه أشد حساسية في كل كلمة ونظرة، ويلاحظ -بقدر ما ترى عيناه- ما يفعله الناس نحوه، أن الناس بدؤوا يعزفون عنه، ويسخرون منه، ولا يطلبونه، ويذهب التقدير إلى غيره، لكونه أنه صغير السن، وهو وإن ملك الشهادات، لا يملك الخبرة اللازمة، وإن ملك الحيوية، لكنه يفقد التجربة التي يمتلكها من خبر الحياة قبله.

إن الإنسانية تتطلب منا أن نعامل الكبار بلطف ورأفة، وأن نشعرهم بقيمتهم، وأن نرجع إليهم، ونعاملهم على أنهم أحياء، ومن الظلم أن نعاملهم كأموات، وهم ما زالوا أحياءً، والأظلم من ذلك أن نعطي أنفسنا تصريحًا لشرعنة تصرفاتنا نحوهم، في إطار ما يسمى (صراع الأجيال).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.