خرائط المفاهيم من التعريف إلى احتراف طريقة الرسم وكيفية الاستخدام

مع تطوَّرت طرائق عرض الأفكار ومناقشتها وتحليلها، ظهر مصطلح «خرائط المفاهيم»، وهي تُعد أحد إستراتيجيات التصور التي يمكن بواسطتها توضيح الأفكار وربطها وصناعة حالة من التفاعل الجماعي بإظهار العلاقات بين المفاهيم والمعلومات والدوائر ببعضِها بعضًا.

وفي هذا المقال نصحبكِ في جولة معمقة لنعرف مفهوم خرائط المفاهيم ونخبركِ بالمزايا التي تحصلين عليها عندما تستخدمين خرائط المفاهيم، إضافة إلى طرائق الاستخدام والتطبيقات التي تجعل خرائط المفاهيم إستراتيجية ذات فعالية كبيرة.

تعريف خرائط المفاهيم

يمكن الإشارة إلى خرائط المفاهيم بعدِّها نوعًا من أنواع الرسوم التخطيطية التي تُستخدم لتوضيح العلاقات المعقدة بين الأفكار بمجموعة من الرسوم والدوائر التي تترابط ببعضها بعضًا بطريقة ذكية، وهو ما يظهر في النهاية في هيئة شبكة مترابطة من الخطوط والدوائر والرسوم، لتبدو الأفكار الرئيسة أكثر وضوحًا، ويسهُل معها إجراء المناقشة والشرح والتفاعل.

كذلك، فإن خرائط المفاهيم يمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك مع تطوّر الأفكار وزيادة الروابط، إذ تتوافق مع عدد من التطبيقات العملية في مراحل التعليم، وجلسات العصف الذهني، والاجتماعات، والدورات التي تتطلب تنظيم المعرفة، فيتجاوز الأمر مفهوم التدوين التقليدي إلى تجربة غنية على مستوى الفهم والبصر والتخيّل والإلمام بمعلومات وأفكار بعيدة ومعقدة بطريقة مبسطة وسلسة.

والأجمل من ذلك، عند دمج خرائط المفاهيم مع ما هو متاح من أدوات أخرى، ما يرفع من شأن التجربة ويسهِّل عملية نقل الأفكار المعقدة وصياغة التصورات المتعلقة بالأفكار الإبداعية والقدر الهائل من المعلومات، وهو ما يتجه إليه العالم الآن على مستوى التعليم في المدارس والجامعات، وعلى مستوى الأمكنة البحثية والمهنية التي تتطلب كثيرًا من التواصل والعمق والفهم.

الفرق بين الخريطة الذهنية وخريطة المفاهيم

وجه المقارنة خريطة المفاهيم الخريطة الذهنية
المركز تحتوي مفاهيم متعددة ومترابطة هرميًّا تركز على فكرة مركزية واحدة في المنتصف
الروابط تحتوي كلمات ربط تشرح العلاقة (مثل: يؤدي إلى) مجرد خطوط تربط الكلمات دون شرح
الهدف تحليل العلاقات والتعلم العميق للمعلومات العصف الذهني السريع وتوليد الأفكار

 

تطوُّر خرائط المفاهيم

يُعَدّ مفهوم خرائط المفاهيم من المفاهيم القديمة التي عمل عليها الناس منذ أوقات طويلة، ويمكن إرجاع تاريخ رسم خرائط المفاهيم إلى أوائل القرن العشرين، حينما حاول التربوي والفيلسوف الشهير «جون ديوي» تنظيم المعارف وربط العلاقات بين المفاهيم المختلفة.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، تطوّرت خرائط المفاهيم على يد عالم الاجتماع «جاكوب مورينو» الذي طوَّر ما أسماه «تقنية المخطط الاجتماعي»، إذ كان يستخدم مجموعة من الرسوم والمخططات البصرية لشرح وتوضيح مجموعة من المفاهيم الخاصة بالعلاقات الاجتماعية، وهو ما يمكن عدُّه نمطًا من أنماط خرائط المفاهيم البدائية التي وضعت أسسًا مهمة لفكرة تصوّر الاتصالات.

جاء بعد ذلك «جوزيف نوفاك» الذي يُعدّ صاحب الفضل في ظهور خرائط المفاهيم التي نعرفها الآن، عندما طوَّر رسم خرائط المفاهيم في الستينيات وأدخلها في العملية التعليمية، ودعا إلى استخدامها كأحد الأدوات المهمة لتعزيز الفهم وحل المشكلات والوصول إلى ما أسماه «التعليم الهادف».

كانت خرائط المفاهيم التي عمل عليها نوفاك تقوم على المخططات الهرمية، كما دعا المعلِّمينَ والمتعلمين إلى المشاركة سويًّا في صناعة خرائط المفاهيم من أجل مزيد من التفاهم والتفاعل وتدفّق الأفكار بين الطرفين.

وفي السنوات الأخيرة، ومع ظهور الكمبيوتر وتطوّر التكنولوجيا، تطورت خرائط المفاهيم تطورًا كبيرًا، إذ ظهر كثيرٌ من الأدوات والتطبيقات والبرامج التي يمكنها صناعة خرائط مفاهيم رقمية مع استخدام الكثير من الرسوم والعلاقات البصرية التي تناسب السياقات المختلفة، سواء في العملية التعليمية أو إدارة المشاريع أو المهن المختلفة.

سمات خرائط المفاهيم

عندما تشاهد إحدى خرائط المفاهيم أو تشارك في اجتماع أو عملية تعليمية قائمة عليها، فإن المسألة تبدو ممتعة وبسيطة، وربما يظن بعض الناس أن صناعة خرائط المفاهيم لا تحتاج إلى مجهود أو دراية، لكن الأمر يتطلب كثيرًا من المعرفة قبل إنشائها، فتوجد أربعة عناصر أساسية تكوِّن خرائط المفاهيم وتمنحها القدرة على التفاعل، وهي:

المفاهيم

تُعد المفاهيم الركن الأساسي في خرائط المفاهيم التي يجب وضعها في أشكال بصرية واضحة، تترابط ببعضها داخل الخريطة، فتكون المفاهيم هي بطل العملية عند تسليط الضوء عليها بالشرح والأسئلة والخطوط التي تربطها بالأفكار الفرعية. ثم إنها جزء من أهداف العملية، فتستهدف عملية الشرح والعلاقات بين الرسوم تفكيك المفاهيم وتوضيحها وإظهار علاقتها بالغرض الرئيس من العملية.

الهيكل

غالبًا ما تقوم خرائط المفاهيم على وجود هيكلين رئيسين، هما: المفاهيم التي توجد داخل كل دائرة أو عقدة، والتخطيط الذي يمكن بواسطته اختيار الأشكال التي تحمل الأفكار. ثم إن كل عقدة تحمل بداخلها جزءًا من الفكرة الرئيسة أو فرعًا منها، وهو ما يحتاج إلى وضع مفاهيم أصغر لتوسيع المخطط، وبذلك يكون التخطيط أحد أبطال عملية صناعة خرائط المفاهيم.

ولفهم المسألة، نعطي مثالًا: فإذا كان المفهوم الرئيس الذي تتحدث عنه في خرائط المفاهيم هو وسائل النقل الذي يُوضَع في دائرة، فسيتم رسم مجموعة من الدوائر الأخرى التي تتفرع منها، وتمثل الطائرات والقطارات والسيارات والسفن؛ لذا المفاهيم التي تفرَّعت هي جزء من الهيكل، والدوائر والخطوط والرسوم التي وُضعت بداخلها المفاهيم الرئيسة والفرعية هي التخطيط.

بنك الأفكار

يُنشأ بنك الأفكار في خرائط المفاهيم في الموضوعات التي تحتاج إلى نقاش وبحثٍ عن حلول، وفي جلساتِ العصف الذهني؛ فيُعد بدء الجلسة بأكبر قدر من الأفكار أحد الأمور التي أثبتت نجاحًا كبيرًا في مثل هذه الجلسات، ومع استخدام خرائط المفاهيم، يساعد ذلك على ظهور مقترحات وأفكار مبدعة وجديدة.

وتحدث مناقشة ربط الأفكار الموجودة في بنك الأفكار بخرائط المفاهيم، وهو ما يزيد من التفاعل ويؤدي إلى زيادة احتمالات الوصول إلى حلول ذات فعالية كبيرة. فعلى سبيل المثال، إذا كنا نبحث عن حل لمشكلة ما وبدأنا خريطة المفاهيم بخمس أفكار، كل فكرة في دائرة مغلقة، وحاولنا أن نربط بين هذه الدوائر بالأفكار والمناقشات الجديدة، فغالبًا سنصل إلى عدد من الحلول أكبر من تلك التي قد نصل إليها إذا لم نعتمد على بنك الأفكار.

عناصر الترابط

تُعد الأقواس والخطوط والأسهم التي تُستخدم في خرائط المفاهيم عناصر الربط التي يتم بها توضيح وجهات النظر والأفكار، فتتحوَّل معها أجزاء المعلومات إلى معلومات كاملة؛ لذا فهي أحد أهم أركان صناعة خرائط المفاهيم. وقد لا تجدي خرائط المفاهيم نفعًا إذا لم تتوافر القدرة على استخدام عناصر الترابط، فتصبح المعلومات والأفكار سببًا في إرباك الأشخاص بدلًا من تحقيق أغراض الفهم والتفاعل.

كذلك، فإن الأشخاص الذين يستخدمون عناصر ترابط مناسبة للعلاقات بين الأفكار والمفاهيم ينجحون في صناعة خرائط المفاهيم، وينجحون كذلك في إيصال الأفكار والمعلومات على نحو ذكي، ويمنحون الآخرين تجربة بصرية ممتعة، إضافة إلى مساعدتهم على الاندماج الكامل في عملية التعلم والنقاش وتوليد الأفكار.

كيف نرسم خرائط المفاهيم؟

يمكن لأي شخص أن يرسم خرائط المفاهيم، لكن الفعالية العالية تتطلب اتباع بعض الخطوات الصحيحة والمنظمة التي يعدها الخبراء أساسية في عمل خرائط المفاهيم، وهي كالتالي:

  • أولًا: يجب توضيح المفهوم الرئيس الذي تدور حوله معظم الأفكار الذي قد يكون فكرة أو سؤالًا يترتب عليه كل المعلومات والأفكار والمفاهيم الأخرى، وهو ما يمكن عده جذر الشجرة في خرائط المفاهيم.
  • ثانيًا: خطط خريطة المفاهيم الخاصة بك على ورقة قبل صناعة خريطة المفاهيم الرئيسة، واختبر الأشكال التي ترغب في استخدامها، وضع الأفكار بأسلوب مرتب من الأهم والرئيس إلى الفرعي والجانبي، من أجل الوصول إلى تصور أفضل عند عمل خريطة المفاهيم
  • ثالثًا: حدِّد الطريقة التي ستربط بها المفاهيم والأفكار، سواء كانت أسئلة أو إشارات أو إجراءات معينة، وابحث عما يناسبها على المستوى البصري حتى تعبر خريطة المفاهيم عما يدور في رأسك وتتناسب مع أهداف النقاش أو العملية التعليمية.
  • رابعًا: ابدأ عملية بناء خريطة المفاهيم بكتابة جميع الخطوات السابقة على الورق أو على السبورة البيضاء التي غالبًا ما تُقرأ من قبل المتفاعلين من الأعلى إلى الأسفل، وبذلك يجب مراعاة أن يكون تدفق الأفكار والمفاهيم من الأعلى إلى الأسفل.

أخيرًا، يجب أن تلتزم بالمرونة وإجراء المراجعات على خرائط المفاهيم في أثناء العمل عليها، وذلك عند الحصول على معلومات جديدة أو أفكار لم تكن في الحسبان، أو مع تغيُّر الأمور نتيجة المناقشات والعصف الذهني، أو تغيُّر الأهداف لسبب ما.

نصائح مهمة في استخدام خرائط المفاهيم

من المفيد أن تشاهد عددًا من أمثلة خرائط المفاهيم على الإنترنت في مجالات العمل والأغراض التي تتشابه مع أغراضك قبل البدء في عمل خرائط المفاهيم الخاصة بك، فيمكنك الحصول على أفكار جديدة أكثر إبداعًا وتطورًا.

من الأمور المهمة التي تجعلك تتذكر المعلومات والأفكار التي استُخدمت في خرائط المفاهيم هو استخدام العناصر اللونية المختلفة كونها رموز وعلامات للتفريق بين المعلومات والأفكار، إضافة إلى كونها تضفي جوًّا من المتعة على استخدام خرائط المفاهيم.

من الأفضل أن تستخدم لغة موجزة في خرائط المفاهيم، فتكون اللغة القصيرة أكثر فاعلية من العبارات الطويلة والجمل الكبيرة، وهو ما يتعارض أحيانًا مع الهدف من عمل خرائط المفاهيم وقد يكون مشوشًا للبعض ومُقلّلًا من درجة التفاعل والتدفّق المعلوماتي والتنظيمي.

أفضل خرائط المفاهيم هي التي تُنشأ في بيئة متعاونة، إذ تكون الخرائط أكثر دقة واستنارة نظرًا لتجمّع عدد من وجهات النظر والآراء. وهذا ما يجعل الخبراء يقولون إن أفضل خرائط المفاهيم هي التي يصنعها جميع المشاركين. حتى في العملية التعليمية، يمكن أن يشارك المتعلمون مع المعلمين في صناعة خرائط المفاهيم.

أمثلة على استخدام خرائط المفاهيم

يوجد كثير من المجالات التي تستفيد من خرائط المفاهيم التي تُظهر المزايا المتعددة والواسعة والمتجددة لها، فيمكن استخدامها في سيناريوهات عدة ومختلفة، لكننا سنشير إلى الأمثلة الأكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة.

المهن والأعمال

يُستخدم هذا النوع في مجالات المهن والأعمال بأشكال عدة، فيمكن أن يكون نافذة للإبداع والابتكار، مع استخدامه في مجالات الأفكار والتصاميم، إضافة إلى كونه أداة مهمة في إجراء تحليل الأعمال، ووضع الرسوم التخطيطية للمنتجات، وتوثيق عملية تدفق العملاء، فضلًا على شيوع استخدامه في بناء الإستراتيجيات والقيم التسويقية، وحل مشكلات التكنولوجيا، والرسوم التخطيطية لنماذج التوريد وتدفقات المنتجات.

مجال البحوث

تُعد خرائط المفاهيم من الأدوات المهمة في مجال البحوث عامة، فيمكن بواسطتها وضع أسئلة البحث وتخطيط الأجوبة والنتائج وتنظيم عمليات الاستعلام البحثي، ويمكن استخدامها مرجعًا لقياس مدى النجاح في بقاء الأمور على المسار الصحيح بعدِّها نموذجًا.

كما يمكن استخدامها في تسجيل النتائج وأنماطها بعد اكتمال عمليات البحث وفهم العلاقات بين النتائج والأسئلة الشائعة والإجابات، وهو ما يساعد في النهاية على الخروج بأفضل النتائج من عملية البحث.

مجال التعليم

يُعدّ مجال التعليم الأكثر استفادة من خرائط المفاهيم، وربما كان هو المجال الذي دفع إلى تطور خرائط المفاهيم إلى الشكل الذي نعرفه في الوقت الحالي؛ إذ تتعدد الاستخدامات في العملية التعليمية بين المعلمين وبعضهم، وبين المعلمين والطلاب، حتى في عملية الإدارة والتنظيم للمعاهد والمدارس والأماكن التدريبية.

يمكن بفضل خرائط المفاهيم عمل دليل للدراسة وتنظيم المواد وإنشاء العلاقات بين المفردات والأرقام والحقائق والأحداث، وكذلك إنشاء المخططات ذات الجداول الزمنية، وعمل الهياكل التعليمية، إضافة إلى خطط الدروس وتوصيل المعلومات بطريقة سهلة وممتعة للطلاب، وغيرها من الأفكار غير المحدودة.

وفي الختام، فإن خرائط المفاهيم تفرض نفسها كأحد أهم الأدوات المتاحة والسهلة والممتعة في عدد من المجالات التي تتطلب التفاعل وربط الأفكار والمعلومات التي يمكن أن يتقنها أي شخص في أي مكان ويحصل على نتائج كبيرة في مدة قصيرة.

وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة