خريطة الأنوثة.. لحظة حب خاطفة في قلب الصحراء

تجمَّعنا أنا والصحبة المسكينة كالشظايا في يوم من أيام الصيف الحارق، سافرنا من القاهرة العاصمة المتخمة والمكتظة بالناس من كل حدب وصوب إلى إحدى مدن التاريخ والعراقة التي تبعد عن القاهرة مئات الأميال جهة الشمال الشرقي، وكان الجو شديد الحرارة، كنا نكاد ننصهر كالحديد الذائب، وصلنا إلى هناك وكانت في انتظارنا إحدى الأخوات في البيت، رحبت بنا ترحيبًا حارًّا، دخلنا البيت، أكرمتنا لآخر لحظة، كرم لم نعهده من قبل.

ثم نادت على أخت لها تصغرها بسنوات وقالت لها: أحضري مفاتيح الغرف، واذهبي معهم؛ ليشاهدوا البيت وما يحويه من أدوات معيشية. في دقائق معدودات أحضرتها وجاءت إلينا، وكأنها البدر في كماله، الشمس في رونقها وذهبيتها، تحس للوهلة الأولى لرؤيتها، أنها بستان ورود، التفتُّ لها، وتثبتت عيني عليها، وهي مفعمة حيوية ونشاطًا، كأنني رأيتها من قبل، أو بيننا عِشرة كبيرة، جاءت وقفت بيننا وحيَّتنا أرقَّ تحية، سيطرت عليَّ مشاعر الإعجاب والانبهار في آن واحد.

هي عود فرنسي، ذات وجه مستدير، لون بشرتها قمحي مع بعض السمرة، ترتدي جلبابًا بسيطًا للغاية ليس له لون ولا رائحة ولا طعم كمثل الماء تمامًا، ليس لمثلها أن ترتديه، تضع غطاءً فوق رأسها، وتخرج منه شعرة بيضاء، غيَّر لونها الزمن والشقاء وتلك البيئة القاسية التي تعيش فيها، وأيضًا تلبس حذاء باليًا، ملطخًا بالقاذورات، ولذلك بهت لونه وضاع وسط الرمال، وفي جيبها هاتف، ينشد أعذب الأناشيد والتراتيل التي تملأ ذلك التل الفسيح مع صدى في الصوت وهزات ناعمة لا تستشعرها سوى القلوب الرقيقة، تغمر المكان بالسلام والفرح اللذيْن يرتسمان على وجهها المحبوب المفضل -منذ الآن- لدي. 

ذهبنا معها في كل الأروقة، شرحت لنا كل التفاصيل التي جئنا من أجلها، شاهدت أنا والأصدقاء البيت كله، وناقشنا بعض النقاط حول تفاصيل معينة تخصنا للإقامة، أما أنا فتزاحمت حولي كل الأفكار وكأنها نحل وأنا خلية، وقد حامت حولي، وتساءلت ما الذي يجعلها تترك الحياة هناك وتغرد خارج سرب البنات الأخريات من جيلها، كيف تغادر ثوب أنوثتها الشِّفْشَاف، وتأتي إلى مكان مقفر وخالٍ من أي حياة، وللحظة تخيلتها ترتدي فستانًا كغيرها، ولِمَ لا؟

إنها فتاة، ولديها حياة تملكها وجمال ينصبها ملكة على خريطة الأنوثة، لماذا تركت هناك وجاءت إلى هنا؟ أجاءت من حقل الحياة؛ لتدفن في وادي الموت بالتل الكبير، المكان مهجور، ليس مهجورًا ولكنه مدفون في الصحراء والجبال. أتعرف شيئًا غير الصخور والرمال؟ ما الذي جاء بها إلى هنا؟ كل هذه الأسئلة جالت برأسي وغيرها كثير، وقد ساقني الفضول إليها، وقررت المثول بين يديها وسؤالها عن تلك الأفكار، لعلني أجد إجابة تشفي غليلي من ذلك الفضول القاتل، وفي أثناء تصفح الأصدقاء إحدى الغرف، وقفت أنا بالخارج، وهي معي في الرواق الكبير، هممت بسؤالها، والحديث معها، ولقد دار بيني وبينها هذا الحوار الطيب، وكانت ترتسم أيضًا على شفاهها الصغيرة ابتسامة نقية، ضحكة بيضاء رقيقة، ثغرها بسيط هادئ، جذبتني ناحيتها، إنها تمتلك نظرة سحرية، وأنا واقف أمامها، وكلي إعجاب وفتنة بها، وفجأة قررت أن أتجاسر وأغوص في عقلها بمركبي الصغير، أعني سؤالي الحائر بين ضفتي أفكاري المتهادية، وقلت:

من أين أنتِ؟ 

ردت بكل عفوية ونشاط وقالت: أنا من هنا وهناك، أنا من كل مكان. 

نظرت إليها وأنا في دهشة، ابتسمتُ ابتسامة خافتة وحزينة، وقلت: كيف تركتِ هناك؟ اتسعت عيناها ونظرت لي مع ابتسامتها التي تملأ وجهها ووجه الكون معًا، وقالت: هناك أين؟ 

قلت: هناك؟ 

قالت بجدية: كل إنسان فينا عنده هدف. 

قلت وأنا مكلوم، وحزين لحالي، وصوتي متحشرج: وأنتِ ما هدفك؟

قالت بكل ثقة وجمال وهدوء نفسي: هو. وسكتت، فهمتُ مقصدها، وأنا كلي حيرة، نظرتُ وأمعنت النظر لها وعلى وجهي كتيب من الأسئلة، وقلت: لديَّ فضول كبير أن أعرف، ما الثمن لهذا؟ قالت بتواضع: الثمن حدده هو. 

تسرعت وقلت: ألم تندمي؟

ردت بفرح: لمَ تقدِّر الأمر هكذا؟

وفجأة سمعت واحدًا من الأصدقاء ينادي عليَّ، وانقطع حواري معها. 

ضحكنا جميعًا، وأكملنا رؤية البيت، وأنا قد تبدل حالي كلية، ما بين ضحكة على وجهي مرسومة، وأسئلتي لها التي أدخلتني في موجة حزن، ما بين فرحي بردودها القوية وحالتها العفيفة، وضعفى وهواني أنا، وعشت بعدها مدة غير واعٍ بما جرى، وفي حالة صمت مهيب، وكأنني لست موجودًا معهم، دخلت أصارع نفسي وهدوئي، وفكري راح بعيدًا جدًّا عني. 

كانت الأخت الكبرى قد نادت عليها وكلَّفتها بأمر ما، واختفت ما يقارب الساعة والنصف، حتى إنني قلت لنفسي إنها توارت عنا ودخلت لخلوتها الخاصة، واقتنعت بهذا الرأي، حزنت جدًّا لعدم رؤيتها مرة أخرى، تعلق قلبي بصفائها، وأحببت وجهها الطفولي البريء، أسكرتني هسهسة ضحكتها، وأمتعني حديثها العذب، أنا أحببتها جدًّا في هذه اللحظات المعدودة؛ لأنها كشفت لي عن جوهر إنسان كان مدفونًا هنا تحت الرمال، إنها إنسان في زمن اختلت فيه الإنسانية، إنسان ملاك يجري ويصارع الجبال من أجل التسلق والوصول لهدفه المخفي بين جدران الزمان الآتي وليس الحاضر المر الذي نعيشه. 

مرَّت من أمامنا طفلة هناك، ناديتها وقلت لها نحن نرغب في مقابلة الأخت الكبرى التي استقبلتنا؛ لأننا نريد أن نغادر المكان، هممنا فعلًا وكنا قد اقتربنا من الباب الحديدي الذي دخلنا منه، وقد أشارت الطفلة إلى مقر الأخت الكبرى، ذهبنا إليها، خرجت من مقرها وجلسنا معها في مكان به بعض ظلال الأشجار؛ لأن الشمس لم تغب بعد، أما شمسي أنا التي استشعرت دفئها فقد غابت لا أعلم لأي اتجاه قد غربت، لقد جلست الأخت الكبرى معهم وأنا قد انسحبت من بينهم ومشيت خطوات عدة وقد أدرت لهم ظهري، وراحت نفسي تسرح في البنت وجمالها، وفلسفتها العميقة في الحياة، وراحت يداي تقطف زهرة فواحة، ولكنني استحرمت قطفها، قرَّبتها من أنفي، شممتها وعدت بها لمكانها، فهي ليست ملكًا لي.

وفيما أنا أدير وجهي لاحت عيناي ونظرت وإذا بها تأتي ثانية وتشرق من جديد، كانت تجلس مع الأخت الكبرى بين الأصدقاء، اتجهت ناحيتهم لكنني لم أجلس بينهم، كنت أختلس منها نظرة عابرة، وقد اختلست نظرة مع ابتسامة؛ لتحيي ما قُتل في نفسي، فرحت جدًّا بها، وفي أثناء الحديث فجأة قامت ومشت وغابت مرة أخرى، أُصبت بالحزن والكآبة مرة ثانية وثالثة، وقد قلت في قرارة نفسي، قد انتهت الزيارة وانتهيت وفقدت الأمل من جديد، ثم قمنا من هناك واتجهنا نحو السيارة التي تقلنا. 

لقد انعدم طموحي في رؤيتها هذه المرة. تحركت بنا السيارة، وإذ بها تطلع من جديد ممسكة بيدها إناء ماء جلبته لنا لنسد به الظمأ الذي اعترانا، وهي كلها أنوثة طاغية مع بساطة وتلقائية، وسألها واحد من أفراد المجموعة. من أين أنتِ؟ ضحكت مع خجل وقالت: من كل الأمكنة أنا؟ 

ارتوينا جميعًا وهي واقفة تنظر لي وتبتسم كالعادة، قلت لها: أرغب في التقاط صورة لي ولكِ، أود أن أحتفظ بتلك الملامح الأنثوية معي، نظرتْ إلى البوابة ورفضت بأناقة وهدوء، والمرة الأخيرة نظرت في عيونها وكأنها أُحرجت من طلب التقاط الصورة، وظلت تنظر إلى الأرض وأنا أمعن إليها حتى تحركت بنا السيارة، وغابت وتوارت وكأنها حلم طاردنا في الواقع المؤلم. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة