خرافة الحب من أول نظرة (الحب بين الواقع والخيال)

كثيرًا ما نسمع عبارات من قبيل: (وقعت في الحب من أول نظرة)، أو (منذ أن رأيته شعرت بأنه هو من كنت أبحث عنه)، تبدو هذه العبارات مألوفة، وربما محببة لدى بعضنا، لكنها في الحقيقة قد تكون أبعد ما تكون عن الحب الحقيقي.

فما الذي يحدث حقًا في تلك اللحظة الأولى التي نعتقد فيها أننا (أحببنا)؟

الانبهار ليس حبًا

في معظم الأحيان، ما نشعر به في اللقاء الأول ليس حبًّا، بل انجذابًا لحظيًّا تحركه كيمياء الدماغ واللاوعي، فيفرز الدماغ مواد مثل الدوبامين والأوكسيتوسين، فيولد شعورًا بالارتياح قد نخطئ تفسيره على أنه حب.

لكن الحب، في جوهره، لا يُبنى على نظرة أو مشهد عابر، بل على معرفة حقيقية، وتراكم من المواقف، والقدرة على التواصل والفهم.

نحب الفكرة لا الشخص

أحيانًا لا نحب الشخص نفسه، بل نحب الفكرة التي كوّناها عنه، قد يكون في ملامحه أو طريقته ما يُشبه شخصًا نُكن له مشاعر سابقة، فنُسقط عليه كل ما تمنيناه أو فقدناه، ربما يعجبنا صوته لأنه يُشبه صوتًا نحبه، أو طريقته لأنها تُذكرنا بشخص عزيز، فنقنع أنفسنا بأننا أحببنا، ونحن في الحقيقة نعيش مشاعر ماضية أُعيد إحياؤها في شخص جديد.

في هذه الحالة لا نكون مدركين بسبب الانجذاب لأنه يحدث في اللاوعى.

وهكذا، نظن أننا وقعنا في الحب، في حين نحن فقط نُعيد بناء صورة قديمة داخل وجه جديد.

اختلاف طرق التعبير عن الحب

خطأ آخر نقع فيه هو افتراضنا أن الجميع يُحب ويُعبر عن الحب كما نفعل نحن، فقد نتخيل أن الشخص الذي أعجبنا سيعاملنا بطريقة رومانسية معينة، لكنه في الواقع شخص عقلاني، أو عملي، أو حتى مادي، لا يُجيد التعبير عن المشاعر.

وهنا تنشأ الصدمة: لا لأن الشخص تغيّر، بل لأننا نحن من كوّنا صورة خاطئة في خيالنا، وأحببنا تلك الصورة، لا الحقيقة.

الحب الحقيقي يحتاج إلى وقت

الحب الصادق لا يولد من نظرة، بل من معرفة حقيقية، لا بد من الحديث، من المواقف، من الخلافات والمصاعب التي تكشف معادن النفوس، وتُظهر الشخصية كما هي، حينها فقط، يمكن أن تنمو المشاعر وتصبح حقيقية، حين نحب الشخص لما هو عليه، لا لما نُريد أن نراه عليه.

"الحب من أول نظرة" ليس إلا خرافة لطيفة تسكن القصص والروايات، أما في الحياة، فالحب الحقيقي يُبنى على وعي، واكتشاف، وتجارب مشتركة. الحب لا يُقاس بسرعة الشعور، بل بعمق الفهم، وما أسرع أن نُحب فكرة، ثم نكتشف أننا كنا نُحب خيالًا لا إنسانًا.

الحب الحقيقي

كانت تظن أنها أحبته، رأته للمرة الأولى فشعرت بانجذاب غريب، كأن قلبها تعرّف عليه قبل عقلها، كان هادئًا، مبتسمًا، أنيقًا في مظهره وحديثه، تخيّلته رجلًا رومانسيًا، يُجيد التعبير عن مشاعره، ويُشعرها بأنها الأهم في هذا العالم.

لكنها لم تكن تُحبّه هو.. بل تُحب الصورة التي رسمتها له في خيالها، وبعد الزواج، بدأت الصورة تتشقق شيئًا فشيئًا.

اكتشفت أنه عقلاني إلى حد البرود، لا يرى فائدة في التعبير عن الحب، بل كان يرى أن حاجتها إلى تلقي الاهتمام ضعف ونقص، وكأنها لا تكتمل إلا بحب الآخر، ولم يلتفت إلى مشاعرها كما كانت تنتظر.

كان عمليًا، مشغولًا بأهدافه، يرى الحياة بنظرة مادية بحتة، وكان يرى الحديث عن المشاعر ترفًا لا وقت له.

ومع مرور الأيام، بدأت تكتشف ما أقسى من البرود: أنه عصبي، سريع الغضب، لا يتحمل النقاش، يرفع صوته لأسباب تافهة، ويُلقي عليها اللوم في كل شيء. 

وهنا فقط أدركت الحقيقة: هي لم تكن تُحبه، بل كانت تحب فكرتها عنه، كانت تُحب ما أرادته أن يكون، لا ما كان في الواقع، الصورة التي رسمتها من أحلامها واحتياجاتها، لا من حقيقته هو.

مع مرور الوقت، بدأت تُدرك أن الحب ليس كما تصوّرته في خيالها، ولا كما رسمته القصص والروايات، الحب ليس شعورًا دائمًا، لا يظل مشتعلًا طوال اليوم ولا يحضر في كل لحظة، هو شعور يأتي ويذهب، يقوى أحيانًا ويخفت أحيانًا أخرى، وقد يغيب مؤقتًا ليعود في موقف صغير أو كلمة صادقة.

الحياة الواقعية لا تُبنى على مشاعر مستمرة، بل على مواقف، ومسؤوليات، ومشاركة، وصبر.

الذي يستمر ليس شغف اللحظة الأولى، بل الصدق، والاحترام، والاحتواء. الحب الحقيقي لا يُولد في لحظة، بل يُبنى يومًا بعد يوم، ويُختبر في الأزمات قبل الأوقات السعيدة.

أما الحب الذي يعيش فقط في عقولنا، في صورة مثالية نتمسك بها، فغالبًا ما ينهار أمام أول مواجهة مع الواقع.

عندما نتعامل مع شخص ما، قد نعتقد أنه يتعامل معنا بطريقة تظهر شخصيته الحقيقية، ولكن قد لا تظهر هذه الشخصية كاملةً أو بوضوح، فهناك من لا يستطيع التعبير عن نفسه بكل صدق أمامنا، إما لخوفه أو لأنّه يظن أننا مختلفون عنه، فلا يثق بأننا سنفهمه، ولهذا السبب، لا نستطيع أن نكتشف جوهره الحقيقي أو نعي حاجاته بوضوح، ومن هنا، ندرك أن ما نراه من تصرفات ذلك الشخص هو جزء من شخصيته، حتى إن كانت غير مكتملة أو غير واضحة، لأنّه في الأصل غير قادر على التعبير الكامل عن ذاته. 

فنظن أننا رسمنا صورة واقعية عن الشخص ولكن في الحقيقة، شخصية الأفراد الحقيقية لا تظهر إلا مع أشباههم، حيث يجدون راحة في التعبير عن أنفسهم، وقد لا تظهر أصلًا بأي حال من الأحوال.

نحن لا نحب الأشخاص، نحن نحب الظاهر منهم أو ما يودون أن نراه، وقد نحب ما نتصوره عنهم.

يمكنكم كتابة آرائكم عن المقال ومشاركة تجاربكم الشخصية. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة